الدرس الثالث

فضيلة الشيخ د. عبدالحكيم بن محمد العجلان

إحصائية السلسلة

6052 12
الدرس الثالث

فقه الدعوة إلى الله

السَّلام عليكم ورحمةُ الله وبركاته.
الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على النَّبيّ الأمين، وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّينِ، أمَّا بعدُ:
فأسألُ اللهَ -جلَّ وعلا- أن يجعلَنا وإيَّاكُم مِن عِبادِه المخلِصينَ، ومِن أوليائِه العالِمينَ العامِلين، الموفَّقين للدَّعوةِ والتَّعليمِ، والهُدى في أمرِ الدُّنيا والدِّين، إنَّ ربَّنا جوادٌ كريمٌ.
أيُّها الإخوةُ الكرامُ، لا يزالُ هذا الحدِيثُ مَوصولًا، ولمْ تزلْ هذه المجالس عَامرة بإذنِ اللهِ -جلَّ وعلا- نتباحثُ فيها ونتَدارسُ، ونتعاون على البرِّ والتَّقوى، ونتنَاهَى عن الإثم والعُدوانِ، إنَّها أحاديثٌ مُباركةٌ في الدَّعوَةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- والفقهِ فيها، وأهمُّ ما يلزم المكلَّف مِن القيامِ له، والعناية بِه في هذا الميدانِ، وفي هذا السبيل.
ها أنتم ولله الحمدُّ والمنَّة، قطعتم شَوطًا لا بأسَ به في التَّعلُّمِ والتَّعليمِ، أخذتم دُروسًا وافرةً في العَقيدةِ والتَّوحيدِ، تنقَّلتُم في أبوابِ الفقهِ، ومسائلِ العباداتِ والمعاملاتِ وغيرها، ها أنتم تزوَّدتُم فِي أصولِ الفقهِ، في السِّياسَة الشَّرعيَّة، في مسائل مِن العلمِ مُتنوِّعة مُتجدِّدة، فحباكُم اللهُ -جَلَّ وعلا- قدرًا وفضلًا.
فلمَّا كانَ الأمرُ كذلك، دَلِفنَا وبَدأنا في هذا المِنهاج، أخذنا المجلسَ الأوَّل والثَّاني، وها نحن بإذنِ الله -جلَّ وعلا- نبدأ في هذا المجلس، ليكونَ ثالثها، ونسألُ اللهَ الإعانةَ والتَّوفيق.
أيُّها الإخوة! بابُ الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعلا- واسعٌ، وفيه مسائلَ كثيرة، وإنَّها بين يدي كلِّ حديثٍ، وكلُّ استجماعِ الذِّهنِ لإرادةِ محاولة الاختصارِ، حتى يتثنَّى لنا أن نَجمعَ مسائلَ هذا الباب، في هذا الفصلِ بإذن الله -جلَّ وعلا- كلَّما أردنا جمعَها رأيتُ انبثاقَها أو ثورانها، وهذا وإن كانَ إلا أنَّا نسألُ اللهَ -جلَّ وعلا- أن يُعيننا على أن نَستجمِعَ أصولَها وأساسَاتِها، وما يكونُ بها بناؤها وقوامُها، إنَّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
بينَ يدي البداية، كان الأخُ سعيد يحثُّني على مسائلَ ممَّا تعتَرضُ له في ميدان دعوتِه لبني قومِه، وفيما يتعلَّق أيضًا ببلده ومحلِّ سُكناه، وما يُعالجونه مِن مسائلَ كثيرة في الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعلا- وبلادِ الأقليَّات ومَا يتعلَّق بِها.
لازلت أقول لكم: إنَّ الأمرَ يتجدَّد، وهو بمثابة المُعين الذي لا ينضَب مِن كثرةِ مسائلِه والحاجةِ إلى جَمعِهِ، لكن نسأل الله -جلَّ وعلا- أن يَسقينا مِن هذا المعينِ ماءً زُلالًا يكونُ زادًا لنا، ورِيًّا لنا مِن العَطَش، وإعانةً لنا على هذا الميدانِ، نقطعُ به ميدانًا، ونَصلُ به إلى الطَّريقِ الأقومِ، وإلى الإمساكِ بلوائِه، والقيامِ بأمَانتِه.
ربَّما كانَ حديثُنا في آخرِ المجلس الماضي هو حديثٌ عن عَلاقةِ الأمرِ بالمعرُوف والنَّهي عن المُنكَرِ، وذكرنا لكم أنَّها جاءت في كتابِ الله -جلَّ وعلا- جامعةً لهذين المعنيين ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمعرُوف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَر﴾ [آل عمران: 104]، فعطفَ الأمرَ بالمعرُوفِ والنَّهي عن المُنكَرِ على الدَّعوَةِ، وقلنا: إمَّا أن يكون ذلك لإرادةِ الاهتمام بها وتخصيصها، مع كونِها داخلة فيه، فشعيرةُ الأمرِ بالمعرُوفِ والنَّهي عن المُنكَرِ داخلة في الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعلا- وإمَّا أن يكونَ بينهما شيءٌ مِن العمومِ والخصوصِ، على نحوِ ما ذكرنا، وتذكرون قول أبي العالية في أنَّه جعل الدَّعوَة إلى الله هي: الدَّعوة إلى التَّوحيدِ وما يتعلَّقُ به، والنَّهي عن المُنكَر هو: النَّهي عن الشِّركِ وما يتعلَّق به، وهذا التَّفسير مِن أبي العالية -رحمه الله تعالى- على طريقةِ السَّلف، في أنَّهم يذكرون بعضَ أنواعِ المراد، ولا يقصدون في ذلك التَّخصيص والتَّقييد، فذكروا أهمَّه وأعظمه.
ولذلك يكاد يكونُ قولُ جمع مِن أهلِ العلم أنَّ الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعلا- أرحبُ، وبابُها أوسع مِن جهة أنَّها تأسيسٌ وابتداءٌ، وإتيانٌ للأمورِ مِن أوجهٍ كثيرةٍ، أمَّا بابُ الأمرِ بالمعرُوفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ، فهو أخصُّ مِن جهةِ أنَّه إصلاحٌ للخطأ، وتقويمٌ للزَّللِ، وأمرٌ بِما تحقَّق ولَزِم، يعني بما تحقق في وقته، كأن تحضر الصَّلاة، فيقول: قُم صلِّ، كأن يحضر وهو يتعَاطى المحرَّمَ مِن الشَّرابِ وغيره، فيقول: اتقِ اللهَ ولا تشرب، فيكون أمرٌ بالمعرُوفِ ونهيٌ عن المُنكَر، وهو دعوةٌ إلى الله -جلَّ وعلا- حثٌّ على الاستقامَةِ على أمرِ الله، منعٌ مِن البقاءِ في سَبيلِ الشَّيطانِ، وفي طريقِ الأهواءِ والشَّهواتِ.
إذن، لعلَّنا بذلك أن نكون أتينا على جملةٍ أو إشارةٍ أو إلماحةٍ سريعةٍ فيمَا يتعلَّق بالدَّعوَةِ إلى الله -جلَّ وعلا- والأمرِ بالمعرُوفِ، وذكرنا لكم أنَّ جماعةً مِن أهلِ العلمِ يرونَ أنَّهما كالشَّيءِ الواحدِ، وأنَّ هذه مسمَّيات لشيءٍ واحدٍ، يَدخل فيه هذا وهذا، فأحيانًا تكونُ دعوةً مجردةً، وأحيانًا تكون أمرًا بالمعرُوف، ونهيًا عن المُنكَر، فيكونُ هذا داخلٌ في هذا، وهذا داخلٌ في هذا.
وبعضهم يقولُ: إنَّ شيخَ الإسلامِ لمَّا سُئل عنِ الدَّعوَةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- فأجابَ فيما يتعلَّق بالأمرِ بالمعرُوفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ، مُشيرًا إلى تداخلِها، وأنَّهما بمعنى الشَّيءِ الواحدِ، والأمر في ذلك ليس فيه كثير إشكال، يعني: سواء قلنا هذا أو ذاك.
إذا أنهينا مَا يتعلَّق بهذه الجزئيَّة، وهي كالمكمِّلة لحكمِ الدَّعوَة، وما يتعلَّق بذلك، فقلنا: إنَّها فرضُ كفايةٍ، وتُستحبُّ في بعضِ الأحيان، وكذلك الأمرُ بالمعرُوف والنَّهيُ عن المُنكَر هو أيضًا فرض كفاية، فنكون أتينا على ما يتعلَّق بهذا.
أردنا أن نقفَ قليلًا -أو نزيد، مع أنه كان بودي الاختصار- فممَّا يدل على أن الأمر بالمعرُوف والنَّهي عن المُنكَر يدلُّ على ما هو أخص منه، ما جاء في صياغاتِ الأحاديث: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرً» حديث أبي سعيد، «فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ» ، وحديث أهل السنن: «ولَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالمِ ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرً» ، فهناكَ دلالةٌ على أنَّ الأمرَ بالمعرُوفِ والنَّهي عن المُنكَرِ إنَّما هو فيما يحقُّ وفيما يَنزل، فإذن هو بابٌ وسبيلٌ مِن سُبل الدَّعوَةِ إلى الله -جلَّ وعلا- وهذا أيضًا فيما جاء في الآيات: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 79]، في ذكرِ ذمِّ أهلِ الكتاب، ومَا كان فيهم مِن التَّواني في الأمرِ بالمعرُوفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ.
إذن -كما قلنا- ربَّما تكونُ هذه الجملة كافية في هذا الفرع.
ننتقلُ بعد ذلك إلى بابٍ أهم وأرحب لا يختلف عن الأحاديثِ المتقدِّمة في طولِه وتفرُّقِ أجزائِه، ولكنَّه أيضًا أهم مَا في هذا الباب، هو أصلُه وأساسُه وعمدتُه وبناؤه، وهو مقوِّمات الدَّعوَة أو إن شئت بعبارة أخرى أن تقول: شروط الدَّعوَةِ إلى الله -جلَّ وعلا.
ما هي شروط الدَّعوَةِ إلى الله -جلَّ وعلا؟
فأوَّلُ ما يمكن أن نعرض له هنا: النيَّة. أو بعبارة ثانية: الإخلاص، فالدَّاعي إلى الله -سبحانه وتعالى- لابدَّ أن يكونَ مُخلِصًا، قَاصِدًا وجهَ الله -سبحانه وتعالى- تجرَّدَ لهذا العملِ وأقامَ هذه الشَّعيرة، وفعلَ هذه السُّنَّة وتخلَّى عن كثيرٍ مِن رغباتِه وأمورِ نفسِه، كلُّه لله -سبحانه وتعالى.
إذا أردنا أن نستدلَّ على هذا المعنى، فأوَّلُ ما يُمكن أن نستدلَّ به على أنَّها عبادة وأنَّ كلَّ عبادةٍ لا تصحُّ إلا بنيَّةٍ، هو قول الله -جل جلاله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].
فمَن قال -على سبيل المثال: قُم إلى الصَّلاة، لكنَّه مَا كان مخلِصًا وإنَّما أرادَ أن يخلُو له المكان أو يتخلَّصَ مِن ذلك الجالس، فإنَّه لم يَأمر بخيرٍ ولمْ يدعُ إلى الله ولم يُحث على طاعة.
فلابد إذن أن يكونَ الذي يدعو إلى الله -جل جلاله- مخلِصًا لله، قاصدًا وجه الله -سبحانه وتعالى- مُتخلِّصًا مِن كلِّ حظوظِ النَّفسِ ورغباتِها، والتفاتِ القلبِ وتوجُّهاتِه، وأصلُ ذلك حديث عمر -رضي الله تعالى عنه: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُوله فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُوله، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُهَا، أَو امْرأَة يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» .
إذن هذا دليلٌ أيضًا على أمرِ الإخلاصِ، وهذا يتناوَل جميعَ الأعمالِ، لكن إذا دقَّقنا قليلًا أو خُضنَا فيمَا يتعلَّق بأدلَّةِ الدَّعوَةِ إلى الله -جلَّ وعلا- فستجد أنَّها أخصُّ في الدَّلالةِ على هذه الشَّعيرةِ، لأهميَّة وجودِ الإخلاصِ فيها.
قل على سبيل المثال: قول الله -جلَّ وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108] أَدْعُو إِلَى اللَّهِ، ولذلك قالَ الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- عند ذِكر هذه الآية في بابِ الدعاء إلى شهادة "أنَّ لَا إلَه إلَّا الله" قال: "الدَّاعية يَدعو إلى اللهِ لَا إلَى نَفسِهِ"، فتنبه وهذا كلام عظيم.
وانظر في آيات كثيرة في الدَّعوَة إلى الله -جل جلاله- ستجدها لا تنفكُّ مِن الإشارة إلى هذا ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾ [النحل: 125].
إذن هنا يتنبه الدَّاعي إلى أنَّه لابدَّ أن تكون دعوتُه خالصةً مخلَصة مِن كلِّ هوًى ومِن كلِّ رغبةٍ ومِن كلِّ قصدٍ مِن قصودِ الدُّنيا ورغباتِها ومُيولِها، كمَن مِن النَّاس الذين تزيَّنت بهم الشَّاشات -ولا حول ولا قوَّة إلا بالله- وإنَّما كان همُّه أن يُقال فصيحٌ في كلامِه أو حَسَنٌ في بيانِه أو رفيعٌ في منطقِهِ أو قديرٌ في عبارته...، إلى غيرِ ذلكَ مِن الأشياء، ولا أدري أنا وأنت والحاضرون هنا وغيرنا، أن نكونَ ممَّن تشبَّثَ بالإخلاصِ أو فاتَه، فإنَّ النيَّةَ سُرعان ما تتبدَّل والقلبُ ما أكثر ما يتقلَّب، ولذلك كانت النيَّة مِن أيسرِ الأعمالِ وأصعبِها وأعثرِها على النَّفسِ، وأقرب ما تكونُ إلى الشَّيطان مَدخلًا يَصرفُ الإنسان إلى البلاءِ ويُعرِّضه إلى الفتنَةِ.
وفي هذا حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنَّ النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- لمَّا قال: « أوَّل مَنْ تُسَعَّرُ بِهمُ النَّارُ ثَلاثَة» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «قارئ القرآن» وفي رواية «يُؤتَى بِه فيُعرَّف نِعَمَ اللهِ عليه، فيعرِفَها، فيُقال لَه: ما عَمِلْتَ فيها؟ فهذا يقول: يا ربِّ أقرأتُ فيكَ القرآن وأقرأتُه النَّاس، وهذا يقول: بَذلْتُ وتَصَدقتُ، وهذا يقول: قَاتَلتُ وجَاهَدتُ، فيَقولُ اللهُ -جلَّ وعلا: كَذَبتَ إنَّما قَرَأتَ وأَقْرَأتَ ليُقال قَارئٌ، وليُقال مُتصدِّقٌ، وليُقال شجاعٌ، فقد قيل، ثم يُؤمَر بِه إلى النَّار» ، يقول: وإنَّ أبا هريرة إذا رَوى هذا الحديث شَهقَ شَهقةً حتى يُغمى عليه، لعلمه بِعظَم هذا الوعيدِ، وكثرةِ ما يحصلُ فيه مِن البلاءِ لأهلِ العِلمِ والفضلِ.
ولذلك الإمام الطيبي -رحمه الله تعالى- نقل عنه شارح كتاب التَّوحيد في باب الرياء، الشيخ سليمان بن عبد الله ومحمد بن عبد الوهاب، كلامًا عظيمًا في الرِّياء وكيف يَدخلُ على أهلِ العلمِ، وقال لمَّا ذكرَ أنَّه أعيى الشَّيطانُ أن يَأتيَهم مِن قِبلِ الشَّهواتِ ومِن قبلِ الدُّنيا والأموالِ، ومِن قِبلِ أبوابِ كثيرةٍ التفَّ عليهم حتى زيَّن لهم أمورًا، فدخل عليهم مِن هذا الباب، فاستجرَّهم، فمالوا، فضاعوا.
وهذا قد حذر منه النَّبيّ صلى الله عليه وسلم «أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ، الرِّيَاءُ» .
جاءَ في بعضِ الآثارِ أو في بعض الرِّوايات: "أنه حتى إذا وفى الناس أعمالهم: يأتي أناس فيقول: اذهبوا إلى من كنتم تراءون فيوفوكم أجوركم" وهل أحد غير الله -جلَّ وعلا- يوفِّي الأجرَ في ذلكَ الموقف العظيم؟
﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: 93] ولذلك يقول الحسن البصري -رحمه الله تعالى: "لَا يَزَالُ الْعَبْدُ بِخَيْرٍ مَا إِذَا قَالَ: قَالَ لِلَّهِ، وَإِذَا عَمِلَ: عَمِلَ لِلَّهِ" ، والله -جلَّ وعلا- يقول في ذلك: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ولَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110].
والله يا أيُّها الإخوة، لو ما أمرنا الله -جلَّ وعلا- بالبيانِ وتحمَّلنا مِن القيام بهذه المهمَّة والأمانة، لكان أن يَقعدَ الإنسانُ في بيتِه خيرًا له مِن أن يتعرَّض لهذه الفِتنَة، وليست فتنة أعظم مِن الظُّهورِ، فإنَّها قاسمةٌ للظُّهورِ، ولذلك يقول إبراهيم بن أدهم كلمة عظيمة، يقول: "مَا أَخْلَصَ عَبْدٌ لِلَّهِ أَرَادَ الشُّهْرَةَ" .
مَن منَّا يَسلم في هذا الوقت، حينما يَتكاثَرُ النَّاسُ فيتَكاثَرون بمتابعيهم، بمَن يتلقَّونَهم في الطُّرقاتِ، بمَن يَفرحونَ بهم، بمَن يَستقبلونَهم في المطَارات، بمَن يُوجِّهونَ إليهم الدَّعوات، بمَن يُصفِّقُ لهم النَّاسُ هنا أو هناك، وكلُّ ذلك لا يُجدي على الإنسان شيئًا، كلُّ ذلك لا ينفع الإنسان ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ ولَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88، 89]، ولذلك قالَ أهلُ العلمِ في إتَّباع العالم: "ذِلَّةٌ لِلتَّابِعِ فِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ" ، ولم يزل النَّاسُ يُفتنون بهذا حتى يَميلون عَن إرادةِ وجهِ اللهِ والقصدِ والإخلاصِ وطَلبِ مَرضاةِ اللهِ -سبحانه وتعالى.
ولمَّا كنتُ في إقبالِ الطَّلبِ وبدايةِ التَّحصيلِ، وقفتُ على دعاءِ الإمامِ أحمد -رحمه الله تعالى- وممَّا أُثِرَ من دعائه أنَّه كان يقول: "اللهم أخمل ذكري" فكنتُ أتعجَّبُ من هذه الكلمة، ماذا يريد بها؟ وكيف يريد إخمالَ ذكره؟ والإنسان يريدُ أن يُعرَف ويُحفَظ عنه ويُنقَل عنه العلمَ وتُؤثَر عنه الأحاديث ويتأسَّى به النَّاسُ ويُقتَدي به؟!
فلمَّا مرَّت بِنا الأيام وتوالت علينا الأعصار، عَرفَ الإنسانُ عِظمَ ما في الشَّهرةِ من البلاءِ والشَّرِّ والفِتنَة، وعِظَمِ مَا في الانكفاءِ مِن الرَّاحةِ والرَّحمةِ، وإذا أرادَ الله -جل جلاله- وصولَ الخيرِ، أوصلَه ولو لمْ يَعرفكَ النَّاسُ، ولو لمْ يحفظوا لكَ اسمًا، ولو لمْ يُصفقوا لك، ولو لمْ يتكاثُروا عليكَ في مسجدٍ ولا في درسٍ، فربَّما كانت كلمة واحدة يُخلِص بها العبدُ للهِ -جلَّ وعلا- خيرٌ مِن مجالسَ كثيرة لا حدَّ لها ولا إحصاء، لا يُوفَّق فيها العبدُ للإخلاصِ.
ولقد أعجبني مَا رأيت مِن بعضِ إخواننا مِن طلبةِ العلمِ، وكانت لفتةً كريمةً جميلةً مؤثرةً للقلوبِ، مُصلحةً للنُّفوسِ، لمَّا كانَ في مجلسٍ مِن مجالسِ العلمِ، وكان في نهايةِ الدَّرسِ أو قَبلَ نهايةِ الدَّرسِ، انصرفَ بعضُ الطُّلابِ أو استعجلوا في الانصرافِ، فكأنَّ الشَّيخَ أشارَ إليهم أو استوقفهم، وقالَ: كيفَ تنصرفونَ مِن الدَّرسِ وهو لم ينتهِ؟ ثم لعلَّه حدَّثتْهُ نفسُه أنَّ النَّاس يَظنُّونَ إنَّما قالَ ذلك انتصارًا لنفسِه، أنَّهم أقاموا عنه وهو لم ينتهِ مِن حديثِه، فقالَ: إنِّي لا أقولُ ذلك لأجلِي، فأنتم لَن تنفعوني يومَ القيامة، سأُحشر وحدي وأُبعث وحدي، وأُحاسَب بَين يدي الله وحدي.
وهي كلمة لطيفة عظيمة، مَن يستشعرها، فإنَّه يعلم أنَّه لا يجدي عليه أحد، مدحكَ هذا، أثنى عليكَ هذا، أعطاكَ هذا، ثمَّ ماذا؟ هباءٌ منثورٌ، لا ينفعك شيءٌ ولا يبقى لك شيءٌ، وتوقف بين يدي الله، فماذا يكون؟
والعجبُ أيُّها الإخوة أنَّ بابَ الدَّعوَةِ إلى الله -سبحانه وتعالى- كان فيما مَضى يحتفُّ به الرِّياءُ والسُّمعة ونحو ذلك، مع مَا فيه مِن البلاءِ والتَّجلُّدِ والشِّدةِ وكثرةِ الفتنةِ وقلَّةِ الحالِ والفقرِ والفاقةِ، وربَّما يُعرضَ عنه النَّاسُ، وربَّما طُرِدَ، وربَّما ابتُليَ، ومع ذلك هو بابٌ من أبوابِ مَداخلِ الشَّيطان في الانصرافِ عن الإخلاصِ، فكيف به في هذه الأزمنةِ التي ربَّما صارت بابًا مِن أبوابِ الجاهِ أو التَّكثُّرِ أو التَّكسُّبِ أو التَّعرضِ للمواطنِ وللوظائفِ وللوجهاتِ ولغيرها، أو مخالطةِ أصحابِ الأموالِ والثَّرواتِ وغيرها.
فإنَّ الأمرَ أشدُّ في حصولِ الفتنةِ بالدَّعوَةِ، فإذا انضمَّ إلى ذلكَ قلَّةٌ في الصَّلاحِ، وضعفٌ في العبادةِ، وإعراضٌ أو نقصٌ كثيرٌ في الخلواتِ، في قيامِ الليلِ، في ذكرِ الله، في الحزبِ مِن القرآنِ، في التَّعبدِ لله -جل جلاله- بأنواعِ العباداتِ، لم يكنْ بينَ الإنسانِ وبين الانحرافِ إلا شيءٌ قليلٌ، ولا يَكاد يَسلَم منَّا إلا مُسلم، وأخشَى أن يكون هذا المجلس حجَّة علينا لا لنا عندَ اللهِ -جلَّ وعلا- لكن لولا لُطف اللهِ وطَلبنا ورجائنا لله -جلَّ وعلا- أن يتجاوزَ ويغفرَ، وأن يعفوَ أو أن يصفحَ، وأن يُصلحَ القَلبَ وأن يَعفوَ عن العثرةِ، وأن يَمحُ الذّلة، وأن يتجاوزَ عن الخطيئة، وإلا لكانَ الإنسان من الهالكين.
وإذا جاءَ الحديث عن الدَّعوَةِ إلى الله -جل جلاله- فإنَّ أوَّلَ ما يُذكر فيها، وأعظمَ ما يُذكرَ فيها، وأهمَّ ما يُذكرَ فيها، وأوسطَ ما يُذكرَ فيها، وآخرَ ما يُذكرَ فيها، هو الإخلاصُ لله -جلَّ وعلا- ذلكم أنَّ الدَّعوَةَ دعوةٌ إلى الله، فكيف لشخصٍ يدعو إلى اللهِ وهو يقصِدُ غير وجه الله؟ كيف لشخصٍ يأخذَ وظيفةَ الرُّسلِ الذين كانت مهمَّتُهم وحياتُهم وكلُّ أحوالِهم دعوةً إلى الله -سبحانه وتعالى- وهو على غيرِ طريقه وأبعد ما يكون عن منهاجِه، وهو إنَّما هو في سبيل الشَّيطانِ، وهو إنَّما يجمعُ حظوظَ النَّفسِ ورغباتِها، مِن كسرةِ خبزٍ أو لقمةِ عيشٍ أو رغبةٍ في جاهٍ، أو طلبٍ لوظيفةٍ أو تكثُّرٍ في مجتمعٍ، أو طلبِ ترفُّعٍ على الأقرانِ، أو إلى غيرِ ذلك مِن المطالبِ والأغراض.
فكم مِن الذين لمَّا انصرفوا عنهم أهلُوهم وذوهم، لم يجدوا إلا الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعلا- لعلَّها أن تُعيد لهم شأنًا أو أن تُظهر لهم قدرًا.
أيُّها الإخوة: الحديث لا يتعلَّق بتفاصيلِ الكلام على هذه المسألة، وإلا فهي مسألةٌ تؤرِّق القلبَ، مسألةٌ عظيمةٌ، مسألةٌ والله لولا الأمانة لم نتكلَّم بها؛ لأنَّ الإنسان يعرف ما ألمَّ بقلبِه مِن الخروقِ ومِن الضَّعفِ ومن النَّقصِ، كيف ونحن أمامَ هذه الشَّاشاتِ التي تُفسدُ القلوبَ الصَّالحة؟ فكيف بالقلوبِ الفاسدةِ؟ والتي تُغيُّر القلوبَ المخلصَة، فكيف بالقلوبِ المتقلِّبة المتلوِّنة؟ ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ.
أسألُ الله أن يخلِصَ لي قلبي، وأن يخلِصَ لكم قلوبَكم، وأن يُخلِص للإخوة المشاهدين والمشاهدات، وأن يجعلَنا مِن عبادِه المخلِصين، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه.
ربَّما كانت الآيات والأحاديث وما أُثر في الآثارِ كثير، لكن والله لوعةُ الحديث عن هذا أَنْسَاني كثيرًا مِن ذلك، لكن لعلَّنا أيضًا أن نختِم بهذا الحديث الذي حسنه أهل العلم، وهو كسابقه مُحرِّكًا للنَّفسِ، مُغيرًا للقلبِ، لا خيرَ فينا إن لم نتعظ، ولا خير فينا إن لم نتذكَّر، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يعني: لم يجد ريحها.
إذا تقرَّر أنَّكم أيُّها الطُّلاب -طلاب العلم وطَلبتِه- أنتم الدُّعاة إلى الله، الرَّاغبون إلى الله، المرغِّبون إلى سبيلِ الله، والمباعِدُون عن سبيل الشَّياطين، أحوج ما تكونون إلى استحضارِ الإخلاصِ في كلِّ حركةٍ وفي كلِّ سكنةٍ، وفي كلِّ قليلٍ وفي كلِّ كثيرٍ، وأن يتفقَّدَ الإنسانُ نفسَه قبلَ العملِ وفي أثناءِه وبعدِه، وأن يكونَ هذا حاله في كلِّ شؤونِه، أن يرجو أن يكون من عباد الله المخلصين.
ننتقل إلى مقوِّمٍ مِن مقوِّماتِ الدَّعوَةِ، وهو أيضًا كالأوَّل مِن جهةِ العِظَمِ والأهميَّةِ، ومِن جهةِ البلاءِ الكثيرِ الحاصلِ فيه، والفتنةِ، وأيضًا ما جرى فيه من الخرقِ، ومن النَّقصِ الذي يستوجبُ الوقوف كما وقفنا عند الأمرِ الأوَّلِ، وهو العلم.
العلمُ في الدَّعوَةِ إلى الله -جلَّ وعلا- هو أساسُها وهو سبيلُها، فمَن لم يكن عالمًا فإلى أي شيء يدعو؟ إلى الجهالاتِ، إلى المحدَثاتِ، إلى البِدَعِ، إلى الشَّيطانِ، إلى الشُّرورِ.
يقول النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي مَرَّ بنا: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ» فإذن النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وهو رسولُ ربِّ العالمينَ بُعثَ بالعلمِ داعيًا إليه، فلم يدعُ إلى نفسِه، ولم يبتدر بآرائِه وحبائِل أفكاره -صلوات ربي وسلامه عليه- إنَّما كان وحيٌ يوحَى وسنَّة يتلقَّاها، فيؤدِّي الأمانة فيها، فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكان كذلك المتَّبعون لسنَّته، المنتهجون نهجَه، الطَّالبون لهداية العباد إلى دينه وشِرعَتِه.
ولذلك تعرفون تبويب البخاري "بَاب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ" وذكر الآية في قول الله -جلَّ وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: 19] قال شراح الحديث: فدلَّ ذلك على أنَّ العِلمَ سابقٌ للقولِ والعملِ، وأنَّه شرطٌ لِقَبُولهما، فإنَّه لا يتأتى للإنسان قولٌ صحيحٌ وعملٌ سديدٌ إِلَّا بالعِلم.
ولذلك جاء في الآية التي سبقت وذكرناها في المقوم الأول من مقومات الدَّعوَة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108] والبصيرةُ مِن البَصرِ، وذلك أنَّ البصرَ يَحصلُ به رؤيةُ الأجسامِ والأشياء، لِئَلا يقع فيها الإنسان ويتدهده، فكذلك البصيرة للقلبِ، هي تنجلي بها الجهالات ويفتح للإنسان باب العلم والإنارات، فتُفتَح له آفاقُ الهدى والاستقامة والبيان والمعرفة.
ولهذا لن يُفلح شخصٌ دخلَ في الدَّعوَةِ على غيرِ علمٍ وبصيرةٍ، ولذلك جاءَ في دلالاتِ الأحاديثِ ما يدلُّ على هذا الشَّأنِ ويؤكِّدُ عليه، وكذا في دلالاتِ الله -سبحانه وتعالى- لا ينفكُّ كثيرٌ مِن الأحاديث الدَّالة على هذا والدَّاعيةُ إليه.
«مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» فلابدَّ أن يكونَ سالكًا طريقَ العلمِ، طالبًا له، مبتغيًا لسبيلِه، غير ملتفٍّ يمينًا ولا شمالًا.
يقول الحسن البصري -وهي كلمة أيضًا جاءت عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى- أنه قال: "وَالْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُ" هذه مأثورة عن عمر بن عبد العزيز وأُثرت عن الحسن البصري، وتأمَّلوا كلمةَ الحسن، يقول -رحمه الله تعالى: "الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرُ مِمَّا يُصْلِحُ ، فَاطْلُبُوا الْعِلْمَ طَلَبًا لا تَضُرُّوا بِالْعِبَادَةِ، وَاطْلُبُوا الْعِبَادَةَ طَلَبًا لا تَضُرُّوا بِالْعِلْمِ، فَإِنَّ قَوْمًا طَلَبُوا الْعِبَادَةَ، وَتَرَكُوا الْعِلْمَ حَتَّى خَرَجُوا بِأَسْيَافِهِمْ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ طَلَبُوا الْعِلْمَ لَمْ يَدُلَّهُمْ عَلَى مَا فَعَلُوا" يشير إلى الخوارج، فإنَّهم كانوا أصحابَ عبادةٍ، وأصحابَ صلاةٍ، وأصحابَ قيامٍ للَّيلِ، وأصحابَ صيامٍ، ومع ذلك هم الذين قَتلوا عثمان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- وهم الذين فتحوا باب الفِتنة وانفتحت إلى آخر هذه الدنيا، فتأمَّل هذه المقولة، وانظر ما يدخل فيها وما يتعلَّق بها.
إذن إذا قلنا من أنَّه لابد مِن العلم في باب الدَّعوَةِ إلى الله -جل جلاله- فهذا أمرٌ ظاهر بيَّن، ولما بعث النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- معاذًا إلى اليمن، قال: «كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟»، قَالَ: "أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ"، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ»، قَالَ: "فَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟»، قَالَ: "أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو" .
قد يظن ظان أنَّ في الثالثة رجوع إلى رأيه، لا، لم يقل أجتهد رأيي، لكن لما قال: أجتهد رأيي ولا آلُو، يعني لا أُقَصّر في النَّظَر، أي: في استنباط مَا جاء في دلالات الكتاب والسنة، والقياس عليها، وإلحاق الشبيه بشبيهه، والنظير بنظيره، فليس في هذا بوجه من الوجه أنه كان ليس طلبًا للعلم وإقامة له في الحكم والدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعلا.
لو نظرنا في قول النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» هذا من الأحاديث التي رواها البخاري في صحيحه، وهو من أهم الأحاديث الدالة على أهمية العلم في الدَّعوَة إلى الله -سبحانه وتعالى- لم يَقُل النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- مَن حَفِظَ آية فليكن دَاعيًا إلى الله، وإنما قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً».
إذن يُبلِّغ الإنسان بقدرِ مَا علِمَ، بقدرِ مَا حفِظَ، بقدرِ مَا تعلَّم، بقدرِ مَا فَهِمَ، لا يجوز له أن يتجاوزَ ذلك، ويدلَّ على هذا دلالة جلية واضحة الحديث الآخر، أن النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امَرءا سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَ» .
إذن أوَّلُ الحديث: «نضَّرَ اللهُ» الدعاء له بأن يُعطَى نَضَارَةً في وجهه، وهذه دعوة مِن النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم.
«نَضَّرَ اللَّهُ امَرءا سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَ» هذا يدلُّ على ماذا؟
هل يدل على أنَّ الإنسان يتخبَّط بالجهالاتِ؟
هل يدل على أنَّ الإنسانَ يدخل فيمَا لا يحسن؟
هل يدل على أنَّ الإنسانَ يقولُ ما لا يعلم؟
لا، وإنَّما هو أداءٌ لِما وعى، أداءٌ لِما حفظ، أداءٌ لما عرف «فَرُبَّ مُبَلَّغ أوْعَى» ، وفي رواية «فرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» .
إذن هذه الأحاديث مِن أهمِّ وأشهرِ الأدلَّة التي تدلُّ على أهميَّة العلم.
وهنا مسألة سبقَ أن أشرنا إليها سابقًا، فقلنا لكم: إنَّ كثيرًا ممَّن يخوضون غِمار الدَّعوَةِ مِن أهلِ الجهالات وعدمِ التَّريُّث في العلمِ والتَّزود منه يستدلُّون بهذا الحديث «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» وهذا ليس فيه مُستَمسَك لهم بوجه مِن الوُجوه، وذلك لأن النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً».
إذن الحديث فيه دلالة على أنَّ الإنسان يُبلِّغ ما حفظ، آية أو أكثر، لكن ليس فيه أنَّ مَن حفظ آية جازَ أن يقول في كلِّ ميدانٍ، أو يتكلَّم في كلِّ سبيلٍ، خلافًا للحالِ الذي يفعلونه، بمجرَّد أن يخرج شخصٌ مِن محلِّ بلاءٍ وفتنةٍ وشرٍّ، حتى يذهبوا به ويعرضوه للنَّاس، يتكلَّم ويدعو ويعظ، وهذا خللٌ كبير وخطأ ظاهرٌ بيَّن عظيم، فإنَّما يُبلِّغُ الإنسان ما عرف وينقلُ ما حفظ.
وهنا مسألةٌ مهمَّةٌ: هل مِن لازم الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعلا- أن يكون الإنسان عالمًا؟ أو أن الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعلا- تتجزَّأ بحسب العلمِ؟ فمَن عَلِمَ قليلًا دعا قليلًا، ومَن عَلِمَ أكثر دعا بحسب ما عَلِمَ أو حتى يكون الإنسان عالمًا؟
الحقيقة أنَّ الجواب هنا يحتاج إلى شيءٍ مِن التَّروي والنَّظرِ، فنقول: من حيث الأصل فإنَّ الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعلا- هي وظيفة عظيمة، فلابدَّ أن يكون المتصِّدي لها - والمتصِّدي هو من تكون هذه وظيفته، كما كانت وظيفة الأنبياء والمرسلين- فلا شك أنَّه لابدَّ أن يكونَ على قَدرٍ مِن العِلمِ وافر، وأن يُحصِّل درجةً مُعيَّنة لها على ما هو فيه، وإلا يوشك أن يَذلَّ في حالٍ مِن الأحوال.
ولا نَشترط كمال العِلمِ حتى لا يفضي ذلك إلى أن لا يتصدَّى لها إلا القلَّة القليلة مِن النَّاس، لكن الأصل أنَّ مَن يتصدَّى لهذه الوظيفة ويتفرَّغ لها، أن يكون على عِلمٍ وبصيرةٍ في أقلِّ الأمور بأصولِ الشَّرعِ، وبما يتعلَّق بما يحتاج إليه عموم النَّاس، وأن يكون عَالمًا بفروض الأعيانِ وما يحتفُّ بها ممَّا تَشتَهِر حاجة النَّاس إليه أيضًا من فروض الكفاياتِ؛ ليكونَ مُستعدًّا لِما يَعرض للنَّاسِ مِن استفتاءٍ ولِما يتجدَّد للنَّاسِ مِن سؤالٍ ولِما يقعُ لهم مِن إشكالٍ ولما ينتابهم مِن أمر في زَوَجَاتِهِم أو طلاقٍ أو بيعٍ أو شراءٍ أو غير ذلك، إذن هذا من جهة.
مِن جهةٍ أخرى نقول: يمكن أن مَن كان ذا علمٍ أقل أن يكون له مُشاركة في الدَّعوَة، لكن حَذاري أن يتجاوزَ شيئًا لم يعلمه، حذاري أن يقول على الله ما لا يُحسُنه وما لا يَعلمه، والله الله أن يستجريه الشَّيطانُ؛ فيتجرَّأ على الحدودِ والحرماتِ، وإنَّ كثيرًا مِن البلاءِ الذي وَقَعنَا فيه في هذه الأزمنَة، أنَّه بدأ أناسٌ بالدَّعوَةِ ظانِّين أنَّ عندهم شيء وليس ثَمَّ شيء عِندهم، حتى إذا نَصَّبَهُم النَّاس يظنُّون بهم الخير ويظنُّون بهم العلم، وهم ليس عندهم علم، ولم يرجعوا ليعرفوا قدرهم وإنَّما تقدَّموا، فَسُئِلُوا فأفتوا، فضلُّوا وأضَلُّوا، وما جهالاتُ كثيرٍ مِن أهلِ البدعِ والأهواءِ والمتصوفة إلا مِن هذا، وما ضلالاتُ كثيرٍ مِن أعمال الإرهاب وإراقة الدِّماء والتَّسلُّطِ على المسلمين والمَعصُومين مِن أهلِ الكتاب وغيرهم إِلا مِن هذا الباب.
قرأ شخصٌ كتابًا أو حفظ القرآن أو تخرَّج من معهدٍ علميٍّ أو دراسةٍ جامعيَّةٍ دينيَّةٍ، أو جلس بين يدي شيخ جُلوسًا قليلًا أو أخذَ نُتَفًا مِن هنا وهناك عَبر هذه المواقع وعبر هذه المجالس، فظنَّ أنَّه حازَ العلم؛ فتكلَّم وأفتى وأعجبه حلاوة كلامِه، وأدخلَ إليه الشيطانَ العجبَ والهوى، حتى ضلَّ وأضلَّ.
فإذن مَن كان ذا علمٍ قليل، فنقول: إنَّما يَسَعُه أن يقول مَا علمَ.
لكن هنا مسألة كثيرة الحصول: وهو أنَّ أناسًا ربَّما يحفظوا حديثًا أو يعرفوا آيةً أو يسمعوا مسألةً، فيدعون النَّاسَ إليها، على حينِ أنَّه إنَّما يعرف رأس المسألة، أمَّا قُيُودُها وما يتعلَّق ببعض اعتباراتها وما فيها مِن دقائقها لا يحسنها، فربَّما يأتي بأصلِ المسألة ثم ينقضها، وربَّما أتى بالمسألةِ وما يعارضها، وربَّما أتى بالمسألةِ على غيرِ وجهها، فلأجلِ ذلك حتى إذا قلنا إنَّ العلم يتجزَّأ، فلابد للإنسان أن يكونَ حافظًا لهذه المسألة على وجه دقيق، وأن لا ينقلَ مسألةً إلى مسألةٍ أو حالًا إلى حالٍ أخرى، فإذا اشتبه عليه فالأصل أن يسكت، وأن لا يتكلَّم، وأن لا يدخل في هذا الميدان، فيكون سببًا للبلاءِ والجهلِ والضَّلالِ والإضلالِ.
أيُّها الإخوة: هذا الكلام في باب العلم والتَّعلُّم، الحقيقة أنَّه مهمٌّ للغاية، وأعجب شيء رأيتُه خلالَ دراستي إلى أن وصلتُ إلى ما وصلتُ إليه في مَوطني هذا، أنَّي أنا وغيري كثيرًا ما نذكر عَن الصَّحابة أنَّهم يقولون: "مَن تكلم فيما لا يعلَم فقد أصيبت مقاتله، لا أعلم نصف العلم" ، إلى غير ذلك مِن الأشياء، تَوَرُّعُهُم عَن الفتاوى، وَتَدَافُعُهُم للفُتيا، ونَقَلَ ابنُ القيم وغيره في إعلام الموقعين من هذه الروايات والآثار.
ثم إذا جاء الميدان إلى الواقع، تجد أنَّ كثيرًا منَّا أسرعَ ما يكونُ إلى القولِ في المسألةِ، وأسهلَ ما يكونُ عليه الإفتاء، وأهونَ ما يكونُ عليه التَّصدي لها، وهذا من استجراءِ الشَّيطان لنا، فينبغي للإنسانِ أن يَتَوَقَّى، فقد يقول المسألة على سبيلِ المُدارسَة، وقد يقول المسألة على سبيلِ التَّبيين والتَّعليم؛ لأنَّه حفظها على وجه، لكن بابَ الفتيا والتَّصدُّرِ وتقريرِ المسائلِ خاصَّة إذا كانت تلك مِن المسائل المشكِلَة أو مِن مسائل العموم، أو ممَّا يترتَّب عليه مفاسد كثيرة، فإنَّه أحرى بالإنسان أن يُحجِم، أحرى بالإنسان أن لا يَستَعجِل.
وممَّا يحفظ في هذا وهي مأثورة عظيمة عن الإمام ابن رجب -رحمه الله تعالى- وهي تتعلَّق بالأمرين معًا، سواءً بباب العلمِ أو ببابِ الإخلاصِ، يقولون: إنَّ الإمام ابن رجب -رحمه الله- كان لا يُعرف في وقته كثيرًا، وإنَّما كان ربَّما يكون في مجلس العلم فيذكر المسألة حتى يستوعِبَ أطرافًا لها كثيرة ودقائقَ لها عجيبة، لا يكاد يُحسن أحدٌ ما يحسن، يقولون: ثم ينتقِلَ إلى بعضِ مجالسِ النَّاسِ العامَّة، فَيُعرَض للمسألةِ فلا ينطق ببَنَتِ شَفة، فيعجب الطُّلاب ويقولون: يتكلَّم مَن هو دونه! وظننا أن لو تكلَّم شيخنا لكان أتم من كلامهم وأحسن، يقولون: فإذا خرجنا من ذلك المجلس، سئل الشيخ الإمام ابن رجب: لمَ لمْ تتكلم؟ قال: "إن هذه مجالس ما أريد بها وجه الله".
يعني أحيانًا هذا العلم إنما هو للتِّجاري والتَّدافع وإظهار النَّفس وأنَّه غلبَ فلانًا بحجته، أو أنَّه أفحمَ فلانًا في مسألته، فتأمَّل كيف أنَّ أهلَ العلمِ الرَّاسخينَ لا يأتونَ العلمَ إلا على وجهه، ولا يأتونَه إلا بحقِّه، فكيف بمَن يتكلَّم ولمْ يعرِف حقَّ العلم؟ وكيف بمن يتكلَّم ولم يُحط بالمسألة على وجهِها وعلى تمامها وبيانها.
هذان الأمران أمران عظيمان، ولو أنَّنا أيُّها الإخوة استفرغنا الوسعَ واستجمعنا كل المجالس القادمة، في التَّأكيد على هذا الأمر لكثرةِ المخالفين فيه، الذين يتكلَّمونَ بغير علمٍ، ولعظَمِ ما يتعلَّق بذلك من دعوةِ النَّاسِ إلى الجهلِ، وكما قلنا: الرَّجلُ يدعو وهو جاهل، قال: "نعم حتى يضل ويضل الناس".
وأيضًا لِما يكون فيه من التَّلبيس على النَّاسِ والبلاِء الكثير، كلُّ ذلك يُحوِجُنَا إلى أن نُحجِم، وما رأيناه مِن كثير من الفِرَق ومَن دخلوا في الميادين الدَّعويَّة على غيرِ هُدًى وعلمٍ، حتى قلبوا الشَّريعةَ رأسا على عقبٍ، ودعوا النَّاسَ إلى ضلالٍ عظيمٍ، فزيَّنوا الشِّركَ وزينوا البدع، وحتى سوَّقوا للمقالاتِ الضَّالةِ التي ربَّما تصلُ إلى ما يُخرج مِن الملَّة ويفارق به الإنسان الإسلام، وكلُّ ذلك إنَّما مَبدأه عدم العلم وعدم التَّوقي في الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعلا.
فلذلك هذا باب مُهم، وتعلمون أنَّكم في هذا البناء العلمي، إنَّما تُكِلِّمَ في فقه الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعلا- في آخرِ مستوياته، لمَّا استجمع للطالبُ مِن أصولِ العلم ومسائلِ الفقه مَا يُكوِّن قدرًا لا بأس به، ربَّما كان زادًا يستطيع به النَّفع والإفادة، على حينِ أنَّ ذلك مُقيَّد بقيدِه ومشروطٌ بشرطِه، وهو ألا يتجاوز ما لا يحسن، وألا يتكلَّم فيما لا يعلم.
أظنُّ أنَّ الحديث في هذا كافٍ وإن كنَّا لم نذكر ما يليق بهذه المسألة من أدلَّةٍ وإنَّما هي إشارات لطيفة، لكن لعلَّ في الإشارةِ ما يغني عن كثير مِن العبارة، أظنُّ أنَّ الوقتَ أزفَ أو انتهى، وددنا أن يكون الحديث أطول، فإنَّ الحديثَ إليكم ماتعٌ وإن كنتُ لكم مملُّ، لكن إنَّما هو قول الله -جلَّ وعلا- وقول رسوله -صلى الله عليه وسلم.
أسألُ الله أن ينفعَنا به، وأن يجعلَه مُصلحًا لقلوبنا مقيمًا لنفوسنا، مُذهِبًا لأهوائِنا وشهواتِنا، محصِّلٌ لتمامِ إخلاصِنا وكمالِ توحيدنا، والتَّوجُّه والقصد لله -جلَّ وعلا- ربِّنا.
إلى هذا ينتهي هذا المقام في مثل هذا المجلسِ المباركِ، أسألُ الله -جلَّ وعلا- أن يجزيكم خيرَ الجزاءِ، حاضرين ومشاهدين، وأن يجزي الإخوةَ القائمين على هذا البناء العلميِّ خيرَ الجزاءِ وأوفاه، وأن يزيدَهم مِن العلمِ وأن يجعلَهم بابَ العلمِ وطريقِه، وأن يفتحَ لهم أبوابًا كثيرةً في هذه الميادين، ليدعوا النَّاسَ إلى الحقِّ والهدَى، ويجنِّبوهم الشَّرَّ والرَّدى.
وأستَبيحُكُم عذرًا على ما لديَّ مِن الخطأ والقصورِ والخللِ والنَّقصِ، فإنَّ هذا حال ابن آدم، واللهَ المسؤولُ أن يعفوَ عني وعنكم وعن كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك