الدرس الأول

فضيلة الشيخ د. عبدالحكيم بن محمد العجلان

إحصائية السلسلة

6052 12
الدرس الأول

فقه الدعوة إلى الله

السَّلام عليكم ورحمةُ الله وبركاته.
الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على النَّبيِّ الأمين، وعلى آله وأصحابه وسلِّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّينِ، أمَّا بعدُ:
أيُّها الإخوةُ الحاضرون، أيُّها الإخوةُ المشاهدون، طلَّابَ العلم، فإنِّي أحمدُ الله -جلَّ وعلا- إليكم أن نَسَأ في آجالِنا، ومَدَّ في أعمارِنا، وباركَ لنا في أيَّامِنا وأوقاتِنا، وجعلَنا مِن أهلِ العلمِ المتعلِّمين، المتعاونين، المتآزرين، الذين يتناصحونَ في هذا البابِ، ونتزوَّدُ منه، ونسألُ الله -جلَّ وعلا- كما جعلنا في هذا الطَّريقِ والمنهَاجِ؛ أن يبلِّغنا غايتَه، وأن ينفعَنا وأن ينفعَ بنا، وأن يعقبَنا الخيرَ في الدُّنيا وفي الأخرى.
ما أحسنَ هذا اللِّقاء! وما أحسنَ هذا الاجتماع! أرأيتم هذه اللِّقاءات، وهذه الدُّروس المتتابعات، أرأيتم هذا البناء العلمي، وقد كبُرَ بناؤه، وعظُمَ صرحُه، وتنامَت دروسُه، وتنامى طلابُه، وانتشرَ العلمُ به في أصقاعِ المعمورةِ، فلم يبقَ بيتٌ ولا بلدٌ ولا أهلُ دارٍ إلا وصلَ إليهم، مَن أرادَ هذا الباب فتحَه، ومَن أرادَ هذا البناءَ دخَلَه، ومَن أرادَ أن ينضمَّ إلى لوائِه وأن يستمسك بحبلِه؛ فإن الله يُوفِّقه له.
لم تزلْ هذه السَّنوات، والبناء يُعطي ويَعمر ويَكبر ويَتنامى؛ لِيزدادَ الطلبةُ نورًا وبصيرةً، ولِيهتدوا بهدي سنَّةِ خيرِ المرسلين النَّبيِّ الأمين -عليه الصَّلاة والسَّلام- لِيتفقهوا في كتابِ الله -جلَّ وعلا.
أرأيتم كيف تمضي الأيام؟!
أرأيتم كيف تتسارع الأوقات؟!
أرأيتم كم حضرتم؟! وكم أُلقي في هذا البناء مِن مجالسَ عامرةٍ، مِن مجالسَ عظيمةٍ مِن مجالسَ العلمِ، والخوفِ والخشيةِ لله -جلَّ وعلا- ممَّا يكونُ فيه توحيدُ الله، ممَّا يكونُ فيه تعليمُ ما يجبُ على العبادِ من حقِّ الله -سبحانه وتعالى.
أرأيتم كيف يكون العلم بالأحكام الشَّرعيَّة، وتفصيل المسائل الدَّقيقة، إن كان ذلك في أوَّلِ العلمِ، وهي أبواب الطَّهارة وما يتعلَّق بها، أو كان ذلك في الصَّلاة، وما يندرِجُ في مسائِلها، أو كان ذلك في الزَّكاة، أو كان ذلك في الحَجِّ، دخلنا إلى المعاملات، أخذنا قسطًا وافرًا منها، وَلجْنا إلى الأسواقِ فعرفنا أحكامَ حلالِها وحرامِها.
هذه مجالسٌ عظيمةٌ، مَن استبطأ الطَّريقَ فيها هَلَكَ وانصرفَ، ومَن استصغرَ فيها الوقتَ فإنَّه أسلَم وهُدي ونجا، وصلَ إلى الطَّريقِ، وحصَّلَ الغاية، واجتمعَ له العلم، وتتابعت عليه الفوائدُ والخيراتُ والرَّحماتُ، وإنَّا لَنرجوا أن يُبلغنا الله -جلَّ وعلا- خيرًا كثيرًا إن استحضرنا الإخلاصَ، الإخلاص الإخلاص! فهو أحوجُ ما نكونُ إليه في كلِّ مرحلةٍ ومنزلةٍ ودرجةٍ مِن درجاتِ العلمِ، لذلك تَعرفون الحديثَ ربما أعدناه وسنعيده ونحنُ أحوجُ ما نكون إليه، حديثَ أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أوَّل مَن تُسعَّر بِهمُ النَّارُ ثَلاثَة»، مَن هم؟ ليسوا السُّرَّاق ولا الزُّناة ولا شاربو الخمر! بل أول مَن تُسعَّر بهم النَّار: قارئ القرآن، والمتعلم للعلم والباذل للمال، قارئ القرآن والمتعلم للعلم شيء واحد، والباذل للمال، والمجاهد في سبيل الله، «يُؤتَى بِه فيُعرَّف نِعَمَ اللهِ عليه، فيعرِفَها، فيُقال لَه: ما عَمِلْتَ فيها؟ فهذا يقول: يا ربِّ أقرأتُ فيكَ القرآن وأقرأتُه النَّاس، وهذا يقول: بَذلْتُ وتَصَدقتُ، وهذا يقول: قَاتَلتُ وجَاهَدتُ، فيَقولُ اللهُ -جلَّ وعلا: كَذَبتَ إنَّما قَرَأتَ وأَقْرَأتَ ليُقال قَارئٌ، وليُقال مُتصدِّقٌ، وليُقال شجاعٌ، فقد قيل، ثم يُؤمَر بِه إلى النَّار» .
إذن، أيُّها الإخوة وأنتم أيُّها الحاضرون، وأنا أيُّها المتكلِّم، كلُّنا على حدٍّ سواءٍ، قلوبُنا متقلِّبة ونفوسُنا متغيِّرة، والإخلاص أعزُّ ما يكونُ على المرء، وإنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات، ربَّما نكون أمَّة كثيرة، نجتمعُ على هذه المجالس، فيُرفعُ هذا الرجل بها درجاتٍ كثيرةٍ، وهذه المرأة تبلغُ منازلَ عظيمةٍ، وربَّما أنا الذي تكلَّمتُ بهذا العلم وابتدأتُ هذه المجالس؛ يذهب حظِّي منها -ولا حول ولا قوة إلا بالله- إذا فات الإخلاص.
النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، يعني ريحها.
إذن، نحن أحوجُ ما نكون إلى استحضار الإخلاص، وأن نفرح بنعمةِ الله -جلَّ وعلا- علينا، فإنَّكم ترون كيف وصلتُم إلى هذه المرحلة، وأُناس كُثر ربَّما كانوا مِن أصحابِكم وأصدقائكم، بدؤوا فانقطعوا، أو سوَّفوا وتواكلوا، فلم يُوفَّقوا لهذا العلم، فانصرفت بهم الأيام، وتلاطمت بهم الأمواج، فذهبت أيَّامهم وأوقاتهم، ولا شيء يحملونَه، ولا شيء يُحصِّلونه، ومَن لَزِم هذه المجالس، ومَن قابلَ هذه الشَّاشات، ومَن حرصَ وبذلَ مِن وقتِه، وجاهدَ نفسَه، واستغنى عن كثيرٍ مِن الأوقاتِ والمجالسِ التي لا فائدةَ فيها، فأقبلَ وقَصَدَ، وَجدَّ واجتهدَ؛ فسيُحصِّل غايةً عظمى، ولذلك:

تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ صَفْوَتَهَا *** مِنَ الْحَرَامِ وَيَبْقَى الْوِزْرُ وَالْعَارُ

تذهب الأيامُ، وتذهب الأوقاتُ، ثم لا تحصد إلا الثِّمار والنَّتائج، فمَن زرع فاسدًا فإنَّه يحصدُ خبيثًا، ومَن زرع وجدَّ واجتهد عملًا صالحًا، فإنَّ الثِّمار يانعة، والخيرات مُتكاثرة، ورحمة الله -جلَّ وعلا- لنا وله واسعة، عسى الله أن يبلِّغنا الخير والهدى.
إنَّكم لتعلمون أنَّ هذا المجلس الذي سنكون وإيَّاكم فيه متدارسين للعلم والهدى، هو نتاجٌ وثمرةٌ لتلك المجالس، ولتلك المستويات، ولتلك السَّنوات، ذلكم أنَّكم تعرفون أنَّ هذا هو في فقه الدَّعوة إلى الله تعالى، وهو أعظم ما يكون، وهو ثمرةُ هذه السَّنوات، وهو بابٌ مِن أبوابِ خيرها وأثرها ونعمتها، وذلك أنَّكم تعلَّمتم في أوَّلِ ما بدأنا هذه المجالس، أنَّ إخلاصَ النِّيَّة حقيقته: أن يطلبَ الإنسانُ رفع الجهلِ عن نفسِه، ورفع الجهلِ عن غيره، فقد رفَعَ الإنسانُ الجهلَ عن نفسه، فعَبَدَ الله على بصيرةٍ، ثمَّ انتقلَ إلى المرحلةِ الثَّانية، وهي هدايةِ النَّاسِ، تعليمِ النَّاسِ، تبصيرِ النَّاسِ، بيانِ الخيرِ والهدى للعبادِ والبلاد.
ولذلك لو تأمَّلتُم حديثَ أبي موسى في البخاري ومسلم، وغيرهما من كتب السُنن، لمَّا قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مقالةً عظيمةً: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» ، أو كما جاء عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
هذا الحديثُ أقربُ ما يكون إلى حالنا في مثل هذا المجلس، مَن حَضَرَ ومَن استفادَ ومَن جَدَّ ومَن جاهدَ نفسَه، ومَن لم يزلْ في المجاهدةِ والطَّلبِ والمُصابرة والمُرابطة في هذا العلم، فإنَّه يُوفَّق، وإنَّه يبلغُ الدَّرجة الأخرى، وهي تعليم النَّاس، وهداية النَّاس، وما يكون مِن إحياءِ قلوبِهم وأرواحِهم، أعظمُ ممَّا يكونُ به حياة أبدانِهم وأجسادِهم، وما يكونُ به صلاحُ أخراهم، وفوزِهم يومَ لقاءِ ربِّهم، أتمُّ ممَّا يكونُ به عمارةُ دنياهم وأُنسهم في حياتهم، فإنَّ الآخرة هي الباقيةُ، وإنَّ الدُّنيا فانيةٌ، ولذلك قال الله -جلَّ وعلا- في كتابه: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]، الْحَيَوَانُ: يعني الحياة الباقية المستمرة، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: لو كان الخلق يعلمون.
لو أفضنا مِن الحديثِ في هذا البابِ؛ لطالَ بنا الحديثُ، ونحن أحوجُ ما نكونُ إلى أن نحفزَ النُّفوس، وأن نُحثَّ أنفسَنا وإخواننا على أن يستدرِكوا ما فات، وأن يفرحوا بما حَصَّلُوا ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُو﴾ [يونس: 58]، لا يكون فرحٌ أعظمَ من الفرحِ بالعلمِ، وبالهدايةِ، وبالاستقامةِ، وبالعبادةِ، وبالاستنانِ بسُّنَّة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، والدَّليل على هذا: قول الله -جلَّ وعلا: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلً﴾ [الإسراء: 21]، فحقيقةُ التَّفضيلُ، والتَّفضيلُ العظيمُ إنَّما هو في الآخرة، والتَّفضيلُ في الآخرة ليس بالمالِ، ولا بالجاهِ، ولا بالمناصبِ، ولا بإتيانِ الشَّهواتِ، ولا التَّمتع بالملذَّات، وإنَّما حقيقتُه بالهدايةِ والاستقامةِ، بالخيرِ والطَّاعةِ، بالبرِّ والاستنان بسنَّة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم.
فلمَّا كان الأمر كذلك، علِمنا علمًا يقينيًّا أنَّنا أحوجُ أو أسعدُ ما نكون في موقعنا هذا، وفي موقفنا هذا ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُو﴾ [يونس: 58]، وليكن فرح كلُّ مَن يحضر هذه المجالس بقدر ما حصَّل، أمَّا مَن فوَّت فليناله مِن الحُزنِ والأسى والأسفِ على ما فاته بقدرِ ما فوَّت، وليسترجعْ، وليستدركْ، وليستذكرْ ما فاته وما قد مضى، خاصَّة وأنَّ الله -جلَّ وعلا- قد أنعم علينا بنعمةٍ، ألا وهي أنَّ هذه المجالس محفوظة ومُسجَّلةٌ وأنه يُمكن إعادتها مرَّة بعد أخرى، وكرَّة بعد ثانيةٍ، أي وقتٍ فرغتَ، وأي وقتٍ قدرتَ، عبر هذه الشَّبكات، ومنصَّات التَّواصل، والمواقع المحفوظة، التي تُعاد فيها المجالس على نحوِ ما كانت في أصلِها وفي بِدء انطلاقِها.
فمادام أنَّ هذه نعمة سابغة، ونعمة عظيمة، فإنَّ أحوج ما نكون إلى التَّواصي بالفرحِ بما وفَّقنا الله -عزَّ وجلَّ- له، واستدراك ما فات، وما قد ذهبَ علينا من هذه المجالس العظيمة.
إذا مات الإنسان فماذا يبقى له؟
هل يُقال خلَّف فلان أموالًا طائلة؟
هل يُقال لقد بنى دورًا عامرة؟
هل يُقال للإنسان: كان عنده زوجات كثيرات؟ أو تزوج وتمتع؟ أو خلَّف ونَسَل؟ كل ذلك لا.
يُقال له: كان يعمل من الصَّالحات كذا، كان يُعلِّم العلم، كان يُدرِّسه، يُقرؤه، يُحفِّظ القرآن، إلى غير ذلك، حتى إنَّ الرَّجل ليعملَ عملًا يسيرًا، يُقال: يوم من الأيام أنا رأيناه مرَّ على فلانة المسكينة، فدخلَ بيتها فقضى حاجتها، أو أعطاها، أو مدَّ يدَه إلى يتيمٍ، فمسحَ دمعتَه، وأعانه على لوعتِه وما يجدُ في نفسه مِن فِراقِ والدِه.
هذه من عجائب الدُّنيا! أنَّ الشَّيء اليسير أكبر ما يكون عند العبد إذا ذهبت الدنيا، لكنَّها أشياءَ حقيرة عند النَّاس -للأسف الشديد- لا يعنون بها، ولا يتفقَّدون أنفسهم فيها، وإنَّما هو التَّفاخر في الدُّنيا والتَّكثُّر منها، والله -جلَّ وعلا- قد وعظنا بأنَّ هذه الحياة الدُّنيا ذاهبةٌ زائلةٌ.
على كل حالٍ - كما قلنا- مهما أفضنا من الحديث فإنَّه لا ينقضي، والحاجةُ إلى ذلك داعية، يعني أن تُحرَّك القلوب إلى أن تُوعَظ، وأن تُذكَّر حتى تُحفَّز إلى الخيرِ والهدى، فإنَّ النُّفوس لابدَّ لها مِن حافزٍ، ولابدَّ لها مِن معينٍ، ولابدَّ لها مِن مُذكِّرٍ للخيرِ، وقائمٍ به.
إذا كان الأمر كذلك أيُّها الإخوة، فنحن وصلنا إلى هذا المكانِ، وحططنا رحالَنا بهذه المرحلةِ، فطيبوا بها نفسًا، وافرحوا بها، وقد مَنَّ الله -جلَّ وعلا- عليكم بهذه المنزلة، فكان مناسبًا أن نَدرس مثلَ هذا الباب، وأن نتعارضَ وأن نتراجعَ في مثل هذه المسائل، خاصَّة أيُّها الإخوة وأنَّ فقهَ الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- مِن أوعرِ العلم وأصعبِه، ومِن أدقِّ الفقهِ وألطفهِ، والطَّالبُ لا يزالُ تشتبهُ عليه مسائلُ كثيرةٌ في هذا البابِ، إن لم يكن منه جدٌّ واجتهادٌ، ودُربةٌ على هذا البابِ.
إن لم يكن منه جدٌّ واجتهادٌ: يعني في العلم وتعلمه، وما حفظه.
ثم أن يكون له دُربةٌ ومعاملةٌ ومجاهدةٌ في هذا: يعني عملٌ دؤوبٌ في هذا الباب؛ فإنَّه يُوفَّق لأبوابِ هذا العلم وميادينه.
وأيضًا هذا العلم مهما كان مبثوثًا -على ما سيأتي بعد قليل- في كتب الفقه والعلم، وهو مِن ضمنِ الفقه في مسائل الدِّين الذي درستموه، إلا أن ثمَّة مسائلَ لا ينفكُّ الدَّاعي إلى الله -جلَّ وعلا- مِن معالجتها، والتَّلبس بها، وهو لن تغنِ عنه دقَّة فهمِه، إن لم يكن لنفسِه ذكاءً وخشيةً وخوفًا من الله -جلَّ وعلا- لأنَّ هذا العلم دينٌ، ودين الله -جلَّ وعلا- لا يُعطى إلا أهل الخوف والخشية، ولذلك قال الله -جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
فالعلم يُفضي إلى الخشية، والخشية إنَّما يؤتاها حقُّ الإتيان أهلُ العلم وصفوةُ الخلقِ، ومَن اقتدوا بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبخلفائِه وأصحابِه، ومَن سار على نهجه واتَّبع سنَّتَه مِن أهلِ السُّنَّة والجماعة، ومَن سارَ على نهجهم إلى يوم الدِّين.
فهذا الباب فيه شيءٌ مِن الصُّعوبةِ، فيه مِن الدِّقة، يحتاجُ إلى دُربةٍ، يحتاجُ إلى مراجعةٍ، يحتاجُ إلى تجديدٍ لهذه المسائل، ومراجعتها، بحسبِ وقائِعها، ذلك أنَّ الإنسان يأخذ المسألةَ مِن حيثُ هي مسألة -ضوابط وقيود وشروط- أمَّا في الواقع، فقد تقع قيودها ليست كاملة، وقد يدفعها ما يعارضها، وقد يأتي ما يمنع انطباق الحكم عليها، فإذن، لابد للإنسانِ من حاجة إلى مراجعة في ما إذا تخلَّف شرطٌ، أو اختلَّ قيدٌ، أو جاء ما يدفع ممَّا هو أهم أو أتم أو غير ذلك، وهذه مِن فضلِ الله على العبادِ، أنَّه يفتح لهم الفُهوم، ويُيسِّر لهم الهمومَ، وتأتي المسألةُ الكبيرةُ، فيجعلها الله -جلَّ وعلا- يسيرةً سهلةً، وتأتي المسألةُ العظيمةُ، فيفتحها على عبدٍ من عبادِه، حتى يُوفَّقُ فيها للحقِّ والهدى، والخيرِ والصَّواب.
ولعلَّكم تذكرون في هذا ما جاء عن ابن تيمية -رحمه الله تعالى، حينما كان يقول: "إنه لتُشكِلُ عليَّ المسألةُ، وتنغلقُ عليَّ المسألةُ، فلا أزال أُعفِّرُ وجهيَ بالتُّرابِ -يعني يسجد لله، ويخبت بين يديه، ويستغفر الله جلَّ وعلا- حتى تنفتح لي" ، ولمَّا كان في صباحه يجلس ويذكر الله -جلَّ وعلا- كان يقول: "هذه غدوتي، لو لم أتغدَّ بها لم أستطع أن أعمل بقية يومي" ، فهذا العلم أيضًا يُفتَح للعبدِ متى مَا أقبلَ على الله -جلَّ وعلا.
على كل حالٍ، هذه مسائلٌ سيأتي بإذن الله -جلَّ وعلا- الحديثُ عنها، وتفصيلُ الكلامِ عليها بإذن الله -جلَّ وعلا- في مواطنها.
إذا أردنا أن نَدلِف إلى ما نحن فيه، وهو فقه الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا:
تعريف الفقه من حيثُ أنه فقه فقد مرَّ بكم، فالفقه هو: الفهم.
وبعضهم يقول: الفقه لا يكون فقهًا حتى يكون فهمًا للمسائلِ الدَّقيقة، فالأشياء العامَّة لا.
ولذا لا يُقال: فقهتُ أنَّ السَّماء فوقنا، أو أنَّ هذا الكتاب فيه أوراق؛ فالكل يعرف أنَّ الكتابَ مشتملٌ على الأوراقِ، ولكن يكونُ في ما هو أدقُّ وأخصُّ، و"فَقُهَ" صفة مشبَّهةٌ وغالبةٌ ولازمةٌ للعبدِ، يعني إذا لازمه الفقه وكان مَلَكَةً له، "فَقَهَ" إذا غالب في الفقه، و"فَقِهَ" مَن تَعَلَّمَ وتَفَقَّه.
وحقيقةُ الفقهِ: هو العلم بالأحكام الشَّرعية الفرعيَّة أو العمليَّة، المكتسبة مِن أدلَّتِها التَّفصيليَّة.
ولبعضِ أهلِ العلم تعريفٌ لطيفٌ فيه شيء مِن الانغلاقِ، لكن إذا فهمتَه تعرفُ لطافتةَ، يقولون: هو معرفةُ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ بأدلَّتِها التَّفصيليَّةِ بالفعلِ أو بالقوَّةِ القريبة.
أيشٍ يعني بالفعلِ أو بالقوَّةِ القريبةِ؟
يعني أنَّ الفقيه إمَّا أن يكون مُستحضرٌ للدَّليل، وهذا يكون في مسائل كثيرة، كـ سُنِّية الأذان، أو القصرِ في السَّفر أو نحو ذلك، فيقول الدَّليل عليها: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُو﴾ [النساء: 101]، وقل مثل ذلك في مسائل كثيرة.
لكن في بعض الأحيان تقول له: ما صفات صلاة الخوف؟ يقول: ست.
تقول: ما هي؟ يقول: أذكر حديث سهل بن خواد.
تقول أين الباقي؟ يقول: لا أتذكر الآن، لكن ائتني بالكتاب الفلاني، فيأتي بالكتاب الفلاني، فيفتحه فيقف عليها.
فهو عنده من القوَّة والمَكَنة والقدرة على الوصول إلى المسألة ودليلها، أمَّا العامِّي لو أتيت له بكل الكتب، وفتحتَ له الكتب، وأردتَّ أن يستخرج من ذلك دليل، يستطيع أو لا يستطيع؟ لا يستطيع.
إذن الفرق بين الفقهِ بالفعلِ والفقهِ بالقوَّة القريبة:
الفقه بالفعل: أن يكون مُستحضرًا للدليلِ بالفعلِ في الحقيقةِ، يعني حاضرَ الذِّهنِ.
والفقه بالقوَّة القريبة: أن لا يكون حاضرَ الذِّهن، كما يكون في بعض المسائل الخفيَّة ونحوها، ولكنَّه قادر على الوصول إليها، لوجود الآلة والقوَّة المُمكِّنة له مِن الوصولِ إلى ذلك بيسرٍ وسهولةٍ.
هذا من جهة الفقه.
طيب ما معنى الدَّعوة إلى الله؟
الدَّعوة أصلها من دعا يدعو دعوة، وحقيقة "دعا": تأتي بمعنى نادى، دعا فلانًا إذا ناداه، أو طلبه، أو تكون بمعنى الالتماس في بعض الأحوال، وفي بعضها رجاءٌ، وتكون من الدَّعوى القضائيَّة؛ لأنَّ المتداعيان كلٌّ يطلب حقَّه، فكلُّها مشتملةٌ على طلبٍ، هذا في الجملة.
لو أردنا تعريف الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا:
الحقيقة أنَّها أظهر مِن أن تُعرَّف، فكلٌّ يعرفُ حقيقتها، لكن لا ينفكُّ الطَّالبُ أيضًا عن ضبط بعض التَّعاريف؛ ليكونَ أدق في فهم المراد منها.
الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- لها مساران:
- إمَّا إلى الأصل، فتكون الدَّعوة مرادفةٌ للإسلام، فتكون الدَّعوة إلى الله يعني الدَّعوة إلى الإسلام.
- أو الدَّعوة إلى تفاصيل الأحكام، وموضوعنا في الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- يشملُ الأمرين جميعًا.
نُقل عن بعض المتقدِّمين والمتأخِّرين تعاريفٌ متقاربةٌ، أو متنوعةٌ في ألفاظِها، متقاربةٌ في معناها، فمِن أشهر ذلك ما نُقل عن ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنَّ الدَّعوة إلى الله: "هي الدَّعوة إلى الإيمانِ باللهِ وبِرسُلِهِ، ومَا أُمِرُوا به مِن الأوامرِ ونُهوا عنه مِن النَّواهِي".
يقول شيخ الإسلام: "فمقتضى ذلك أن تكونَ الدَّعوة إلى الشَّهادتين، وإلى الصَّلاةِ، وإلى الزَّكاةِ، وإلى الصِّيامِ، وإلى الحَجِّ، وإلى سَائرِ الأوامرِ، واجتنابِ جَميعِ النَّواهِي التي جاءِ الشَّرع باجتنابِها، والبُعدِ عنها".
هناك تعاريف أخرى متقاربة، لن نطيل فيها أيضًا، بعضهم يقول: "إنَّها دعوةُ الخلق إلى الحقِّ؛ ليستمسكوا بدينِهم، ويتعبَّدوا ربَّهم على أصلٍ صحيحٍ متَّبعين لا مبتدِعين".
هذا التعريف فيه معانٍ لطيفة:
دعوة الخلق: يعني أنها شاملة للخلق من الإنس والجن.
إلى الحق: الذي هو الله -جلَّ وعلا- موحدين له، ومستمسكين بكتاب الله -جلَّ وعلا- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأيضًا فيه الدَّعوة إلى شهادة أن محمدًا رسول الله في الاتباع والاقتداء، لا في الابتداع والضلال.
فالدعوة إلى الله لها تعاريفٌ كثيرة -كما قلت لكم- وسأشير إلى بعضِ ما يحسُن بنا أن نستجمعه مِن معاني الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- ثم نصوغُ تعريفًا مقاربًا لما يذكره أهل العلم.
ما هي أركان الدعوة إلى الله؟
الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- لها أركانٌ: الدَّاعي إلى الله، المدعو، ما يُدعَى إليه، والوسيلة. هذا تقريبًا أهمٌّ ما ينبغي أن تكون الدَّعوة مشتملة عليه.
طبعًا إذا جئنا إلى كلام الأصوليين، فلابد أن يكون التَّعريف جامعًا مانعًا، وهذا لا يكاد يأتي على التَّعاريف السَّابقة، وخاصَّة أنها تعاريف تقريبيَّة وتوضيحيَّة، فنقول: "هو دعوةُ العالمِ -أو إن شئت أن تقول العالم أو المتعلم- إلى توحيدِ الله -جلَّ وعلا- وأحكامِ الكتابِ والسُّنَّةِ، لمَن كان جاهلًا ونحوه، بالوسائلِ الصَّحيحةِ المشروعة".
وأوَّل ما يجبُ أن يكون من العالم هو تحقيق العلم بالإيمان والتَّوحيد، ودعوةٌ إلى توحيد الله؛ لأنَّها أهم ما يُدعى إليه.
طبعًا هذا تعريفٌ إنشائيٌّ، فالمقصود أنَّه يجمعُ هذه المعاني، وإلا فالتَّعاريف المتقدِّمة فيها كفايةٌ وغُنية، وأيضًا فيه إشارةٌ إلى أنَّ الدَّعوة إنَّما تكون بالكتابِ والسُّنَّةِ، وأيضًا مشتملة على أصل الإسلام وعلى تفريعاته وما فيه من مسائل، والمدعو سواء كان جاهلًا أو غافلًا أو معاندًا؛ فالمعرض والغافل والمعاند في معنى الجاهل؛ لأنَّه إنما غفل لجهله، حتى ولو عرف بعضَ المسائل، لكن حقيقةَ جهلِه تمنعه أن يعرفها على وجهٍ تُحرِّك قلبَه، وتدعو نفسه إلى الخير والهدى. فهذا لابد أن يكون فيه جهل.
وقوله: بالوسائلِ الصَّحيحةِ المشروعة: إشارةٌ إلى أنَّ ما يُستحدَث مِن بعضِ الوسائلِ والتَّكلُّفاتِ التي قد تُوجد في أواخرِ الأزمان، كما وُجدت في أزماننا هذه، هي ليست على وجهٍ صحيحٍ، وربما كان فيها خللٌ كثير، أو كان خللها أكثر مِن صوابها، فلابدَّ أن تكون الدَّعوة أيضًا بوسيلة صحيحةٍ مشروعةٍ، دلَّ الدَّليل على مشروعيَّتها، أو الإذن فيها.
هذا تعريف الفقه، وتعريف الدَّعوة إلى الله.
فما تعريف فقه الدَّعوة إلى الله؟
ما فيه تعريف لها باعتبارها جملة مركبة، لكن نقول: فقه الدَّعوة لا ينفكُّ عن أن يكونَ موجود في تفاصيلِ مسائلِ الفقه، وما يعرض له الفقهاء، لكن إذا تكلَّمنا عليه بهذا المعنى، أو بهذا اللَّقب بخصوصه، فإنَّه أدعى إلى أن يُستحضر فيه كمالُ الفقه بالمسائل، وبدقائقها، مع العلم بالسِّياساتِ الشَّرعيَّة، والقدرةُ على تنزيلِ الأحكام على الوقائع، ومعرفةُ ما يضادُّ ذلك وما يمانعه؛ لأنَّه في بعض الأحوال يأتي في الواقعة الواحدة أمران متدافعان، أو أمران متقابلان، ولا يستطيع أن يحكمَ أيُّ واحدٍ في أيِّهما أولى بالحكمِ، أو أحسن بالنَّظرِ، إلا مَن كان فقيهًا عالمًا عارفًا متبصِّرًا، له دُربة في ذلك.
فهو حقيقة فيه فقه في السِّياساتِ الشَّرعيَّة في بعضِ الأحوالِ، قد تكون بعض الأمور فيها خلل؛ لكن ليس من الحكمة البدء بها؛ لئلا يُفضي ذلك إلى حصول ما هو أشد من ذلك، أو منعِ خيرٍ أتم.
على سبيل المثال وهي مشهورة كثيرًا، ويذكرها أهل العلم، وذكرها ابن القيم، وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- لما ذكروا ما فعل التَّتار، لما هجموا على المسلمين، وما كان من ضعف ووهن المسلمين، وتسلطهم، واستباحة الدماء ونحو ذلك، فكان يُمَرُّ على بعضهم وهم سكارى، فكان شيخ الإسلام يقول: اتركوهم، لماذا؟
لأنَّ ما هم فيه من سُكْرٍ -وإن كان أمرًا عظيمًا، وبليةً كبرى، إلا أنَّهم لو أفاقوا من سُكْرِهم، وعقلوا من غفلتهم، لربما أعملوا السَّيف، وأجروا الدِّماء، واستباحوا حرمات المسلمين.
فهذا هو علمٌ بفقه السِّياسة الشَّرعيّة، والتَّوازنات، وإنزالِ الأمورِ على وجهٍ دقيقٍ في منازلها، دونما معارضة أو ممانعة، أو مخالفة لما جاء به الكتاب والسُّنَّة.
هذا إذن ما يتعلق بأصل معنى فقه الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا.
نأتي إلى مسائل الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا:
مَا هو أوَّل شيء يجب تعلمه في فقه الدَّعوة إلى الله –جلَّ وعلا؟
{أحسن الله إليك، المعرفة بالمهم}.
لا، هذا شيء مما يُدعى إليه، لكن قبل ذلك ما هو؟
{معرفة الفضل}.
لا، ما الذي قبل الفضل؟
{الصبر}.
لا!
أوَّل شيء يجب تعلمه في فقه الدَّعوة إلى الله هو معرفة حكم الدَّعوة إلى الله، هل هي واجبة؟ هل هي مستحبة؟
{فرض كفاية}.
الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- من حيث الأصل هي بلا شكٍ واجب، وهي أوَّلُ الواجباتِ وأهمُّها، وهي وظيفةُ الأنبياءِ والرُّسلِ، ومن جهة المكلَّفين فهي فرضُ كفايةٍ.
ذكر أهل العلم أنها فرض كفاية تجب على مَن قدرَ عليها، وسيأتي متى يكون الإنسان قادرًا، ومتى لا يكون قادرًا، ومتى يكون أهلًا، ومتى لا يكون أهلًا، فإذا كان قادرًا عليها، تعلَّق به وجوبُها إلا أن يقوم بها غيرُه، تعلَّق حكمها به إلا أن يقوم بها غيره.
فعلى سبيل المثال: إذا كان في بلادنا في الرِّياض، يقومُ بها الأشياخُ، وخطباءُ الجمعةِ، وأئمةُ المساجدِ، وبعضُ مَن تفرَّغ للدَّعوةِ إلى -جلَّ وعلا- وحصَلَ بذلك منعُ الشَّرِّ في النَّاسِ، ودعوتُهم إلى الخيرِ، وتنبيهُهم على ما يجدُّ مِن أخطاءٍ وخللٍ؛ حصل فرضُ الكفايةِ، وتحقَّقَ الوجوبُ الكفائيُّ، الذي يجب على النَّاس، ويكون حكم الدَّعوة فيمَن سواهم ممَّن يقدرون على الدَّعوة: سنَّة مؤكدة.
ولكن إذا وُجِدت بعض الجهات في الرِّياض لا تُنبَّه الناس على ما يجب تنبيههم عليه، ففي هذه الحال يلحق الإثمُ بمَن تخلَّف عن الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- لأنَّه قصَّر ولم يقم بها غيره، وهي فرضُ كفايةٍ، وهو مِن أهلِ الكفايةِ الذين تعلَّق بهم وجوبها، ولذلك الله -جلَّ وعلا- يقول في كتابه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ ليَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122]، فعُلم من هذه الآية أنها فرضُ كفايةٍ، لكن ما نقول: إذا قام بها البعض؛ بل إذا قام بها من يكفي، وهذا مثال.
على سبيل المثال: الأخ سعيد في بلدك في بريطانيا، مَن يقوم بها قليل، فإذن تعيُّنها ولحوق فرضُ الكفايةِ بك أقرب، وكلَّما حصَّلت من العلم لحقَ بِكَ مِن وجوب التَّعليم، والدَّعوة إلى ما تعلمتَ، وبذلِ ما عرفتَ أخصُّ وآكدُ في حقِّكَ، فهذا أمرٌ مهمٌّ.
ونحن في وقت كثُرت فيه الجهالات، وتتابع النَّاسُ على فعلِ الشَّهواتِ والغفلةِ، والإعراضِ عن الخيرِ، حتى مع وجودِ داعي الخير، لكن لم يزل الجهلُ كثيرًا، والتَّتابعُ على الضَّلالاتِ ظاهرًا، فلأجلِ ذلك كان لِزَامًا على طلبةِ العلمِ، وأهلِ الفضلِ ممَّن جعلَ الله -جلَّ وعلا- لهم نورًا في بصائرهم وفي قلوبهم، وتعلَّموا العلمَ، وحفظوا القرآن، واهتدوا بسنَّةِ خيرِ الأنامِ -عليه الصَّلاة والسَّلام؛ تعلَّق بهم مِن لزومِ استفراغِ الوُسعِ، وبَذلِ الجهدِ أكثر، حتى يرجعَ النَّاسُ، وحتى يتعلَّموا، وحتى يتفقَّهوا، وهذا مِن الأمورِ التي ينبغي أن نتواصى عليها في وقتٍ عمَّت فيه الجهالات.
فأنتم يا مَن دخلتم في هذا البناء، وبُني لكم صرحُه، وأيضًا بنيتُم أنتم مسائلَه في نفوسِكم، واستحضرتم دقائقَه، وجمعَ اللهُ -جلَّ وعلا- لكم مِن فنونِ العلمِ التي درستموها في هذه المجالس، وفي نحوها في مساجدِكم، وأيضًا ما أضفتموه إلى ذلك مِن قراءة الكُتب وغيرها، ما يُحتِّم عليكم أن تُؤدُّوا الأمانةَ التي ائتمنكم الله عليها، مِن تبصيرِ النَّاسِ وهدايتِهم.
لمَّا يتحقَّق بنا هذا المعنى، يجب أن نتبيَّن إلى أنَّ الدَّعوة يُمكِن أن تكونَ مُحرَّمة، متى تكونُ الدَّعوة مُحَرَّمَةً وممنوعةً وليست بجائزة؟
{أحسن الله إليك، إذا كانت المفاسد إلى الدَّعوة أكبر من المصالح}.
أول شيء نتكلم في ذاتها.
{إذا كان الإنسانُ جاهلًا}.
أحسنتَ. إذا كان الإنسان جاهلًا، فلا ينبغي له أن يقول: أُعلِّمُ النَّاس حتى ولو كنتُ جاهلًا.
تعلمهم ماذا؟! وهذا سيأتي -إن شاء الله- في شروطِ الدَّعوة، وأولها: العلم، وسنتحدث عنه كثيرًا، لكن سأقول لكم كلمةً أعجبتني ووقعت في قلبي موقعًا كبيرًا: سُئل بعض مشايخنا يومًا ما، قيل له: الرَّجلُ يدعو إلى الله -جلَّ وعلا- وهو جاهل، هل يجوز له ذلك؟
قال: "نعم، حتى يَضل ويُضل النَّاس"، يعني أنَّه لا يجوز؛ لأنَّ مَن دعا النَّاسَ، فإمَا أن يدعوهم إلى علمٍ، وهو غيرُ محصِّل للعلم، وإمَّا أن يدعوهم إلى جهلٍ وضلالةٍ، والدَّعوةُ إلى الجهالة دعوةٌ إلى النَّارِ، ودعوةٌ إلى الشَّيطان، فتكون في مثل هذه الحال مُحرَّمة.
فنحن نتحدَّث عن هذا الحكم بخصوصِه؛ لأهميَّة الحديثِ عنه؛ لأننَّا بين حالين:
- أناس فقهوا وتعلموا وتقاصروا عن الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا، وهداية الناس، فهم في ذلك آثمون؛ لحاجةِ النَّاس إليهم، ولتقصيرهم فيما مَنَّ الله عليهم من العلم والهدى والبصيرة.
- وفي جانب آخر، مَن وُجدت عنده عزيمةٌ وعاطفةٌ جيَّاشةٌ وحرصٌ؛ لكن على غيرِ هدًى، فيدعو فيَضل ويُضل النَّاس، ويأتي بشيءٍ على وجههِ، وشيءٍ على غيرِ وجههِ، ويأخذُ بعضَ العلم، فيُنزلَه في غيرِ منزلتِه، فلا يزال في تَخَبُّطٍ وجهالاتٍ، وضلالاتٍ عظيمةٍ، فلا تسأل عمَّا يُحدِثُ مِن أثرٍ!
ولذلك تذكرون، وهذا مرَّ بكم في أوَّل ما درستموه مِن كتاب الطَّهارة، لمَّا كانوا في الغزوة، فحصل لأحدهم احتلامٌ، وكان فيه شَجَّة -يعني جرح في رأسه- فسألَ فقالوا: لا نجد لك رخصة، وأنت تستطيع أن تستعمل الماء، فاغتسل فمات، فلما جيء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأُخبر بذلك، ماذا قال؟ «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُو» ما قال: هلَّا دعوا إذ لم يعلموا، «فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» .
وسيأتي الحديث ما يحتجُّ به البعضُ من قولِ النَّبي صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» هذه حجَّة عليهم ليست لهم، وسيأتي الحديثُ عنها بإذن الله -جلَّ وعلا- لأنَّ معنى الحديث: بلغوا عني الآية التي حفظتموها؛ وليس معنى ذلك أنَّ مَن حفظ آية يُبلِّغ بكلِّ كتابِ الله، أو بجميعِ التَّفاصيلِ والأحكامِ، وسيأتي الحديث عليها، وسنعيد الحديث في ما يتعلق بذلك.
إذن، هذه إشارةٌ مختصرةٌ إلى ما يتعلَّق بحكمِ الدَّعوةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا.
ننتقل إلى عنصرٍ آخرٍ، ربما أشار إليه عبد الكريم لما قال:
فضل الدَّعوة، أو مكانة الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- أو أهمية الدَّعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- كل هذه كلمات تصحُّ أن تكونَ عنوانًا أو عنصرًا لهذا المبحث.
لاشك أنَّ البحث في الأهميَّةِ هو علمٌ بمنزلةِ هذه الدَّعوة؛ لأنَّ مَن لم يعلمُ أهميَّتها لن يتفانى فيها، مَن لم يعرفْ قدرها فإنَّه لن يجتهد في أدائِها، ومَن لم يعرِف بفضلها، فإنَّه لن تُحَثَّ نفسه على أن يُفرِغ لذلك وقتَه وجهدَه، وأن يُمضي لذلك حياته، ففضل الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- من الأهمية بمكان، وهذا أن قد نبَّهت عليه لما كنَّا ندرس بعض مسائل العلم في الفقه، وقلت لكم: إنَّ طالبَ العلم بحاجة ماسَّة، إذا كان مثلًا يدرس كتاب الصيام، أو كتاب الحج، أو كتاب الفرائض، أن يعرف ما في هذا الباب مِن أحاديث التَّرغيبِ والفضائلِ، وما فيه مِن التَّرهيبِ والتَّحذيرِ؛ لأنَّ النَّاسَ إنَّما يقتدون ويهتدون ويعانون ويتحرَّكون إذا عرفوا الفضلَ والمنزلة، والدَّرجة الرَّفيعة لذلك الأمر، فإذا عرفوا ذلك استعانوا عليه، وأيضًا إذا كان أمرًا مُحَرَّمًا فعرفوا ما فيه مِن الوعيد، وما فيه من النهي، فإنَّهم ينزجرون عنه، فانزجارُهم عَن الزِّنا لِمَا جاء فيه مِن الأدلَّة العظيمةِ أشدُّ مِن انزجارِهم عن السِّباب أو الشِّتام؛ لأنَّ الأحاديث والوعيد في هذا أشد من هذا، وقل مثل ذلك في أنواع ٍكثيرةٍ ممَّا جاء بها الشَّرعُ في النَّهيِ عنها والتَّحذيرِ منها.
إذن، معرفةُ الفضائلِ والتَّرغيبِ في ذلك، ومعرفةُ عِظمِ النَّهيِ، والتَّحذيرِ منه، هو سببٌ مِن أكبرِ الأسبابِ التي تدعو إلى الاقتداءِ والاهتداءِ، ولذلك صنَّفَ بعضُ أهلِ العلمِ في ذلك مصنَّفًا، ومِن أشهرها:
مصنف الإمام المنذري -رحمه الله تعالى- وهو نافعٌ لأئمةِ المساجدِ، ومَن تصدَّى لتدريسِ النَّاس ودعوتِهم؛ أن يحفظ ما في ذلك مِن الأحاديثِ التي فيها التَّرغيب والتَّرهيب، والله -جلَّ وعلا- يقول عن نبيه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرً﴾ [الأحزاب: 45]، بشارةٌ ونذارةٌ، بشارةٌ بالخيرِ، ونذارةٌ وتحذيرٌ من الشَّرِّ.
ولعلَّنا نسردُ بعضَ ما جاءَ في فضلِ الدَّعوة إلى اللهِ -جلَّ وعلا- لكن هذا المبحث عليَّ أو عليكم؟ أنا تحدَّثتُ كثيرًا، أعطونا شيئًا ممَّا أعطاكم الله. نبدأ بسعيد.
{ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجَلًا وَاحِدًا، خيرٌ لَكَ مِنْ أنْ يَكُونَ لَكَ حمرُ النَّعَمِ» }.
نعم، جاء في حديث علي بن أبي طالب، وهو حديث عظيم: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجَلًا وَاحِدًا، خيرٌ لَكَ مِنْ أنْ يَكُونَ لَكَ حمرُ النَّعَمِ». نعم يا صهيب.
{الآية التي تقول: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]}.
أحسنتَ. عندك شيء يا عبد الكريم؟
{حديث الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئً» }.
أحسنتَ. حديث أبي هريرة، وحديث عبد الله بن مسعود: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» .
إذن، لو جئنا إلى ذكرِ أو توضيحِ بعضِ ما جاءَ في فضلِ الدَّعوةِ إلى الله -جلَّ وعلا-، لرأينا أنَّ ذلك يجتمعُ في كتابٍ، أو في مؤلَّفٍ، سواء على سبيلِ الإجماع، أو على التَّفصيل، ستجد أكثر من ذلك.
أولُ مهمَّة للرسل والأنبياء هي الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- فحسبك أنها وظيفة الرُّسلِ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].
تعالَ إلى ما جاء في ذكر الله -جلَّ وعلا- لهذه المعاني وإعادتها: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [الأعراف: 65]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [الأعراف: 73]، وجاء في لوط، وفي نوح، وفي نحو من ذلك، وفي قوم شعيب، ورددت في سور كثيرة، في سورة الأعراف، في سورة هود، في سورة الشعراء، ذُكرت مثل ذلك في آيات وفي أحوال كثيرة، هذا يدلُّ على أنَّ أعظمَ وأبلغَ ما يكونُ لأنبياءِ الله -جلَّ وعلا- ورسله مِن الوظيفة والمهمَّة: هو التَّبليغُ والبيانُ، والدَّعوةُ إلى الله -جلَّ وعلا، بل لو نظرتَ إلى تسميةِ الرَّسول "رسولًا" فالرسُولُ هو المُرسَل، والمُرسلُ مُرسلٌ برسالةٍ، وهذه الرِّسالة هي دعوةُ النَّاسِ وهدايتهم إلى الله -جلَّ وعلا- وعبادته، وكذلك وظيفة النَّبي على ما تقدَّم وذكرناه لكم في التَّوحيد في معنى النبي من الرِّفعة أو من النبأ الذي هو الإخبار، ومرَّ تفصيل ذلك.
أظن أنَّ الوقت قد أزف، وعلى كلِّ حالٍ، فانقطاع الحديثِ في أثنائه هذا مشوِّق إلى أن نستعدَّ للِّقاءِ القادم بإذن الله -جلَّ وعلا، وهو أيضًا معينٌ على استذكار ما مر في هذا اللقاء، فيكون أكثر ترابطًا وزيادةً في ذلك.
لا يسعني في هذا إِلَّا أن أسأل الله -جلَّ وعلا- أن يجعلنا وإياكم من عباده الدَّاعين إلى سبيلِه، المهتدين بسنَّةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم، الموفَّقين للخيرِ والهدى، والبرِّ والتَّقوى، وجزى الله -جلَّ وعلا- القائمين على هذا البناء وهذا الصَّرح العلميِّ المكين كلَّ خيرٍ وهدىً، وأعلَى الله -جلَّ وعلا- لهم بذلك المنزلَة، ورفع لهم الدَّرجة، وبارك فيمن شارك في كل ما يُوصِّل هذا العلم من الإخوة المخرجين والمهندسين والمصورين، والإخوة المشاركين لنا في الحضور، وأسأل الله -جلَّ وعلا- ألا يضيع أجرنا، وأن يجعلنا مِن عباده المحسنين، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على النَّبيِّ الأمينِ، وعلى آله وصحبِه أجمعين.

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك