الدرس الثامن

فضيلة الشيخ د. عبدالحكيم بن محمد العجلان

إحصائية السلسلة

6052 12
الدرس الثامن

فقه الدعوة إلى الله

السَّلام عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته.
الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدِّينِ.
أمَّا بعدُ: فأسألُ الله -جلَّ وعَلا- أن يجعلَنا وإيَّاكم مِن أهلِ طاعته، وأن يُبلغنا فضلَه، وأن يُجنِّبنا معصِيتَه، وأن يرفَعَنا في دِينِنِا ودنيانَا، إنَّ ربَّنا جوادٌ كريمٌ.
أيُّها الإخوةُ الكرامُ، في هذه المجالسِ المباركةِ التي نَنْعَمُ وإيَّاكم بها في مِثلِ هذه المباحث التي نحتاج إليها، وطالما أفدتُّ مِن بعضِكم عبرَ الرَّسائل والتَّواصلات عن طريق هذه الأكاديميَّة المباركة، أو حتى في الحوارات كما يجري قبلَ البداءةِ في الحلقةِ مع الإخوةِ الحاضرين، وما يلحقُ ذلك أيضًا مِن أحاديث هي مُفيدة لنا جميعًا.
أيُّها الإخوة، كان حديثُنا في المجلس الماضي مِن أهمِّ الأحاديث، وهو البداءةُ في الدَّعوَة، وما ينبغي للدَّاعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- أن يُقدِّمَه، وأن يبتدئَ به، وأن يُسابقَ إليه، وأن يجعلَه أصلًا في دعوته، وذكرنا أنَّ أصلَ ذلك وأوَّله هو: توحيدُ الله -جلَّ وعَلا- وعبادته، وأنَّ هذه هي الدَّعوَة التي لأجلها بُعثَ الأنبياءُ والمرسلون، ولأجلِها جُعلت الجنَّة والنَّار، والدُّنيا والآخرة، وهي أصل ما يجب على المكلَّف، ولأجلِها خُلقوا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56].
وقلنا: ثَمَّة أمرٌ يلحق ذلك، وهو: شعائرُ الدِّين العِظامُ، وركائزه الأساسُ، وهي أركانُ الإسلامِ، ولأجل ذلك كان هذا مِن أكثرِ ما دعا إليه النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وقرَّره، واستقرَّ ذلك في كتابِ الله -جلَّ وعَلا- وسنَّة نبيِّه -صلى الله عليه وسلم- ولم يزل للنَّاس مُعلمًا في صلاتهم، ومبيِّنًا لخطئهم، ذاكرًا لفضائلها، مُحذِّرًا من تركها، إلى أن جعلَ الصَّحابةُ -رضوان الله تعالى عليهم- ذلك مِن أهمِّ أمورهم، حتى إنَّه ليُعرف فقه الصَّحابي بضبطه وإتقَانه لصفةِ صلاته "نِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" ، فيُراجعهم في ذلك حتى يقولوا: أرنا. فيتقدَّم فيُصلِّي بهم، أو يذكر لهم صفةَ صلاةِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فيُقرُّوه على ذلك؛ فهذا يدلُّ على عظَمِ ما اهتمَّ به النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- من تعليم أصحابه للصَّلاة وأحكامها.
ومثل ذلك الصِّيام والحج، والشَّعائر العظام، قال -صلى الله عليه وسلم: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وفي ذلك مباحث كثيرة قد يتعذَّر علينا الوقوف عليها.
ذكرنا أيضًا في المجلسِ الماضي أنَّ الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- تنقسم بحسبِ ما يكون عليه حاجة الإنسان، فما يَلزمه تعلُّمه يَلزم الدَّاعي إلى الله -جلَّ وعَلا- أن يبتدئ النَّاس به، وما كان دون ذلك إذا أخَّرَه أو أجَّله كان ذلك ممكنًا، وكان ذلك صحيحًا، وهو الأولى والأوجبُ على الدَّاعِيَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا؛ لأنَّ الدَّاعِيَة كلَّما حرصَ على ما يكونُ أوجب على المكلَّفِ وأبرأ لذمَّته فهو دَعَاهُ إلى أعظمِ ما يلزمه، وفي ذلك فكاكه مِن نارِ جهنَّم، وفي ذلك أداؤه لِما افترض الله -جلَّ وعَلا- عليه، وفي ذلك نَفعُه، فإذا مَا حدَّثَ شخصًا عن أمرٍ لا يتعلَّقُ به؛ فغاية ما يكون سيكون مجلسَ علمٍ وستكون فائدة، لكن فائدة لا يُحتاج إليها، فكيف إذا مَا كانت الفائدةُ التي يُحتاج إليها غائبةً لم تُعلَم، ومجهولةً لم تُعرَف، فإنَّ الحاجةَ إذن تتحقَّقُ أو تتأكَّدُ فيما يتعلَّق بهذا.
ذكرنا هذا على وجهٍ مِن البيان وبعضِ الأمثلة، وقلنا مكمَّلًا لذلك: إذا قلنا إنَّ أصلَ الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- في هذه الأمور وتتوجَّه إلى هذه المسائل فلا يعني ذلك ألا يوجد ما يدعمها من التَّذكير ِبالخيرِ مِن أنواعِ البرِّ والسُّننِ والمستحبَّاتِ، لكن المقصود بهذا ألا يُنصَرَفَ في أصل الدَّعوَة والإقبالِ عليها إلى أمورٍ قد تكون حاجةُ النَّاسِ أقلَّ مِن سُننٍ أو مُستحبَّاتٍ أو مكروهاتٍ ونحوها.
فما يُفيد الإنسان إذا تعلَّمَ السُّننَ وهو ما تعلَّمَ الفرائض؟! وإذا تعلَّمَ المسائلَ المُكمِّلَة وهو ما تعلَّم الأصول المصحِّحَة لدينِه مِن توحيد ربِّه وإقامة شعائر سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم؟!!
إذن هذا الأمر ينبغي أن يكون حاضرًا إلى الدَّاعِيَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- وهذا باب توفيق، فإنَّ من الدُّعاةِ مَن يَفتح الله له هذا البابَ حتى ينتفع به النَّاس انتفاعًا كثيرًا، فتأمَّل لو أنَّ شخصًا يُعلِّم النَّاس أحكامَ الوضوء، فكم يتوضَّؤون؟ وكم تصحُّ لهم من هذا العبادةِ؟ وكم يسلَمون من بطلانها؟ فكم يأتيه مِن أجرِ ذلك وفضلِهِ ومثوبتهِ عند ربَّه -سبحانه وتعالى؟!
والعكسُ بالعكسِ؛ إذا كان الدَّاعِيَةُ إلى الله -جلَّ وعَلا- الذي عرفَ الأحكامَ وتعلَّمَ المسائل والعبادات، ثمَّ ينصرف عن النَّاس ليُعلمهم شيئًا لا يحتاجون إليه كثيرًا من تفاصيلِ مسائل معيَّنة قد يحتاجون إليها في السَّنَةِ مرةً أو لا يحتاجون، على حينِ أنَّهم يُخطئون في وضوئهم أو في صلاتهم، أو في صيامهم، زكاتهم! فكم يلحقهم من البلاء؟!
وتأمَّلوا أنَّ شخصًا قدِمَ من المغربِ أو المشرقِ، مِن أندونيسيا أو من نيجيريا، أو من غيرها من الأمصار؛ وقد بذَلَ كلَّ مالَه، ولربَّما انتظرَ الحجَّ عشرينَ سنةً أو ثلاثينَ، ثم جاء على حينِ أنَّه لم يعرف أحكامَ الحجِّ ولم يتعلَّم مسائله، فخلطَ الحابلَ بالنَّابلِ، فلم يؤدِّ بعضَ الأركان؛ ففاتَ عليه الحجُّ؟!
فمَن يتحمَّل تبِعَتَه وقد كان بينَ يديه مِن أهلِ العلمِ ومِن أهلِ الفضلِ الذين يعرفون أحكامَ الحجِّ، ويعرفونَ أنَّهم يقدمون على الحجِّ ولم يُبيِّنوا لهم ولم يُوضِّحوا لهم، ولم يُرشدوهم، ولم يعينوهم؟! فيلحقهم بذلك من النَّقصِ شيءٌ كثير.
ولأجلِ ذلك ينبغي للدَّاعِيَة أن يكونَ على نظرٍ متواصلٍ فيما يلزمه أن يقوم به وفيما يختصُّ به.
ذكرنا أيضًا مسألة مهمَّة، ونعيدها هنا كالتَّذكير وحتى يتَّسقَ الحديث بما نذكره هنا، وهي:
أنَّ ممَّا ينبغي العِنايةُ به: ما يخصُّ كلَّ مجتمع بحسبه، فإذا كانت بعضُ المجتمعات مثلًا يلحقها شيءٌ من انتشار الفواحش؛ فالتحذير من الزِّنا ومقدِّماته وإطلاق النَّظر وعدم حفظ العورات هو من أعظم ما ينبغي أن يُحرَص عليه، وهذا أصله ظاهر في سنَّة النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- وفي شِرعَتِهِ، فلما جاء إلى المدينة كان من أول ما نزل قول الله -جلَّ وعَلا: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين 1-3]. لماذا؟
لأنَّه لمَّا كانت أسواقُ المدينةِ فيها كثيرٌ مِن هذه التَّجاوزاتِ وتطفيفِ المكاييلِ، وبخسِ النَّاسِ ما يستحقونَ؛ جاء كتابُ الله -جلَّ وعَلا- بيانًا لذلك الأمرِ وتنبيهًا عليه، مع أنَّ هذا لم يكن من الشَّعائرِ العظامِ، لكن لمَّا احتيجَ إليه كان مهمًّا وكان مُقدَّمًا، ولأجلِ ذلك ينبغي للدَّاعِيَة أن يكون على قدرٍ مِن الفقه حتى يُوازِنَ بينَ ذا وذاك.
هنا مسألة: بعض النَّاس يقول: أنا لا أقدرُ أن أشرحَ صِفةَ الصَّلاةِ ونحوها، غايةَ ما عندي أن أَعِظَ النَّاسَ بالتَّذكيرِ بالآخرةِ، وبالتَّذكيرِ بالموتِ، ونحوِ ذلك!
فنقول: لا غضاضةَ على الإنسانِ إذا أحسنَ شيئًا أن يُبلِّغَه، بل هذا هو الواجبُ عليه، وهو -كما قلنا في مجالسَ متقدِّمة- داخلٌ في قول النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» ، وإنَّما كان وجه تنبيهنا على أُناسٍ يعرفونَ ذا وذاك لكنَّهم إمَّا لانحرافاتٍ في تصوراتهم أو لضعفٍ في علمِهم يذهبونَ إلى التَّفاصيل، أو بعضِ المسائل التي تكون ليست بمنزلة الأركان، أو المسائل العِظَام، وما يتمُّ به التَّوحيد والإيمان؛ فيُقدِّمونَ تلك على هذه، فيحصلُ النَّقص.
وربَّما كان مبعَثُ ذلك بعض الإنضواءات واللِّواءات والانتماءات إلى جهاتٍ ونحوها قد تكون دعويَّة وقد تكون سوى ذلك؛ فهم إنَّما يحرصون على هذا الباب مِن العلم، سواء كان حرصهم على وجهٍ صحيحٍ وإخلاصٍ، لكن عندَهم خطأ في تفويتِ غيره، أو أعظم مِن ذلك أن يكونَ حرصهم على مثل هذا الأمر ليس لأنَّه شرعٌ ودينٌ بخصوصه، وإنَّما لكونه مكمِّلًا لمناهجهم ولانتماءاتهم، سواء كانت أحزاب سياسيَّة أو غيرها، أو تَجمَع بين السِّياسة أو ما يظنُّونه جمعًا بين السِّياسة والدِّين، فيدخلون هذا في هذا؛ فيفسدون على النَّاس العلمَ، ويُفسدون على النَّاس الدَّعوَة، ويُفسدون على النَّاس السِّياسة، وكم حصلَ بسببِ ذلكَ مِن بلاءٍ كثيرٍ، وكم حصلَ بسببِ ذلك مِن بلاء عريضٍ!
ذلك لأنَّ كثيرًا من هذه الانتماءات والأحزاب أهمُّ ما عندهم تجميع النَّاس، فلأجل ذلك ربَّما رأوا النَّاس تنصرف قلوبهم، أو يتحرَّكون بهذا الأمر من الدِّين أو من السُّنَّة أو بغيرها؛ فيجعلوا ذلك طريقًا إلى جمعهم، وإلى تَقدِمَتهم؛ حتى يُحصِّلوا مقاصد أحزابهم وغيرها، ولهذا جاء في الحديث التَّحذير من مثل هذا «نْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَيُجَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، وَيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ»، أي: حتى يُقال هذا كذا...، فيعظمونه، ثمَّ إذا عظَّموه أخذوا بقوله، ثمَّ حملهم إلى أمرٍ من الأمور التي يريدها؛ فيقول النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم: «أَدْخَلَهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ» ، أو كما جاء في الحديث عند ابن ماجة وغيره.
إذن هذا من الأمور التي تحصل كثيرًا وينبغي الانتباه لها.
بابٌ آخر فيمَن يُحسِنُ أبوابًا من الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا: أحيانًا لكونه لكونه لا يُحسنُ غيرها يوردُ فيها مِن التَّعظيم حتى يُظنّ أنَّها مُقدَّمَة على غيرها، فيُفضي ذلك عند النَّاس إلى شيءٍ من عدمِ التَّوازن الصَّحيح، وربَّما حملهم على شيءٍ من الخوف.
وأذكرُ على سبيل المثال -وهو مثال واقعي: في هذه الأوقات بعضُ مَن يُعنَى بالرُّقيَةِ أو تتبُّعِ أهلِ السِّحرِ والشَّعوذة يُعظِّمون هذا الباب، فتجد أنَّهم إذا تحدَّثوا عنه كأنَّه سيلٌ لا يكاد ينجو منه أحدٌ، وحتى إذا عددتَّ اثنين فالاثنان كلُّهم مصابون بهذا السِّحر، ولا يكادون يَخلُصون منه، وما أن تجدَ خيطًا على خيطٍ حتى يقولوا: هذه عقدة! ولا تجد شيئًا ملتفًّا حتى يقولوا: هذه نفثة!
إلى غير ذلك من الأشياء حتى أدخلوا الوهنَ والضَّعفَ على كثيرٍ من المسلمين، بل لربَّما يُصاب بعض النَّاس بالسِّحرِ وتسلُّط الشَّياطين من هذا الوجه، يضعفون وليسَ عندَهم مِن الإيمانِ ما يقوون به فيتسلَّطَ عليهم الشَّيطانُ حقيقةً.
ومبدأ هذه الأمور هو: الوهَن والوهم، إذا وهنَ الإنسانُ وضعُفَ وتوهَّم توالت عليه، فإنَّما الشَّيطان يتسلَّط على الضَّعيف، والضَّعيف سواء في دينِه أو في نفسِه وقلبِه.
وهذا باب كثير الوقوع، وكثير الحصول، ولأجل ذلك في فتراتٍ كثيرةٍ حصلَ للنَّاسِ مِن البلاءِ بذلك شيءٌ كثيرٌ.
على سبيل المثال: الحجاب.
فالحجاب من الشَّعائر العظيمة، ومن المسائل الأكيدة، ويلحقُ المسلمين مِن الحملَة الشَّعواء التي يريد بها أهلَ الشِّركِ ومَن كان مثلهم -أو على شاكلتهم- مِن ضعفاء أهلِ الإيمان أو من فَسَقَتِهم، أو من أهلِ النِّفاقِ أو من غيرهم من إرادةِ الدُّخولِ على المجتمعات بالفسادِ في هذا البابِ ما يُسوِّقون له في كل ميدانٍ وقناةٍ؛ لكن مع ذلك قد يأتي بعضُ المتحمِّسَة فيظنُّ أنَّه إذا وُجدَ الحجابُ وُجدَ الإسلام، وإذا لم يُوجَد الحجاب لم يُوجَد الإسلام!
فيرون أنَّ كلَّ مَن تركت حجابَها كأنَّها لم يبقَ لها مِن دينها شيء -مِن تعظيمهم لهذا الأمر.
نقول: لا؛ إذا فرَّطَت في الحجابِ فقد فرَّطت في أمرٍ عظيم، واجتَلَبَت على نفسها فتنةً، وجَلَبَت على المسلمين بلاءً، ولكم تحمَّلت من آثامِ النَّاس الذي ربَّما يُفتنون بها؛ لكن لا يعني ذلك أنَّه قد فاتَ عليها دينِهَا، أو أعظمه؛ فهذه مسألة من المسائل التي يُحاسَب عليها العبد، وتُحاسَب عليها المرأة، لكن لا تكون من المُكفِّرات، أو حتى يُظنُّ أنَّها تساوي الكبائر العظام، لكنَّها قد تعظُم في أحوالٍ كثيرةٍ بحسبِ ما يَعظُم بها مِن الفتنة، وما يكون به مِن فتحِ بابٍ للشِّرِّ على المسلمين، والتَّخلِّي عن أصلِ هذه الشَّعيرةِ العظيمة.
ولكن مع ذلك؛ على الدَّاعِيَةِ إلى الله -جلَّ وعَلا- أن يُحذِّر وأن يُعظِّم ولكن في حدود ألا يجعل ذلك مُخرجًا مِن الإيمان، أو مقرِّبًا إلى ذلك، فيجعل الشَّيءَ في حسبهِ.
على كلِّ حال هذا مثال، ولا يُظنُّ أنَّ إيراد المثال يٌصَد به التَّهوين، لا؛ وإنما يُقصَد بذلك أن يُجعَل الشَّيء في مَوضعِه، وفي مكانِه الذي يليقُ به.
هذه مِن أكثر مَا يكون بها إشكالٌ على النَّاس، ولذلك ترون أنَّ في بعضِ الأحوالِ يكثرُ ترادِّ النَّاس في بعضِ الأشياء لأنَّها أُثيرَت من قِبَلِ أحد الدَّعاة، فقال كلمة فثَارَ النَّاس، فلربَّما أُفسِدَ هذا الأمر بسببِ هذه الكلمة.
فيقول مثلًا: الذي لا حجاب لها منافقة. فيقولون: هي ليست منافقة؛ فيظنُّونَ أنَّ الحجاب ليسَ مشروعًا أو ليس واجبًا؛ فيحصل بذلك نقيضُ القصدِ، ويحصلُ الانفلاتُ مِن أصلِ هذه الشَّعيرة المطلوبة.
إذن مثل هذه المسائل ينبغي أن يعرفَ الدَّاعِيَة كيف يضعها في موضعها، فلا هو التَّهوين فيها حتى يتجاسَرَ النَّاسُ على الشَّرِّ والسُّوءِ، ولا أن يُعظِّمها حتى يُظنَّ أنَّه لا شيء أعظمَ منها، وأنَّ مَن فاته فقد فاتَه الخيرَ كلَّه.
ولذلك تجدونَ في بعضِ المجتمعات أنَّ بعضَ النِّساء ربَّما لبسنَ الحجابَ على حينِ أنَّها لا تصلِّي، فهذا لا شكَّ أنَّه بابُ خللٍ عظيم، وبابُ بلاءٍ كبيرٍ!
إذن هذا مِن الأخطاء التي تقع لبعض الدُّعاة إلى الله -جلَّ وعَلا- في مسير دعوتهم.
وهنا باب مكمِّلٌ لمَا ذكرناه وهو: تجزئةُ الدَّعوَة.
وقلنا: إنَّ تجزئةَ الدَّعوَة إن كان مبنَاهُ على مسلكٍ منحرفٍ، كما يكون مِن بعض مناهج المتصوِّفة أنَّ الدَّعوَة إنما تكون للذِّكرِ والأورادِ وإلى ما يألفونَه من عباداتٍ أو مناسباتٍ أو احتفالاتٍ فيها ما يُشرَع وفيها ما لا يُشرَع، وفيها ما يُؤتَى به على غيرِ وجههِ، ويدخل عليهم أنواعٌ مِن الأخطاء والمخالفاتِ ما الله به عليم.
هذا مِن أخطرِ الأشياء، ويجبُ علينا أن نعرف أنَّ الشَّرعَ مأخوذٌ مِن كتابِ الله -جلَّ وعَلا- ومن سنَّة نبيِّه -صلى الله عليه وسلم- وأنَّ علينا أن نقتفيَ تلك السُّنن في صغير الأمور وفي كبيرها، وأنَّ الذي أمرنا بالصَّلاة وبيَّنَ لنا صفتها هو الذي أمرنا بالأذكار وبيَّن أحكامها، وبيَّنَ وجه الإتيان بها، فليس المراد في تلك الأذكار رفع الأصواتِ بالأدعية، والإتيان بها على نغمٍ معيَّنٍ، والطَّربِ بها والحركة، وإلى ما يتبعُ ذلك من الوَجدِ وغيره، وما يصدر من بعض المتصوِّفة.
على حينِ أنَّه في مثل هذا ينبغي للدَّاعِيَة أن يُفرِّق بين مَن عملها ليتعلَّمها، فبعض المجتمعات الأعجميَّة قد لا يُحسنُ الأذكار بعد الصَّلاة، فيلقنهم الإمام أو مَن يُحسِنُ ذلك حتى يتعلموا، فهذا باب آخر يختلف عن تلك الأبواب، ولا يكون فيه ما فيه من الإشكال.
إذن هذه مِن الأخطاء التي تقع لدى الدُّعاة إلى الله -جلَّ وعَلا- فينبغي الحذر منها.
بعضُ المسالك التي تكون من أسباب عدمِ الإتيان على الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- على وجه صحيح، أو يكون فيها نوع من أنواع الإنحراف، وذلك أن تُبنَى مسائل الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- على بعض الأمور الطبية، فبدل أن يقول: إنَّ التَّخلُّصِ من النَّجاساتِ قد جاء به الشَّرع وحذر منه، وجاء فيه الحديث «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ» ، إلى آخر الحديث؛ فبدلَ أن يأتيَ بالأدلَّة في هذا؛ يأتي يقول: إنَّ الأطباء يقرِّرون أنَّ فيه أذى على الإنسان، وربَّما يورث المرض الفلاني، ونحو ذلك!
فجعلُ هذا مسلكًا أو أصلًا أصيلًا في تقريب النَّاس إلى الدَّعوَة خطأ كبيرٌ، لأنَّ مثل هذه الأمور قد لا تثبت، فهل إذا لم تثبت يعني ذلك أنَّك ستُلغي الحكمَ الذي قرَّرته؟
وهذا الحكم مُقرَرٌ في كتاب الله -جلَّ وعَلا- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفيه معصية كبيرة، وتترتَّبُ عليه صحَّةُ عبادة في الوضوء والطَّهارة ونحوها.
فلأجلِ ذلك ينبغي للدَّاعِيَة أن يجعلَ مبنى الأمور على الأمور الشَّرعيَّة، وما يكون من مثل هذه الأشياء نقول أنَّه يذكره مقنَّنًا أو بشيءٍ من القيدِ، فيقول "وإن صحَّ فيقول الأطباء كذا وكذا...".
لماذا نقول: "وإن صحَّ" حتى وإن كان متيقِّنًا وقد قرأ فيها بعضَ النَّشراتِ ونحوها؟
لأنَّ هذه الأمور متجددَّة، فيكن أن يأتي ما نشروه اليوم ما يدلُّ على خلافه بعد أسبوع أو شهر؛ فلو قائل قائل مثلًا: إنَّ الصَّيامَ ينفع لمرضى السُّكري أو عدمِه، أو غير ذلك، ثم جاء بعد شهر بحوث دلَّت على خلاف ذلك!
فهذا يُفضي إلى إشكالٍ!
ولهذا يقول أهل العلم: "مَن تكلَّمَ في غير فنِّه أتى بالعجائب".
ونحن نقول الآن: مَن تكلَّمَ في فنِّه يأتي بالعجائبِ، فكيف بمَن يتكلَّم في غير فنِّه!
وكذلك مثل الأمور الاقتصاديَّة، كأحكامِ المعاملاتِ ونحوها، فبناءُ بعضِ الأحكامِ على تقارير الاقتصاديين أو ممارسات البنوك أو الربا أو غيره؛ هذا كما قلنا في الأمور الطبيَّة سواء بسواء، إذا بَنَيْتَ الحكمَ على هذه التَّقارير أو هذه النَّظريَّات أو هذه الأخبارِ فهذا خطأ وخللٌ، مهما كانت الصَّورة واضحة وجليَّة مُقنعة للنَّاس، لأنَّها يأتي عليها الاعتراض، وليس لها ما للأدلَّة والنُّصوصِ من التَّسليم، فيكون بذلك الإشكال.
فينبغي إذا احتيج لذكرها أن تُذكَر تبعًا وَمُتَمِّمَةً للموضعِ بعد أن تُقرَّرَ المسألة بدليلها من كتاب الله -جلَّ وعَلا- وسنَّة نبيِّه -صلى الله عليه وسلم- وأقوال أهل العلم المعتبرين.
وأسوأ مِن ذلك أيضًا ما تُملأ به المنابر في بعضِ الأحوالِ مِن أخبارٍ سياسيَّةٍ منقولة من بعضِ القنوات، أو من بعضِ الصُّحف، أو من بعض المنتديات، سواء كان في ذلك محرِّك إلى حثِّ النَّاس على خير أو ضده؛ فليس هذا بجيد.
ذلك لأنَّ إدخال المسالك السِّياسيَّة في الخطَب هو من أسوأ ما يكون لها، والأعجب من بعض الدُّعاة أن تجده يقول: قالوا في الجريدة الإسرائيلية كذا وكذا! ويَبني عليه حكم قد يكون هذا الحكم ضدَّ علمائه أو ولاة أمره، أو قد يكون هذا الحكم فيه مفسدة شرعيَّة ظاهرة، ثم يقول: الحق ما شهدت به الأعداء!
مَن قال لك: إنَّ الحق هو ما شهدت به الأعداء؟!
ومَن قال إنَّهم لم يُريدوا أن يوصلوا مثل هذه النتيجة؟!
بل هي محالٌّ للمخابرات، ويدرسون طريقة تلقي النَّاس للمعلومة، فيمررون هذه لبعض الصَّالحين أو غيرهم ليكون قبولها أكثر، وليكون أثرها أعظم. وكم فتنة في بلاد المسلمين نتجَت وحصلت بسبب تمرير مثل هذه المعلومات منحوها!
فينبغي للإنسان أن يُبعِدَ ذلك كله، وحتى إذا جاءت المسألة التي يحتاج إليها الناس فلابدَّ أن ينظر في مبناها إلى الأصول الشَّرعية، لا إلى أخبارِ أهلِ السِّياسة وغيرهم، لأنَّهم لا يُثَقُ بهم.
ثم أيضًا جعل الأمور مبناها على السِّياسة هذا يُقلِّلُ شأنه، والأصل الشَّرعي ينبغي أن يُعظَّم، وتعظيمه إنَّما هو في بيان أصله من كتاب الله -جلَّ وعَلا- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.
ثم مهما كان الأمر عظيم فإنَّ الإنسان إذا جاء إليه فنبغي أن يأتي إليه بما يحتاج إليه النَّاس، أمَّا أن نُحدِّثَ أهلَ هذا المسجدِ بما لا يحتاجه إلا المسؤولين أو الأمراء أو الوزراء أو الملوك أو الوزراء؛ ما الذي يستفيد به النَّاس؟! فهذا نوع من التَّفريغ الذي لا فائدة فيه، وصرْفِ المنابرِ والمجالس عمَّا تقوم عليه.
فمِن فقهِ الدَّاعِيَة الذي يَلِي الجمعة والخطبة والموعظة أن يُحدِّثَ النَّاس بما يحتاجون إليه، فإذا كنَّ نساءً حدَّثهنَّ عمَّا يليق بهنَّ مِن أحكامِ الطَّهارةِ ومِن أحكامِ الحيضِ، فإن كُنَّ متزوجاتٍ بينَ لهنَّ ما عليهنَّ في حقِّ أزواجهنَّ، وفي حقِّ أولادهنَّ، إن كنَّ موظَّفات بينَ لهنَّ ما يليق بهنَّ مِن الأمانة والجمعِ بما يتعلَّق بهنَّ من المسؤوليَّة في البيوتات وغيرها؛ إلى غير ذلك ممَّا يُناسب كلَّ أحدٍ بحسبه, وإذا كانت جاهلة تختلف عمَّا إذا كانت متعلمة، وإذا كانت قويَّة على العبادة تختلف عمَّا إذا كانت تحتاج إلى بعض الرُّخصِ، وهكذا..
ومثل ذلك إذا جاء الإنسان إلى مريضٍ في المستشفى يُحدِّثه بطريقة مناسبة، فلا يقول له: أنت ما تعرف تتطهر، والتطهر كذا وكذا.
وإنَّما يسأله كالمطمئنِّ عليه وكالمعلمِ له، كيف بك؟ كيف صحتك؟ تستطيع أن تؤدِّي الصَّلاة في وقتها؟ هل عندك مَن يُعينك على الوضوء أو تقدر على ذلك؟ هل يحملك أحد؟ هل تحتاج إلى مَن يجلب لك الوضوء والطَّستَ ويُجعَلُ بينَ يديك؟
بعض النَّاس يعتقد أنَّه بمجرد أنَّه على سريره أنَّه يتيمم، وهذا خطأ!
تنظر في المراحلِ التي يقدر عليها، فإن كان يقدر يذهب، تقول له: لابدَّ أن تذهب.
إذا كان لا يقدر أن يذهب، تسأله: عندك أحد يأتي لك بالوضوء؟ إن كان كذلك فلابدَّ أن يأتي لك بالوضوء، ويُعينكَ ويوضِّؤكَ، وكان مع النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مَن يعينه على الوضوء. فتجوز الإعانة في الوضوء إكرامًا أو إعانةً لضَّعيف. إذا لم يستطع هذا ولا ذاك ينتقل إلى التَّيمُّمِ.
إذا أشكلَ عليك ذلكَ ولم تعرف أيُّ حالٍ من حاليه، فإنَّ: تقول له: يا أخي لابدَّ أن تسأل، وحالك هذه فيها شيء مِن الإشكالِ، فاتِّصل بأحدِ أهلِ العلم، أو باللَّجنة الدَّائمة للإفتاء، وهكذا...
هكذا ينبغي لطالب العلم أن يُعنَى في الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا.
إذا تكلَّمنا عن هذه المسألة وهي استعمال التَّقارير الاقتصاديَّة، والطبيَّة، والاجتماعية في مسائل الطَّلاق والعنوسة؛ كل هذه ينبغي أن تُعرف كيفيَّة الإفادة منها في الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- وإلا لا يسلم الدَّاعِيَة مِن حصولِ شيءٍ من الخطأ والنَّقصِ فيها.
وممَّا يتعلَّق بذلك ما هو أسوأ من هذا بكثير، وهي طريقة محدَثَة ووُجدت لها قنوات متعدِّدة في تسويق بعضِ القيَمِ الشَّرعيَّةِ، وهي ما يُسمَّى بالدَّورات التَّدريبيَّة، وإيراد بعضَ القَصَصِ يُوصَل بها إلى نتيجةٍ معينةٍ، فمثلًا يقولون: "كان شخصٌ يلبس ثوبًا طويلًا، ولا يرفع ثوبه، فلمَّا رفعه وجدوا أن رجله مقطوعة، وأنه كان يُخفيها....، فأحسِن الظَّنَّ بالآخرين"، هذا كلُّ كلام فارغ!!
فبناء الأمَّة على القَصَصِ ليس بجيِّدٍ، فأنت تجعل هذه القَصص بمثابة الأدلَّة الشَّرعيَّة، وهذه فيها مخالفات وفيها إشكالات، وفيها ما يصح وما لا يصح، وفيها ما فيه مِن معانٍ تُقبَل ومنها ما لا يُقبل، فإحسان الظَّنِّ شيءٌ جيد، ولكن ينبغي أن تُقرِّرَ ذلك بما جاء في الكتاب والسُّنَّة من إحسان الظَّنِّ بالمسلم ونحوه، ثم قد تُورِد بعضَ القَصَصِ في ذلك، أمَّا أن تجعلها أصلًا للإثبات أو النَّفي أو الفعل أو التَّركِ؛ فإنَّ هذا لا شكَّ أنَّه خلل.
ثُمَّ إنَّ هذه الدَّورات التَّدريبيَّة -وهذا أمر معلوم- أكثرها مجتلَبة ومستوردَة، وفيها مِن أبوابِ العلومِ الباطلة، ففيها مِن النَّظريات الوثنيَّة كالإيمان بالطَّاقة السَّلبيَّة والإيجابيَّة، وما فيها من عقائد الوثنيين وغيرهم في الشَّرق أو الغرب، فتسويغ مثل هذا بمثل هذه التَّصوُّرات -ولو كانت سائغة- قد يجرُّ إلى تسويغِ إلى غيرها وغيرها.
وأسوأ مِن ذلك أن يؤتَى إلى مثلِ هذه النَّظريات فيُستدلَّ لها ببعضِ الأدلَّة الشَّرعيَّة ليُقرِّرَ النَّظريَّة، لا يُقرِّرَ الأمرَ المطلوب، وإنَّما يُقرِّر الأمرَ النَّظري، فيكون هذا باب الشَّرِّ كله.
فينبغي أن تؤصَّلَ الأمورَ الشَّرعيَّةَ على ما جاء في الشَّرعِ وما جاء في الكتابِ والسُّنَّةِ، وألا تخرج عن ذلك، فمَن خرجَ عن جادَّةِ الشَّرعِ وجادَّةِ الكتابِ والسُّنَّةِ، وجادَّةِ أهلِ العلمِ؛ فهو حقيقٌ بأن يقعَ في مزلَقٍ.
ولأجلِ ذلك ينبغي أن يكون الإنسان كالذي يمشي على الشَّوكِ، وهذا هو التَّقوى، والتَّقوى ليست فقط في أداءِ العبادةِ مِن تركها، بل لمَّا كانت الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- عبادة فهي أيضًا باب مِن أعظم أبوابِ التَّقوى، فليزم المرء أن يُعنى فيها بما يكون فيه سلامة دينه، وبما يكون فيه صحَّة عمله، وما يطلب به رضا الله -سبحانه وتعالى.
هذه مِن المسائل المهمَّة، لأنَّنا لمَّا بيَّنَّا كيفيَّة الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- لابدَّ أن نُبيِّن بعض ما قد يجري مِن المخالفات أو الأعمالِ غيرِ الصَّحيحةِ.
كذلك يُمكن أن نتكلَّم تبعًا لمثل هذا في مسالك الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- إلى أمر صحيح، ومن صاحب فضل؛ لكنَّه قد يسلك مسالكًا ليست صحيحة.
على سبيل المثال: ما يكون مِن الدَّعوَة السِّريَّة والكتمان في الدَّعوَة.
الكتمانُ في الدَّعوَة: كأن تجد لهم تجمُّعات طلابيَّة أو غير طلابيَّة -أيًّا كانت- وطابع هذا الاجتماع هو اللعب واللَّهو، ولهم أشياء يُجرونها ويُمرُّونها في الخفاء!
فالدَّعوَة ما كانت سرًّا، ولذلك جاء في الأثر: "فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا" كما أوردَ ذلك البخاري في صحيحه.
إذن هذه المسالك في الغالب أنَّها تتبَع لطرئق لها مقاصد سيئة، فهي مسلك لمسالك بعض الجماعات التي تُخفي إنتماءات أصحابها، وتريد أن تتمدَّد من حيثُ لا يُشعَر بها، حتى إذا ظنَّت قوَّتها خرجوا وربَّما كانت لهم معارضة أو ثورة أو نحو ذلك، فيكون بهذا بلاء شديد.
إذن هذه الدَّعوَة السِّريَّة على هذا الوجه ليست بصحيحة، إنما هي مسالك منحرفة وخاطئة.
أمَّا إذا احتيج إلى الدَّعوَة السِّريَّة لمنعِ الخيرِ، ولوجودِ النَّاسِ في بلادٍ يُضايَق فيها أهلُ الإسلامِ ويُمنعون، واحتاجوا إلى هذا، كما حصلَ في زمن الشُّيوعيَّة، فيذكرون أنَّهم كانوا يجتمعون كأنَّهم يلعبون، وهم يكتبون الألواح، ويُحفِّظون الفاتحة والقرآن؛ فهذا أمر مشروعٌ وصحيحٌ، وكيفما حرصَ الإنسان على دينه وحفظه، حتى ولو حصلَ له ما حصل؛ لكان ذلك صحيحًا، لكن الكلام فيمَن يتقصَّدون السِّريَّة في الدَّعوَة لتجميعِ أعضاءٍ وانتماءاتٍ لجماعاتٍ أو لأحزابٍ يُراد منها ما يُراد من معاني معيَّنة.
ولذلك تجد أنَّ هؤلاء يحرصون على الائتلاف على الاجتماع حتى وإن كانت عندهم مخالفات كثيرة في إجتماعاتهم، ولا يراعون كونَ مَن ينتمي إليهم حتى لو وقعت منه مخالفة؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ الشرَّع ليس أصالةً، وإنَّما جُعِلَ جسرًا وطريقًا إلى تحقيقِ مآربهم، وهذا مِن أعظمِ ما بُليَ به المسلمون في هذا الوقت، أن تكون الدَّعوَة وسيلة لتحقيق أغراض وجماعات وجهات ومصالح، ولهذا نجد أن مثل تلك التَّوجهات والجماعات التي رفعت رايةَ الإسلامِ أو الدَّعوَة إليه وتعظيمه لمَّا وصَلَت إلى السُّدَّة ووصَلَت إلى أن يتلقَّى النَّاس عنها والحُكم؛ لم يُغيِّروا شيئًا، ولم تفرق إلى مَن كان ينتمي إلى الإسلام وأهله ممَّن ينتمي إلى سواه، ممَّا يدلُّ على أنه إنَّما كانت لهم غاية فركبوا مسائلَ الشَّرع والدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- لتحقيق مآربهم.
وأسوأ ما يكون في هذا الأمر حينما يختلط على بعضِ النَّاس أنَّه يوجد أُناس صلحاء، وأُناس لهم دعوةٌ صحيحةٌ ورغبةٌ في الخير، ولم يعرفوا ما انطوت عليه نفوس أؤلئك وما وُجدَ عندهم من المآرب والمقاصد؛ فهؤلاء صلحاء وقد يكون لهم مقاصد صالحة، لكنَّهم أُدخلِوا من حيثُ لم يعلموا، فحصلَ بهم فساد، وحصلَ بسببِ هؤلاء التباس؛ فالتبسَ الحقُّ بالباطلِ.
فنبغي للإنسان أن يعرف جادَّةَ الحقِّ، وهؤلا إن كانوا تبعوا أو اجتهدوا فأخطؤوا فيتولاهم الله -جلَّ وعَلا- لكن ليس ذلك بمسوغٍ لمثل تلك المناهج والمسالِك أن تَتَغلْغل في أنحائنا حتى تنحرف بالدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- عن سبيلها وعن منهاجها الذي شرعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
فمِن أعظم ما ينبغي الحرص على مثل هذه الأمور، وحينما نقول ذلك فإنَّا لا نقول هذا على سبيلِ التَّخصيصِ، وإنَّما هذا على سبيلِ المثالِ، وإن أردنا أن نستقصي فسنحتاج إلى نقضِ جماعاتٍ وجهاتٍ وهذا ليس محلُّ بحثنا، وإنَّما محلُّ بحثنا هو فقه الدَّاعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- الذي على منهاج كتابِ الله، وسنَّة رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى طريقةِ أهلِ السُّنَّة والجماعة، دعوةً وسطًا لا شططًا، ولا إفراطًا ولا تفريطًا.
وتجد من المسالك التي عندهم: تخصيص أناس بالدَّعوَة، لا يلتفتون إلى أحد، إمَّا الشَّباب، وإمَّا الوجهاء الذين يريدون من ورائهم الوصول إلى أمور، أو أصحاب المال لأنَّهم يرون أنَّهم سبيل إلى دعمهم، وهذا أيضًا من الخطأ، الله -جلَّ وعَلا- يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء/1]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو﴾ [النساء/59]، فالدَّعوَة لكل أحد، ولا تختصُّ بشخصٍ دون شخصٍ.
والنَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- حينما خصَّ بعضَ وجهاء قريش وتولَّى عن ضعفائهم، ولم يكن في ذلك إعراضًا عنه ولا رغبة عن مجالسهم؛ وإنما طمعًا في هداية هؤلاء الوجهاء؛ أنزل الله -جلَّ وعَلا- سورة تتلى في كتاب الله ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ [عبس/1]، فكانت عتابًا من الله -جلَّ وعَلا- لنبيِّه من الإعراض عن الأعمى والإنصراف إلى أولئك، وأنزل الله -جلَّ وعَلا- في مثل هذا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطً﴾ [الكهف/28].
هذا الكلام يُقال على وجه المقصود منه: أن تكونَ غايةُ دعوتهم هو هذا، ومقصودهم في الدَّعوَة هي هذه الطَّائفة، أمَّا كون الإنسان يخصُّ هؤلاء لكونهم ما يليقُ بهم مِن الكلامِ الصَّحيحِ، أو لكونِ لهم تجمُّعٌ فيقصدهم ويخصُّهم بما يُناسبهم؛ فهذا ليس فيه شيء، فالطُّلاب في المدارس لهم أحاديث تليق بهم، والتُّجَّار في مجامعهم لهم ما يليق بهم، وهكذا..
إذن ليس حديثنا أنَّه يُخصُّ بما يناسبهم، لكن المقصود أن تُختزَلَ الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- في مثل هذا المسلكِ، وكما قلنا: الغالب مِن ذلك أنَّ المقاصد مِن هذا لها ما لها، وثَمَّ مقاصدَ خفيَّة في جملةِ الأمرِ وغالبِة، وهي مِن أعظمِ ما يكونُ به البلاءُ والشَّرُّ على الإسلام والمسلمين.
ممَّا يتعلَّق بذلك في جانبِ الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- وهو ليس تعلقٌ مباشر بهذا، ولكن لمَّا كانَ فيه مسلكًا خاطئًا ومسلكًا صحيحًا جعلناه هنا ونبَّهنا عليه مِن حيثُ أصله، ومِن حيثُ حصولِ الزَّللِ فيه، وهو: السَّفرُ في الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا.
السَّفر من حيثُ هو سفرٌ إلى عبادة صحيحٌ، ومتى ما احتاج إلى ذلك فحيَّ هلا، وهو مِن الأمورِ المطلوبة، والصَّحابة -رضوان الله عليهم- وردَ عنهم الأمران، عمر -رضي الله عنه- منعَ الصَّحابة من التَّفرُّقِ في الأمصارِ، وذلك لأنَّه أعونُ عليه في النَّظرِ في المستجدَّاتِ، ومشاورتهم في الأمورِ العظامِ، وحفظِ ما ينزل مِن الأمورِ المعضلةِ بمراجعتهم، ولمَّا تولَّى عثمان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- تفرَّقَ الصَّحابة في الأمصار، فكان في ذلك ظهور العلم وانتشار السُّنَّة، وقيام حِلَقِ العلم ونحوها، فكان ذلك صحيحًا.
لكن مهما قيل في السَّفر في الدَّعوَةِ إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- أو لا؛ فإنَّ السَّفر بضوابطِه، ولا يُمكن للدَّاعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- أن ينتقلَ إلى قومٍ آخرينَ وقومَه لازالوا إليه محتاجينَ، أو أن ينتقلَ عنهم رغبةً في الانتقالِ، أو ما يكونُ مِن المغامرةِ، أو إظهارِ التَّخصُّصِ في الدَّعوَةِ، وما يتبعُ ذلك من الجَلَبَةِ، ذَهَبْنا...، سَافَرْنَا...، فَعَلْنَا...، لَاقَيْنَا...، تَعرَّضَنا لِهَلَكَةِ...، دَخَلنَا في أدغَالِ غابةٍ...، انقَطَعَت بِنا السَّيَّارةُ...، إلى غير ذلك ممَّا يأتي على النِّيَّة فيُفسدها، وعلى القُصُودِ فيَحرِفَها؛ فهذا مِن أعظمِ ما يعرض للإنسانِ في الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا.
فنحن حينما نقول يُسافر؛ فيسافر وهو يعلم أنَّ السَّفرَ متعلِّق به، لكون ذهابه إمِّا لأنَّ الحاجة متوقِّفَة عليه، أو لأنَّ سفَرَه أتمَّ مِن بقائه، أو لكونه لا ينقطع عمَّن سافر عنهم فيعود إليهم قريبًا فيكمل ما ابتدأه من تعليم وهداية.
أيضًا إذا سافرَ حفِظَ نفسَه، وعلمَ أنَّه لا يأتي عليه الشَّرُّ، أو يغلب على ظنِّه؛ وإلا فقد نُهيَ أن يسافر الإنسان إلى مواطن فتنة.
وأن يكون عنده من العلم والحصيلة في القومِ الذين يتوجَّه إليهم ما هو كافٍ في التَّوضيح والهداية، والتَّعليم والإرشادِ، فقد يُسافر بعضُ النَّاسِ وهو أجهل مِن غيره، ولربَّما كان أجهلَ ممَّن سافر إليهم، وهم لكرمِ أخلاقهم يُعظِّمونه ويحتفونَ به، ويستحيونَ أن يردُّوه؛ فهذا خلل.
إذن إذا سافر فيسافر وهو يعلم أن السَّفر على وجه صحيح، فيكون في ذلك محمَدةٌ، ولا يكون هدفه الإشهار ولا الإظهار، ولا التَّفاخر، ولا التَّميُّزَ على غيرهِ ونحو ذلك.
وكما قلنا أنَّ هذا مِن حيث الأصلِ لا إشكال فيه، وهو جيدٌ بضوابطِه، ولأهلِ العلمِ فيه قصصٌ مشهورةٌ في هداية النَّاس، وفي إرسالِ الرَّسائلِ، وفي الانتقالِ، وما يتبعُ ذلك، وكان مشايخنا ربَّما خصَّصوا يومًا في الأسبوع يخرجونَ به إلى بعضِ القرى أو بعضِ الهِجَرِ، أو يُخرِجون طلابهم إلى ذلك ليعلِّموا النَّاس ويهدونهم، وهذا لا شكَّ أنَّه نافعٌ عظيم، ولكن كما قلنا بشرطه وقَيده.
وأمَّا مَن يرونَ أنَّ السَّفرَ جزءٌ من الدَّعوَة لا يتحقق الحكم على الشخص باستقامته أو بحصول خيره إلا بهذا السَّفر، وأعظم من ذلك أن يُسافر وهو جاهلٌ ويُطلب منه التَّعليم والقيام أمامَ النَّاس والحديث إليهم، وأعظمُ مِن ذلك أن يُخصَّصَ ذلك بوقت، فلا يتحصَّل له إلا بالإتيان على ذلك الوقت، أربعين يومًا، أو أربعة أشهر، أو نحو ذلك مِن الوقت، وأعظم من ذلك أن يكون في سفره تركٌ لما تعلَّق به تعلقًا واجبًا مِن زوجةٍ أو ولدٍ، فلا شكَّ أنَّ هذا سبيلٌ غيرُ مرضيَّة، فإذا كان السَّفر أيضًا يحصل فيه من المخالفات أو يكون السَّفر إلى بعض التَّجمُّعات التي تزاول بعضَ المخالفاتِ، فالأمر أعظم وأطمُّ، وينبغي للدَّاعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- أن ينبه على مثل هذا على وجهٍ يتجلَّى به الحق، ويظهر به الأمر، ويًان الناس عن الخطأ والخلل.
بعض الناس يقولون: تمنع من الدَّعوَة إلى اللهِ؟! تمنع من السفر للخير؟! تمنع من مجالس الذكر؟!
لا نمنعه من مجالس الذكر ولا من الدَّعوَة إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- لكن لا يمكن أن يقوم لها مَن لا يُحسنها، لأنَّ ذلك بلاء عليه وعليها.
ونقول أيضًا: إذا كانت الدَّعوَة إلى اللهِ واجبة؛ فالقيام على زوجه وولده أوجب؛ والنَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتَ» .
فمثل هذا الأمر وتوضيحه على مثل هذا النَّحوِ من أعظمِ ما يجبُ على المسلمِ العلمُ به.
وفي طيَّاتِ مثل هذه المعاني حصلَ مِن الشَّرِّ الكثيرِ، إمَّا أُناسٌ -وهم قليل- أحجموا عن السَّفرِ إلى الدَّعوَة وكان الأولى بهم ألا يحرمُوا النَّاس مِن خيرهم، ولكن الأسواء مِن ذلك أن يتصدَّى لمثل هذه الأسفارِ ولمثلِ هذه المواطنِ مَن لا يُحسنُها، أو مَن سافرَ وفي نفسِهِ قصدُ شيءٍ من الدُّنيا، إمَّا السِّياحة والظَّاهر أنَّه ذهب للدَّعوة، أو التَّجمُّلِ بالدَّعوَة عند أهلِهِ وذويهِ ومَن حَولَه، وما قاربَ ذلك مِن الخللِ والخطأ، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله.
لعلَّ فيما ذكرناه في هذا المجلس غُنيَةٌ وكفايةٌ -بإذنِ الله جلَّ وعَلا- لم يبقَ في الوقتِ متَّسعٌ؛ أسألُ اللهَ -جلَّ وعَلا- أن يُتمَّ علينا نعمَته، وأن يجعلَ ما ذكرناه نافعًا مفيدًا، لأنَّنا لم نقصد الإشارة إلى مثلِ هذه الأمورِ تفصيلًا وتوضيحًا، وإنَّما أردنا التَّنبيهَ على مواطنِ الخَلَلِ إشارةً وإيماءً وإلماحًا بما يحصلُ به الخير، ويمنع الوقوع في الخطأ، واللهَ نسألُ لنا ولكم التَّوفيقَ والسَّدادَ، وصلَّى الله وسلَّمَ على نبيِّنا محمدٍ، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمينَ.

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك