الدرس السابع

فضيلة الشيخ د. عبدالحكيم بن محمد العجلان

إحصائية السلسلة

6052 12
الدرس السابع

فقه الدعوة إلى الله

السَّلام عليكم ورحمَة الله وبركاتُه.
الحمدُ لله أفضلَ مَا ينبغي أن يُحمَدَ، وصلَّى اللهُ وسلَّم على أفضلِ المُصطَفَينِ محمدٍ، وعلى آله وأصحابِه ومَن تعبَّد، أمَّا بعدُ:
فأسألُ الله -جلَّ وعَلا- أن يجعلَنا وإيَّاكم مِن عبادِه الدَّاعينَ إلى سبيلِه، المُستَمسكينَ بِسنَّةِ نبيِّه -صلى الله عليه وسلم- المُتَشَبثينَ بالحقِّ، المُهتَدِينَ بِه، الذين عليه يحيونَ وعليه يموتونَ، وبِه يَلقون الله -جلَّ وعَلا- إنَّ ربَّنا جوادٌ كريمٌ.
أيُّها الإخوةُ المشاهدونَ والمشاهدات، والحاضرونَ، طلبةَ العلمِ، تأتي هذه الحِلَقُ تِباعًا ومتتالِيَةً، وأرجو أن يوفِّقنا الله -جلَّ وعَلا- لِما يكونُ فيه تمامُها وكمَالُها.
وبينَ يدي الحديثِ في هذا الموضوع؛ الحقيقة أنَّه وردَ إلينا بعضُ المشاركاتِ مِن الإخوة والأخوات، وأجملُ ما فيها ذكرُ بعضِ الملحوظاتِ، فبابُ التَّناصحِ والتَّعاونِ هو مِن أعظمِ ما يكونُ فيه الخيرُ والهدى، والنَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- كما في حديثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" .
ولذلك لا تَرقى مجالسُ العلمِ، ولا محافلُ الدَّعوَةِ إلى الله، ولا المجتمعاتُ، ولا الأخوَّةُ والصُّحبةُ والقراباتُ؛ إلا بالتَّعاونِ على البرِّ، والتَّعاونِ على الخيرِ، والتَّواصي فيه والتَّناصح، ولذلك قال الله -جلَّ وعَلا: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3].
كنَّا في المجلسِ الماضي تعرضنا لمسائلَ مُهمَّة في فقهِ الدَّعوَةِ إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- وهي النَّظر في أحوالِ المدعوين، وذكرنا جُملةً مِن هذه الأحوالِ، وهي كانت على سبيلِ المثالِ لا على سبيلِ الحصرِ؛ لأنَّ ذلك لا يُمكن حصرُه ولا الإتيانِ عليه، ولكن كانَ هذا أَهَمَّ مَا في ذلك، سواء كانَ ذلك فيما يتعلَّق بالقرابَة، أو فيما يتعلَّق بمَن لهم حالٌ مختصَّة إمَّا بشبهةٍ أو بعلمٍ، أو بحالٍ من تِلكُم الأحوال، فأشرنا إلى شيء من ذلك، وأوردنا بعضَ ما يسَّر الله -جلَّ وعَلا- مِن الأمثلةِ النَّبويَّة، ومِن دلائل السُّنَّة عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم.
في الحقيقة ثَمَّ مسألةٌ مهمَّةٌ، وهي أنَّ الدَّعوَةَ إلى الله هي دعوةٌ إلى كتابِ الله -جلَّ وعَلا- ودعوةٌ إلى سنَّةِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فكان ذلك دعوة إلى جميعِ مَا جَاءَ بِه الكتابُ والسُّنَّة وثَبَتَ عن علماءِ الأمَّة بما استنبطوه مِن دلائلِ النُّصوصِ، واحتجاجٍ بما في النُّصوص والآثار عن نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم- فكلُّ ذلك مُتعلِّقٌ بالدَّعوَة إلى الله -سبحانه وتعالى- فكل داعيةٍ إلى الله إذا دعا إلى مسألة يسيرة أو كبيرة فهو داعٍ إلى الله، ولذلك قال النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» ، أيًّا كان، إن كان يتعلَّق بأمر الصَّلاة، أو كان يتعلَّق ببعضِ الآدابِ، أو يأتي على بعضِ المنهيَّات، فالكلُّ في ذلك محلٌّ للدَّعوة إلى الله -جلَّ وعَلا.
لكن لمَّا كانت الدَّعوَةُ إلى الله -سبحانه وتعالى- دعوةٌ إلى الكتابِ والسُّنَّة وإلى دينِ الإسلامِ بجملتِه وتفاصيلِه؛ فإنَّه لا يتأتَّى للإنسانِ في حالٍ أو أحوالِ أو في مجموعةِ أوقاتٍ طويلةٍ أن يأتي على ذلك مِن أوَّله إلى آخرِه؛ فكيفَ لطالبِ العلمِ أو للدَّاعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- أن يُرتِّبَ نفسه أو أن يكونَ مِنهَاجُه في الدَّعوَةِ إلى الله -سبحانه وتعالى!
فإنَّ هذا مِن أعظم ما يُحتاج إليه حتى يَأتي الإنسانُ بالأولى فالأولى وبالأهمِّ فالمُهمِّ، وحتى يكون -بإذنِ اللهِ جلَّ وعَلا- سَالمًا مِن بعضِ المناهجِ الدَّعويَّة التي ربَّما تكون مَأخَذُهَا انتقاء، أو مسالك مخصوصة، أو أشياء محدَّدة عليها يدورون وبها يدعون، ولا يتجاوزون ذلك.
فهذا الأمر إذا أردنا أن نتكلَّمَ عليه فيما ينبغي للدَّاعِيَة في الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا- في البداءة به؛ فهذا أيضًا مَأخوذٌ ممَّا جاءت به دِلالات النُّصوص مِن كتابِ الله، وسنَّة نبيِّه -صلى الله عليه وسلم.
مِن أشهر ما يُقال في هذا ما جاء في حديث ابن عباس في بَعثِ معاذٍ إلى اليمن، فإنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال له: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» ، إلى آخر ما جاء في الحديث.
وحديث ضمامة بن ثعلبة ، وحديثُ جبريل لما جاء إلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لمَّا قال: مَا الْإِسْلَامُ؟ قال: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ» ، طبعًا ليس هذا الإسلام كله، لكن لمَّا كانت هذه مَبَانِيهِ وشعائره، وما يقوم عليه هذا الدِّين وهذه الملَّة؛ أشار إليها النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وكانت أركانه التي يُعبِّر عنها أهلُ الإسلام بــ "أركان الإسلام". فهذا هو أوَّلُ وأولى وأوجبُ وأسبقُ ما تكونُ الدَّعوَة إليه للدَّاعِيَة إلى الله -سبحانه وتعالى.
ومِثلُ ذلك جاءت أحاديث دالَّةٌ على هذا المعنى لمَّا جاء في حديث شُعَبِ الإيمان «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ، بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» ، لمَّا جعلَ شعبَ الإيمان متنوِّعة دلَّ على أنَّها داخلةٌ في الدَّعوَةِ إلى الله -جلَّ وعَلا- في جملتها. ولما قال: «أَفْضَلُهَ» دلَّ على أنَّ الأفضلَ هو أولى بالدَّعوَةِ والدِّعايةِ والأمرِ والحثِّ، والهدايةِ إليه.
وهذا أيضًا مأخوذٌ ممَّا جاء في كتاب الله -جلَّ وعَلا- تكاثرت بذلك النُّصوص، وتتابعت في ذلك الدَّلائل، كما في قول الله -جلَّ وعَلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، إذن هي دعوة الأنبياء جميعًا، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [الأعراف: 65]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [الأعراف: 73]، وجاء ذلك في قصَّة شعيب، وفي قصَّة لوط، وفي كلِّ مَن بعثَه الله -جلَّ وعَلا- فأوَّل دعوته أن يدعو إلى الله، وإلى توحيد الله، وإلى تحقيق العبوديَّة لله -سبحانه وتعالى- أليس كذلك؟! لا يُختَلف في ذلك البتَّة، أقلُّ النَّاس علمًا كأكثرِهم علمًا في أنَّ هذه المسألة مُتحرِّرَة ظاهرةٌ بيِّنَة.
ولمَّا كان تحقيق التَّوحيد هو الذي لأجله بُعثت الرُّسل، وأُنزلت الكتب، ولأجله أُقيمت الجنَّة، وجُعلت النَّار؛ كما قال الله -جلَّ وعَلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات 56 - 57]، الله -جلَّ وعَلا- ليس بمحتاجٍ إلى أحد، ولا مُفتَقِر إلى خَلقٍ مِن خَلقِه، ولكن إنَّما أوجدَهم لحكمةٍ عظيمةٍ، ولغايةٍ حميدةٍ؛ وهي عبادة الله -جلَّ وعَلا- وتحقيق العبوديَّة له.
هذا الأمر لمَّا كان بهذه المثابة كان هذا هو حالُ نبيُّنا -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر سنة مَدار دعوته وهجَّيراه، ومبدأ كلامه ومنتهاه في ذلك كلِّه؛ هو في الدَّعوَة إلى التَّوحيد، والدَّعوَة إلى عبادة الله -سبحانه وتعالى.
لمَّا كانت الدَّعوَة المكيَّة مع ما لاقَى فيها مِن البلاء والمحنَة؛ فإنَّه لم ينفك مِن الدَّعوَة إلى تحقيق العبوديَّة لله -جلَّ وعَلا- والكفرِ بما سواه مِن المعبودات والأصنامِ والأوثانِ وغيرها ممَّا أَلِفَته العرب ودخلَ إليهم عن طريقِ عمرو بن لُحيّ الخزاعيّ، وأيضًا ما كان مِن دينِ النَّصارى واليهودِ وسواها مِن الأديان، ولذلك قال النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» ، روى ذلك مسلم في صحيحه.
إذن هذا الأمر يُبِينُ لك أنَّ ما يجب على الدّاَعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- أن يُعنَى بتحقيقِ التَّوحيد لله -سبحانه وتعالى.
ومِن أعظمِ وأسهلِ وأعونِ ما يكونُ للدَّاعِيَةِ إلى تحقيقِ التَّوحيدِ هو استصحابُ هذه الرِّسالة النَّافعةِ النَّاجعةِ العظيمةِ اليسيرةِ السَّهلةِ، التي لم يُزَد فيها كلام مِن عندِ أحدٍ مِن الخلقِ، ولم يكن فيها عبارات مُسترسِلَة، وإنَّما هو قولُ الله -جلَّ وعَلا- وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، أعني: "كتاب التَّوحيد" للإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- ففيه مِن تحقيق العبوديَّة وتحقيقِ الإلهيَّة التي هي مدار هذا الدِّينِ.
وإنَّك لتجد أنَّ كثيرًا من الناس ممَّن يُعنون بالدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا- ربَّما دخلوا في تفاصيلٍ لبعضِ المسائلِ أو في أحكامٍ مِن أحكامِ السُّننِ أو المُستحبَّاتِ، أو ركَّزوا على مسائلَ لها في الدَّين أهمِّيَة؛ لكنَّها ليست بأصلٍ يُبنى عليه الشَّرع، وليست ممَّا يخرج بها الإنسان مِن الإسلام، أو يُفارق الإيمان، ويوافق أهل الشِّرك والأوثان.
فإذا كان الأمر كذلك فلابدَّ أن يعلم الدّاَعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- أهمِّيَّة ذلك وأن يدعو إليه.
الدَّعوَة إلى التَّوحيد هي الدَّعوَة إلى "لا إله إلا الله" إلى معناها، إلى أركانِها، إلى شُرُوطِها وَمُقتَضَيَاتُها، وما يكونُ مِن نَوَاقِضَها، وما يكون فيها ممَّا قد يُؤثِّر فيها أو يَقدَحُ في كمالها.
وهذا من أعظم ما تُعمَر به القلوب، وتُعمَر به البيوت، وتُعمَر به المجالس، وتُعمَر به الحِلَق والمحاضرات.
وهنا ننبِّه على مسألة مهمَّة، وهي: أنَّنا إذا قلنا أنَّ هذا هو الأهم؛ فإنَّ ذلك لا يعني أنَّ الدّاَعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- إذا دعا إلى هذا أن يكون بمنأى عمَّا يحتاجه النَّاس مِن أمورِ الآدابِ أو بعضِ الواجباتِ أو نحوها؛ بل الدَّعوَة إلى هذا إذا ترتَّب عليها ألا يكون تحقيق لهذا المعنى إلا بذاك فهو أيضًا مأمور به أصالةً وأوَّلًا، ولهذا جاءَ في حديث البخاري لمَّا ذكرت عائشة "إنما نَزَلَ أولَّ ما نزَلَ منه سورةٌ مِن المُفَصَّلِ، فيها ذكرُ الجنةِ والنارِ، حتى إذا ثابَ الناسُ –أي: رجعت قلوبهم- إلى الإسلامِ نزَلَ الحلالُ والحرامُ"، وهذا مِن فِقهِهَا -رضي الله عنها وأرضاها- وتقول: "ولو نزَلَ أولُّ شيءٍ: لا تشربوا الخمرَ لَقالوا: لا نَدَعُ الخمرَ أبدًا، ولو نزَل: لا تَزْنُوا، لقالوا: لا نَدَعُ الزنا أبدًا" ، لكن لمَّا رقَّت القلوبُ، وظهرَ صَدَؤُها، وتمكَّنَ الإيمانُ منها، واستجابت لنداءِ ربِّها؛ تعلَّقت بها الأحكام، وجاءت إليها النُّصوص.
فإذن مع ما يكون مِن الدَّعوَةِ إلى تحقيقِ التَّوحيد يُدعَى إلى ما يكون فيه تَرقيق القلبِ، وإصلاح النَّفس، والاستجابة لندَاءِ الله، إلى غيرِ ذلك مِن الأمورِ.
وأيضًا لا يعني ذلك الاقتصارُ عليها، فإذا جاءت مناسبةٌ أو عَنَّ سَببٌ أو حاجةٌ إلى شيءٍ من هذا؛ فإنَّه أيضًا يكون داخلًا في أمورِ الإسلامِ والدَّعوَةِ إليه، والنَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ» ، وهو حديث حسن مشهور عند أهل العلم.
والمقصودُ بذلك: أنَّ هذا الشَّرعَ كما أنَّه جاءَ بتحقيقِ التَّوحيدِ؛ فإنَّه جاءَ بإصلاحِ الأخلاقِ وتكمِيلِهَا وترميمِ مَا ألفَهُ أهلُ الجاهليَّةِ مِن عاداتٍ وعوائدَ قَبَليَّة كانت فيها من النَّخوةِ ومِن الشَّهامَةِ والكرَمِ، وغيرِ ذلك.
إذن الأمر الأوَّل: هو الدَّعوَة إلى توحيدِ الله -جلَّ وعَلا.
إن قال قائلٌ: إنَّ هذا في حديثِ معاذ -هو حديث ابن عباس ولكن يُشتهرُ أنَّه حديث معاذ لأنَّ كلام النَّبيّ صلى الله عليه وسلم كان موجِّهًا فيه معاذًا إلى اليمنِ- فجاء في الحديث: «أوَّلَ مَا تَدْعُوهُم»، قد يقول قائل: هذا لأهلِ الكتابِ. فما بالُ المسلمينَ؟ المسلمون لا يحتاجون إلى ذلك، لأنَّهم قد حصلَ منهم التَّوحيد!
فنقول: هذا سؤالٌ صحيحٌ، فإذا كانَ مُوحِّدًا واحتاجَ إلى ما يكونُ به تكميل توحيده، أو التَّأكيد على تحقيقِه، أو يكون فيه استدراكٌ لبعضِ ما يكون مِن الأخطاءِ أو الأغلاطِ، أو ممَّا يُمكن حصول القدح فيه؛ فإنَّه يتوجَّه أصالةً وأوَّلًا، وهو داخلٌ سواء ٌقلنا الدَّعوَة إلى التَّوحيد أوَّلًا من جهة الأصلِ، أو مِن جهةِ الحاجة لتكميلِ ما نقصَ، أو للتَّأكيدِ على ما حصلَ، وزيادة التَّمسُك والتَّشبُّث بهذا الأمر.
وهذا أمر عظيم! فلا يعرف كثير من النَّاس حقيقة التَّوحيد، فالتوحيد ليست كلمة تُقال، ليست لفظًا يلفظُ به الإنسان، ولكنَّه عقيدةٌ ودينٌ يُشرق به القلبُ، وتُشرِقُ به النَّفسُ، ويصلحُ به الحال، ولذلك قال الله -جلَّ وعَلا- في كتاب: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122]، إنَّما هو نور التَّوحيد والإيمان، نور الهدى والقرآن وما يكون مِن الخيرِ للعبَادِ وللأنامِ.
وكذلك قال الله -جلَّ وعَلا- في كتابه: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]، وأول وأعظم وأجلُّ ما في كتابه -جلَّ وعَلا- هو الدَّعوَة إلى توحيده، وأول سورة في القرآن هي سورة الفاتحة وفيها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قالَ أهلُ العلمِ: فيها أنواع التَّوحيد الثَّلاثة:
- توحيد الرُّبوبيَّة في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
- توحيد الأسماء والصِّفات في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
- وتوحيد الإلهيَّة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وذلك إنَّما ليكون أوَّل ما يَقرع سمعك هو توحيد الله -سبحانه وتعالى.
فهذا من الأهمية بمكان ابتداءً به، أو تكميلًا لنقصه إذا وُجد.
وأيضًا مع قولنا بحصولِ التَّوحيد تحقيقِه وتقريرِه فلا ينفكُّ النَّاس مِن إعادتِه وتَكرارِه، فإنَّ كتاب اللهِ -جلَّ وعَلا- فيه إعادةٌ لكثيرٍ ممَّا جاء به، فما جاء في أوَّله أُعيدَ في أوسطه، وما جاء في أوسطه أُعيدَ في آخره، وما ذُكرَ مفصَّلًا ذُكرَ مُجمَلًا في أخرى؛ لأنَّ العلمَ ليس بالجديدِ، وإنَّما العلم بالتَّأكيدِ، والتَّأكيدُ يتأتَّى بالتَّكرارِ، فبينَ الفَينَة والفينَة يُتَفقَّدُ الناسُ في ذلك، أو يُنظَرُ إليهم، والنَّاس اليومَ أحوج ما يكونوا إلى تحقيقِ التَّوحيد، فأناسٌ جهلوا كثيرًا مِن مسائل دينهم حتى توجَّهوا إلى غيرِ الله -جلَّ وعَلا- في دعاءٍ أو في ذبحٍ، أو في حوائجَ، أو في بلايا، أو في غير ذلك.
والنَّاس أيضًا لحقَ بهم من الماديَّات، ومن شُبهِ أهل الإلحاد، ومن غير ذلك؛ ما يزيد من أهميَّة التَّأكيد على التَّوحيد، سواء في ذلك توحيد الإلهيَّة الذي كان سببًا مِن أكبرِ الأسبابِ في حصول النِّزاعات والإشكالاتِ وما حصلَ فيه القدح، أو ما يكون مِن توحيدِ الرُّبوبيَّة وإن كان مستقرًّا على مرِّ الأزمان؛ لكن في هذا الوقت لمَّا كثُرَ الإلحاد وقام سوقه ووُجدَ مَن يُروج له فإنَّ التَّأكيد على عظمة الله -جلَّ وعَلا- والحديث عن مثل ذلك هو مِن أعظمِ ما يكونُ من الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا- ولذلك قال الله -سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]. ماذا تستفيدوا مِن هذه الآية؟
لمَّا ذكرَ الله -عزَّ وجلَّ- عَظَمَتَهُ وأفاضَ فيها، قال في آخر الآية: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ لأنَّه لا تحصل الهداية إلى التَّوحيد وتركِ الإشراكِ إلا بما يكون مِن مِلئ القلب مِن تعظيم الله -جلَّ وعَلا- وتحقيق هذه المعاني في العلم لِما لله مِن الأسماء والصِّفات، وما انفرد به مِن الخلقِ والإيجادِ والرِّزقِ، أو غير ذلك ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور 35-37]، آيات عظيمة تتحرَّك لها القلوب، تتدهده لها الجبال، يقول الله -جلَّ وعَلا: ﴿أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ ۚ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك 20، 21]، لا أحدَ يرزق، ولا أحدَ يعطي، ولا أحدَ ينصر إلا الله -سبحانه وتعالى- فكان ذلك من أعظم ما يكون به مِن التَّأكيد على هذا الأمرِ والعلم به وتَكراره.
إذن أخذنا هنا ما يتعلَّق بأهميَّة البَداءَة بالتَّوحيد، والبَداءَة في التَّوحيد سواء كانت دعوةٌ لمشرك، أو كان كتابيًّا يهوديًّا أو نصرانيًّا كفرَ بالله -جلَّ وعَلا- أو بغيرِ ذلك مِن الدِّيانات؛ فدعوته إلى التَّوحيد هي أولى وأسبق ما يكون.
فائدة: حينما نقول: "كِتَابيًّا" لا نقصد أنَّه قسيم للمشرِكِ -يعني: ليس بمشرك- لكن نقصد أنَّ إشراكه بكونه يَهوديًّا أو نَصرانيًّا ولم يكن مُسلمًا.
أيضًا دعوةُ أهلِ الإسلام إلى التَّوحيد تكميلًا وتقريرًا وتأكيدًا أيضًا هي مِن أهمِّ المهمَّات، ولما جرى ما حصل في هذه الأوقات مِن النَّقصِ أو التَّقصيرِ، أو حصولِ كثيرٍ مِن الخرافاتِ والبدعِ، وما فيه قدح في جنابِ الرُّبوبيَّة أو الإلهيَّة أو الأسماءِ والصِّفاتِ أيضًا احتيجَ إلى التَّأكيدِ على تحقيقِ التَّوحيدِ، وعبادة الله -سبحانه وتعالى- وتكميلِها والإتيانِ على تمامِها.
إذا تقرَّرَ ذلك فإنَّه ليس شيءٌ بعدَ هذا الأمرِ إلا الأمرُ بشعائرِ الإسلامِ العِظامِ التي تكون ركائزه وأركانه كما قلنا في حديث أبي هريرة، وفي حديث ابن عمر؛ لمَّا قالَ ذلك الرَّجل للنَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ؟ قال: «تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئً»، هذا أوَّل شيء كما قلنا. ثم قال: «وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ» .
وحديث ضمام بن ثعلبة هو حديث عظيم، لما قال: "فبالَّذي خلَق السَّماءَ وخلَق الأرضَ ونصَب هذه الجِبالَ، آللهُ أرسَلكَ؟ قال: «نَعَمْ». إلى أن قالَ: فبمَ أمرك؟ فذكر له التَّوحيد، وشهادةَ أنَّ لا إله إلا الله -الحديث المعروف- إلى آخرِ أركانِ الإسلامِالخمسة. قال: "والَّذي بعَثكَ بالحقِّ، لا أَزِيدُ عليهِنَّ ولا أنقُصُ منهُنَّ". فقال النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم: «لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الجنَّةَ» ، ففي هذا الحديث إشارة إلى أنَّ مدارَ الفلاحِ والنَّجاةِ ودخولِ الجنَّة والنَّجاة مِن النَّار هو بالدَّعوَة إلى هذه الأركانِ الخمسة.
ولأجلِ ذلك يُقرِّر أهلُ العلم المعتبرون أنَّ العلمَ قسمانِ:
- علمُ فرضُ عينٍ.
- وعلمُ فرضِ كفايةٍ.
فرضُ العينِ: هو ما لا يستغني عنه المسلم.
فرضُ الكفايةِ: هو سائر الأحكام.
فلأجلِ ذلك كانَ على الدّاَعِيَة أن يبدأ بما يكون فرضَ عين، يعني متعيِّنٌ على كلِّ واحدٍ من آحادِ المسلمين، كانَ على رأس جبلٍ، أو في قعرِ وادٍ أو في قريةٍ، أو في غابةٍ، أو في بلدِ مسلمين، أو في بلدِ الكفارِ؛ لا ينفك مِن الحاجة إلى العلمِ بذلك، وتتبُّع المسائل حتى يعبد الله -جلَّ وعَلا- على بصيرةٍ، فلمَّا كان هذا فرضَ عينٍ كانَ أولى ما يقومُ به الدّاَعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- أن يُعلِّم النَّاس ذلك لتبرأ ذممهم، ويؤدُّون حقَّ ربِّهم.
ومِن ذلك الأركان الخمسة، طبعًا الصَّلاة هي سَابقة لكلِّ شيء؛ لأنَّها لا تسقط في حالِ حضرٍ ولا سفرٍ، ولا سلمٍ، ولا حربٍ، ولا صحَّةٍ، ولا مرضٍ، وهذا بابٌ معروفٌ، ولأجلِ ذلك كانت هي أولى ما يكون مِن كلِّ وجه.
الزَّكاة والصِّيام والحجّ بحسبِ الحال، فإذا كانَ الحالُ حالَ أن يكونوا مِن أهلِ الزَّكاة الذين أفاضَ الله عليهم بالأمواِل سواء كانَ في الخارجِ مِن السَّبيل، أو كان في النَّقدين أو الثَّمار، أو في عروض التجارة، أو احتاجوا إلى ذلك كلِّه، أو كان ذلك ممَّا يتعلَّق بزكاة الفطر، فيعلمهم بحسب حالهم وبحسبِ حاجتِهم، وبحسبِ الوقتِ في ذلك، فإذا كانَ في بلدٍ كلها فقراء، وكلهم ليسَ عليهم من الزَّكاة مِن شيء، فلا شكَّ أنَّ هذا لا يكون عليهم فرضُ عينٍ، وإن كانَ لا يُتصوَّر أنَّه لا توجد بلد مهما كانت لا يكون أحد منهم قادرًا على بذل الزَّكاة ومتحقِّقة في حقِّه الشُّروط ومكتملَة.
صيامُ رمضانَ أيضًا يجبُ عند قربِ دخولِه، لأنَّه إنَّما يجبُ إذا دخلَ الشَّهرُ، فإذا كان الوقت قبل ذلك بوقتٍ طويلٍ فقد لا يحتاج إليه، لكن إذا كان هذا على سبيلِ التَّأسي وكان فُسحة في الكلام؛ فإذا كان فيه فسحة في الوقت فالحمد لله، وأمَّا إذا كان فيه تزاحمات فما يحتاجه النَّاس في آنهم حتى ولو كان أقلَّ منزلةٍ أو درجةٍ فإنَّه قد يترقى ليكون أسبق في الدَّعوَة إلى الله -سبحانه وتعالى.
فعلى سبيل المثال: قبل عشر ذي الحجة، وإن كانت عشر ذو الحجة فيها مسائل كثيرة ليست مما يتعلَّق الحكم فيها بوجوب ولا بلزوم، وأن يتحدَّث عن شهر رمضان، فنقول في مثل العشر: الحديث عن هذه الفضائل والحث عليها، وعن بعضِ ما يُشرَع فيها ونحو ذلك ربَّما كان مناسبًا، ولا يكون ثَمَّ تزاحم، ويترقَّى ذلك لمناسبة الوقت.
الحجُّ كذلك، فمَن استعدَّ للحجِّ وأراد النُفرَة إليه، فلا شكَّ أنَّه ممَّا يتعلَّق به العلم مِن مثل ذلك مِن مسائلِهِ وأحكامِهِ وما يؤدِّيه على التَّمامِ والكمالِ مستنَّنًا بسنةِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- القائل «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، يكون في هذا ظاهرٌ في التَّعيُّن واللُّزوم.
إذن الأصل هو البداءة بتوحيدِ الله، ثم الشَّعائر العِظَام، ثم الأهمُّ فالأهمُّ، وهذه الأهميَّة إمَّا أن تكون درجة من الفرائض المتقرِّرة، والواجبات المتعيِّنة، وإمَّا أن يكون مِن المنهيِّات والمحرَّمات وكبائرِ الذُّنوب قبلَ صغائرها، ومثل هذه الأمور في الجملة لا يكون بينها تزاحم، فيُبحث بما يكون أقرب إلى حاجتهم، وبما تعلَّق بوقتهم.
فعلى سبيل المثال: إذا كان بلد يُشتهر فيها -نسأل الله السَّلامة والعافية- كثرة مُواقعة الزِّنا فإنَّ الحديث عن الزِّنا في مثل هذه الحالِ أولى مِن الحديثِ عن بعضِ الأمورِ الأخرى.
وإذا كانَ بلد أخرى يشتهر فيها الرِّبا والتَّعاملات المحرَّمة، والوقوع في الغشِّ والمقامرةِ؛ كان البداءة بذلك أولى.
وإذا وُجدَ الأمران يُختار لكلِّ واحدٍ من هذه الأمورِ ما يكون أنسب لوقتِه، فابتداء مثلًا موسم البيع والشِّراء يكون الحديث عن البيوعاتِ وأحكامِها، وما يحرمُ فيها وما يمنع فيه.
وأيضًا إذا كانَ النَّاسُ في فُسحةٍ أو نُزهةٍ أو إجازةٍ أو نحوها، فإنَّ النُّفوس تتشوَّف إلى الشَّهواتِ، وقد تكون الشَّهوات المحرَّمة، فيكون الحديث عن مثل ذلك.
فبهذا يجب على الدّاَعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- أن يُعنَى بما يكون في دعوته ممَّا يتعيَّن عليه البداءة به ابتداءً بتوحيدِ الله، ثم ما يتبع ذلك مِن الشَّعائر العظام، وما يلحق بهما، وكذلك كانت سنَّة النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ثم النَّظر أيضًا بحسبِ الحالِ، ولذلك نجد في حالِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه ربما وُجدَ النَّهي عن أمر كان صغيرًا لمناسبة سابقة للكلام على أمر عظيم تأخَّر أيضًا لسببٍ من مثل تلك الأسباب.
فإذا استشعرَ الدّاَعِيَة ذلك، وأنَّه يجبُ أن يأتي على الأمور كلها، وأنَّ الأمرَ إنَّما في التَّقدُّم والتَّأخُّرِ ليس راجعًا إلى أنَّه يأخذ شيئًا ويتركَ شيئًا، أو يأمرَ بشيءٍ وينسَى آخرًا كما هو عند بعض مَن كثُرَ عندهم الجهل، فيجعلون دعوتهم مرتكزَة على معالمٍ معيَّنة لا يتجاوزونها؛ فهذا لا شكَّ أنَّه مخالفٌ لما جاءت به السُّنن، ودلَّت عليه الدَّلائل والنُّصوص، وما كانت عليه سيرة نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم.
هنا يُلحَظ -كما قلت لكم- خللٌ، مبدأ هذا الخلل في أحيانٍ قليلة هو الجهلُ، لكن الأحيان الأكثر يكون جهلٌ مركَّبٌ مِن بعضِ مَا يتلقَّاه بعضُ الفضلاء مِن تجمُّعاتٍ أو مناهجٍ في الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا- لجماعات أو نحوها، بعضهم يرى مثلًا- أنَّ الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا- تكون في المأمورات لا في المنهيَّات، ولذلك لا يُنكر منكرًا وإن عظم، ويتأوَّلون ذلك إمَّا لأنَّهم إذا فعلوا المعروف فسينتهون عن المنكر؛ وكل ذلك ليس بصحيحٍ، وهذا لم تأتِ به السُّنَّة، ويُعرَف فيه سلفي هذه الأمَّة، ولم يكن عليه طريقة أهلِ العلم الرَّاسخين، فالهدى والحقُّ إنَّما هو أمرٌ ونهيٌ، حثٌّ وزجرٌ، دعوةٌ إلى الخير ومنعٌ من ضدِّه، وبذلك يكتمل العقد، ويتمُّ الأمر.
كذلك طوائف أخرى إنما تنصبُّ دعوتها إلى الأمورِ التَّربويَّة، ويجدونَ في ذلكَ غُنيةً أو كفايةً لدعوتهم، وعلى ذلك يبدؤون وينتهون، وربَّما دخلوا في تفاصيلَ وأشياءَ كثيرة، وهي ليست من الدَّعوَة إلى الله -سبحانه وتعالى- في شيءٌ، مِن جهةِ أنَّها ليست على منهاجِ النُّبوَّة، وإن كانَ ما يأمرون به ويدعون إليه صحيحًا؛ لكنَّهم تركوا ما هو الأوجب عليهم في أخذِ الدَّعوَةِ إلى الله إلى الإسلامِ بجملته، وإلى الدِّين كلِّه، فنبغي أن يكون هذا ظاهرًا عندهم، نحن ندعوا إلى الأوامر، وكذلك ندعوا إلى تركِ النَّواهي، وندعوا إلى الأمورِ التَّربويَّة، وما يكون فيه ارتقاء بالنَّاس في أخلاقهم، وفي صفاتهم، وفي تعاملاتهم، وفي حسنِ معشرهم؛ إن كانَ ذلك لزوجٍة أو لأخٍ أو لقريبٍ، أو لجارٍ، أو لشريكٍ، أو لغيرهم، لكن لا تكون دعوتنا مقتصرة على ذلك، فهذا كله من عدم العلم بأولى كان ينبغي أن يُدعَى إليه أو البداءة بالأهمِّ فالأهمِّ، والمنهاج النَّبويِّ في الدَّعوَة إلى الله -سبحانه وتعالى.
وهنا لابدَّ من التَّركيز على أمرٍ، وقد مرَّت الإشارة إليه، لكن لابدَّ من الزِّيادة فيه، وهو أنَّ ثَمَّ أشياء في جملتها يشترك فيها المسلمون جميعًا، كما ذكرنا من المهامِّ العظام ونحو ذلك، ثمَّ لا يخلو كل مجتمع من بعضِ الممارسات الخاطئة، إن كان ذلك في الأخلاقيَّات، أو في المعاملات، أو في بعضِ البدعِ، أو أشياء أخرى، فنبغي للدَّعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- أن يكون عنده مِن العلم بتفاصيلِ ما يحتاج إليه النَّاس، وأن يستزيد وأن يتزوَّد بما يتعلَّق بهذه المسائل على وجهٍ أخص.
ومن جهةٍ ثانيةٍ: لابدَّ أن تكون عنده مِن الكفاءة ومِن الحكمَةِ في الدَّعوَة إلى هذه الأمور بوجهٍ أخص، لأنَّ بقدر ما تنتشر عندهم مخالفة بقدرِ ما يكون عندهم من التَّعصُّب عليها، وعدم الرِّضا بتركها، وربَّما تكون مألوفة لهم مِن الآباء والأجداد، وربَّما يجدون أنَّ ذلك أعظمَ عليهم من أبنائهم وأمهاتهم.
فلأجل ذلك ينبغي للدَّاعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- أن يُؤتى العلم بهذه الأمور، والحكمة في طريقة دعوتهم إليها، وحثِّهم عليها، فإن كان شُبهَةٌ أزالها، وإن كان ثَمَّ ما بديل عن ذلك دلَّ عليه، وإن كانَ ثَمَّ طريقٌ كإمامِ مسجد، فيكون توجيهه عن طريقِ إمامِ المسجدِ، وإن كانَ ذلك مِن عدمِ مواجهتهم في أوَّلِ وهلةٍ، بل التَّقديمُ لذلك بمقدِّمات، بتعظيم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم- وتعظيم الاتِّباع كسرعة استجابة أصحابِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وما يكون مِن عذر المخالِف حالَ جهالتِه، وأنَّه لا يُعذَر حالَ تعلُّمه؛ فهذا يُهيِّئ نفوسَهم إلى إمكانِ القبولِ، وبدٌّ مِن أن تكون كثيرٌ مِن هذه الأمورِ محلَّ إشكال، فليس بالسهولة أنَّ الدّاَعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- خاصَّة الذي هو حديث عهدٍ بالدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا- أن يُحسِنَ فيها، لكن كما تعلَّم العلم يجب عليه أن يتعلَّم، وأن ينظرَ إلى مَن حولَه في الطريقة المثلى للمعالجة، وأن يعرضَ ذلك على العلماءِ، لأنَّ الاجتهادت المنطلِقة التي لا يُرجَع فيها إلى أهلِ العلمِ ربَّما يكون فيها دعوة إلى أمرٍ ليسَ بصحيحٍ، أو أن يكتنفَ ذلك من الخللِ، فيجب أيضًا إذا كان له شيء من النَّظر أن يعرضه على العلماءِ حتى يستزيدَ في ذلك الخير والهدى.
مِن أهمِّ الأمور أو أكثرها، وهي التي أدت إلى ترك ما يُبدأ فيه بالدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا- من التَّوحيد والإيمان وركائز الإسلام ونحو ذلك؛ أنَّ بعضِ الجماعات حريصة غاية الحرص الانتماء إليهم، ولذا تجد أنَّ أهم ما يدعون إليه هو:
الانتماء إليهم، سواء كان ذلك بالانتماءِ إلى الاسمِ، أو كان أشد مِن ذلك وهو الانتماء ببيعة أو غيرها؛ فإذا انتمى إليهم صارَ عددهم بدلَ العشرة مائة، أو بدل المائة ألف؛ رضوا بذلك حتى ولو كان مَن معهم لا يَعرفُ الله ولا يَعرفُ الصَّلاةَ، فإنَّ هذا مِن أعظم ما اجتُرَّ على الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا- حتى وقعَ بسبب ذلك لغطٌ كثيرٌ، وربما -بإذن الله جل وعلا- سنأتي على جملةٍ ممَّا يتعلَّق بهذه المسائل، لكن لا شكَّ أنَّ حصول هذه الأمور هي أكبر ما يُسببُ الانصرافَ عن الدَّعوَة إلى الأهمِّ بالدَّعوَة إلى ما دونِه.
كذلك مِن الأسباب التي تحول بينَ الدّاَعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- وبين البداءة ِبالأهمِّ فالأهمِّ هو الجهل، لذا تجد أنَّ بعضهم -وهذا حاصلٌ في هذه الأزمنة المتأخِّرة- يحرص على الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا- فيندب نفسَه ويتصدَّى لهذه المهمَّة وهو على غيرِ علمٍ، وليسَ يُحسِنُ هذه الأمور الصَّحيحة والأمور العظيمة؛ فيبدأ بأشياء ربَّما التقطها مِن هنا أو هناك، ثمَّ جمع إليها ما فيه حقٌّ وما هو مشوبٌ أو فيه خللٌ، وقد يُجعل له قبول فتُعجَب نفسه بذلك، فيُبتلى النَّاس بمثل هذا حينما يُقدَّم وليس بمقدَّمٍ، وحينما يدعو وليسَ على شيء. لأجلِ ذلك لابدَّ أن يكونَ الدّاَعِيَة إلى الله -جلَّ وعَلا- عارفًا بالأمورِ ومكمِّلًا لها.
أيضًا إذا قلنا بأهميَّة البداءةِ بالأهمِّ فالأهمِّ فإنَّ مثلَ هذه الأمورِ إنَّما هي اعتبار الأمورِ بأصلها، لكن قد يكون في بعضِ الأحوالِ مِن البداءةِ بها ما هو بابٌ للدُّخول إلى المهمَّات، كأن يكون لبعض النِّاس مثلًا سيدٌ مطاعٌ، ولا يردون له قولًا، ولا يتجاوزون أمرَه ونهيَه، كما يكون ذلك في بعض القبائلِ، أو بعضِ الجماعاتِ، فحتى تُبيِّنَ لهم الحقَّ فإنَّك قد تحتاج إلى أن تبيِّن أنَّه ليس أحدٌ بمعصوم، وإنَّما الذي يُتَّبعُ اتِّباعًا مطلقًا الكتاب والسُّنَّة، وأنَّ كلَّ أحدٍ قد يأتي إليه شيء من النَّقص أو الخللِ، أو الضَّعفِ، أو النِّسيانِ، أو نحو ذلك، ويكون هذا بحسب الحال.
إذن إذا قلنا البداءة بالأهمِّ هو هذا؛ فلا يُفهم منه أن ذلك هو ما يَتكلَّم به فقط في كلِّ حالٍ وآنٍ؛ وإنَّما نقصد أنَّ هذا هو أصلُ دعوة الداعي؛ أن يكون إلى مثل هذه الأمور ابتداءً، وأن مثل هذا هو الذي توجَّه إليه الدّاَعِيَة إلى الله -سبحانه وتعالى.
ولذلك تجدونَ في بعضِ المجتمعاتِ لمَّا كانت نهاية الدَّعوَة إلى -جلَّ وعَلا- لديهم عبارة عن بعضِ المظاهرِ ربَّما تجد أنَّ له مظهر -سمت، لحية، بعد عن إسبال الإزار- كان ثَمَّ جهلٌ كبيرٌ، فجعلوا لهم أمراءً فيأتمرون بأمرهم وينتهون عن نهيهم، ثمَّ ولغوا في التَّكفيرِ، ثم وقعوا في الدِّماء، ثمَّ حصلَ بسببِ ذلك مِن الفِتنَة العظيمةِ في هذا الزَّمانِ ما لا يكاد أحد يظنُّ أنَّ فتنةً ابتُليَ بها النَّاس أكثر من ذلك، حتى فُتن النَّاس عن دينِهم، وتركوا أصلَ عقيدتهم في بعضِ الأحوالِ، وحتى اضطهد الإسلام، وحصلَ بسبب ذلك بلاء كثير أصلُه هو الجهل، والدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا- على غير سبيل، والظَّن أنَّ الدَّعوَة إلى شعيرة الجهاد سابقة إلى الدَّعوَة إلى أصل الدين وتكميل الواجبات، أو جعلِ فلانًا مقدَّمًا ويُؤخَذ منه ويُصدَر عنه، لا يُصدَرُ عن أحدٍ سواه، فانحرفوا تلك الانحرافات، ولو دخلنا فيما لحِقَ بالنَّاس مِن بلاء هذا ومِن جراء مثل هذه الانحرافات لنادينا بالويلِ والثُّبورِ على الإسلامِ وأهلِهِ في هذا الزَّمانِ، والله المستعان!
وهنا نقول: يجبُ أن يُسمَع أنَّ مَن أرادَ الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا- فهو داعٍ إلى الله، وأعظمُ ما يكون مِن حالِ الدّاَعِيَة إلى الله أن يُعظِّمَ الله، وأن يُوحِّدَ الله، وأن يُحقِّقَ الدِّين، وأن يدعوَ إلى اتِّباعِ خيرِ المرسلينَ محمدٍ -عليه الصلاة والسلام- فكان ذلك هو جماع ُالأمرِ وتمامُه، ومَن لم يعلم هذا الأصل، ومَن لم يعلم هذه الحقيقة؛ فمهما اشتغلَ به مِن الدَّعوَةِ إلى اللهِ -جلَّ وعَلا- ومهما مَلئت أوقاتَه، ومهما كثُرَ متابعوه، ومهما أُعجِبَ الناسُ به، ومهما تزيَّنت به الشَّاشات، ومهما حصلَ له من أثرٍ؛ فإنَّ ذلك لا يغني عليه شيئًا، لأنَّ الأمر ليس بظواهرِ الأمورِ، ولا بإعجابِ الخلقِ، ولكن بصلاحِ العملِ وتمامِهِ في أصلِ الشَّرعِ، وكمَالِهِ عندَ الله -جلَّ وعَلا- وعندَ رسوله -صلى الله عليه وسلم.
ولأجلِ ذلك قالَ الله -سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]، وهذه الآية في أصحِّ أقوالِ أهلِ العلمِ وإن كانت شاملةٌ للجميع؛ لكن من جهةِ الأصلِ هي كالتَّهديدِ لكلِّ مَن يعملَ عملًا على غيرِ هدًى، ولذلك كانت هذه مِن آياتِ سورةِ التَّوبةِ التي فيها محاسَبةُ وكشفُ المنافقين وهي كما يُقال "المشقشقة"، لأنَّها كشفتهم وأظهرت ما استكنَّ في نفوسهم -نسأل الله السَّلامة والعافية.
نقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾، وهذا كالتَّهديدِ مِنَ الله -جلَّ وعَلا- لمَن عملَ عملًا على غيرِ سنَّة أو على غيرِ هُدًى، وإذا كان ذلك في سائر الخلق فهو أظهر ما يكون وأولى ما يندرج فيه مَن كان مِن أهل العلم، ومَن تصدَّى للدعوة، ومَن كان هَاديًا للخلق، ومَن كان مُرشدًا للعباد، فإنَّه أولى بالنَّظر وبالاستحضار لهذه الآية، فأن يَنَالَ الإنسانَ منها شيءٌ مِن تهديدها وممَّا يتعلَّق بها.
إذن؛ إذا استشعرتَ هذا المعنى، وعَرفتَ مَا تبتدئُ به مِن أَمر ِالدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا- فإنَّك موفَّقٌ في ذلكَ أعظمَ توفيق.
تبقى مسألةٌ أخيرة في هذا المجلس، وهو: أنَّ مِن الأمور ما يكون مُلتبسًا، يعني: يتأرجح ُ الأمرُ عند الإنسان، إمَّا بينَ أمرينِ، أو في حالين، أو في بعضِ ما يتعلَّق بما يجتهد فيه في هذه الآونة أو في هذه الجهة، أو في هذا الحكم، أو في هذه المسألة، فيحصل في ذلك تضارب، وربَّما يوجد مَن مِثله على مِثلِ دَرَجَتهِ، أو هو أرفع منه قليلًا، أو أقل منه قليلًا، وقد يُخالفه في هذا الأمر، وهذا يقول: نبدأ بهذه. وهذا يقول: لا، نبدأ بهذا؛ خاصَّة في المناطق الصَّغيرة، أو المناطق التي لها طبيعة معيَّنة، فربَّما حصل على الدُّعاةِ إلى الله -جلَّ وعَلا- من التَّشاكُسِ والاختلاف أعظم ممَّا يحصل لهم من الدَّعوَة إلى الله -جلَّ وعَلا!
فنقول: لا يجوز للشَّخصِ في مثل هذه الحال -إذا حَصَلَ اختلافٌ وإشكال- أن يرجع إلى رأي نفسه؛ بل ثَمَّ عُلماء مُعتبرون، وأهلُ علمٍ يُرجَعُ إليهم، والله -جلَّ وعَلا- في كتابه يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، فيُرجَعُ إليهم، ويُقطَع دابرُ الخلافِ ويُوصَد بابه، ويُمنَع شرُّه، ويتَّفقَ بعد ذلك الدُّعاة إلى الله -جلَّ وعَلا.
ولا ينبغي في مثل هذا الدُّخول في اقتناصِ الفرصِ، هذا يأتي بسؤالِ مِن هذه الجهةِ، وهذا مِن هذه الجهة، وإنَّما تُعرَضُ المسألة بحالِها، نحن في البلدِ الفلاني، أو في المكانِ الفلاني، وفيه فلان كذا، وفيه مجموعة كذا، وحصلَ اختلاف عندنا في هذه المسألة، ونطلبُ ما يكون فيه الخير؛ لأنَّه ليسَ أحدٌ منَّا خاصَّة مِن مِثل درجتي ودرجتكم ممَّن هم متوسِّطون في العلم أو دون ذلك أيضًا أن يَصدر حتى في المسائل المُشكلة أو المعضلة، ويظنُّ نفسه أنَّه أعرف بهذه الأمور وأقدر عليها، ما منَّا إلا ويجهل شيئًا، فإذا تقرَّرَ ذلك؛ فكونك داعيةً إلى الله -جلَّ وعَلا- فأوجب ما يكون هو أن ترجعَ إلى أهلِ العلمِ فيما أشكلَ عليكَ، فتصدرَ عنهم فيه، ويكون هو المقدَّم وهو المعتبَر، وبه تكون الحُجَّة والسَّلامة، وإلا كانت عليكَ التَّبعةُ عند الله -جلَّ وعَلا- ويتبعُ ذلك -نسأل الله السَّلامة- المهانة.
نعوذُ بالله مِن الخذلانِ، ونعوذُ باللهِ أن يَفوتنا التَّوفيق مِن الرحمن.
نسألُ الله -جلَّ وعَلا- أن يُتمَّ علينا وعليكم نِعَمَه، وأن يجعلَنا مِن أهلِ دعوتِه الذين يدعون إلى سبيلِه، وإلى توحيدِه، وإلى الإيمانِ بِهِ، وإلى شعائر ِدينِهِ، وأن يوفِّقنا لِما اختُلِفَ فيه مِن الحقِّ بإذنِه، إنَّ ربَّنا يهدي مَن يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ، وألا يَحرِفَنا إلى مَزلَّةٍ، وألا يَحمِلنا إلى ضلالةٍ، وألا يُذهبَ عنَّ الحق ويُخفِّيَ عنَّا الهدى، وأن يجعلَنا على منهاجِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ مستمسكينَ، عليه نحيا وعليه نموت، وبه نلقى الله ربَّ العالمين.
واللهَ أسألُ لي ولكم التَّوفيقَ والسَّدادَ، ولم يبقَ متَّسعٌ في هذا الوقتِ، شكرَ الله لكم الحضور، وشكرَ الله لكم الاستماع والمشاهدة، وأسألُ الله أن يُعيد هذه الحِلَق في خيرِ حالٍ، واللهُ الموفِّق، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمد.

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك