الدرس الثاني

فضيلة الشيخ د. عبدالحكيم بن محمد العجلان

إحصائية السلسلة

6052 12
الدرس الثاني

فقه الدعوة إلى الله

السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ علَى نبيِّنا محمدٍ، وعلَى آلِه وأصحابِه وسلِّم تسليمًا كثيرًا إلى يَوم الدِّينِ، أمَّا بعدُ:
فأسألُ اللهَ -جلَّ وعلا- أن يجعلَنا وإيَّاكم مِن عبادِه الصَّالِحينَ، وأوليائِه المتَّقِينَ، الذين إذا أُعطُوا شَكَروا، وإذا أذنَبُوا استغفرُوا، وإذا نَسُوا تَذكَّرُوا، وأن يَعقبَنا الصَّلاحَ والاستقامَةَ، والهدايةَ والطَّاعة، وأن يُجنبنا الفِتنة والضَّلالَ والغِوايَة.
أيُّها الإخوةُ، لا يزالُ هذا الحديثُ مَوصولًا في مَا ابتدأناه في المجلسِ الماضِي، والدَّرسِ السَّابقِ، والذي استهْللنا بِه هذه الدَّورة في هذا المنهجِ المُقرَّر في فِقه الدَّعوةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- وكما أنا مسرورٌ بمثل هذه اللّقاءات، وشدَّني حديثُكم قبلَ أن يشتَركَ معنا إخواننا أمامَ الشَّاشاتِ، فيما يتعلَّق بحاجتِكم إلى الدَّعوةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- وممارستِكم فيها، وحرصِكم عليها، ما تشحذون مِن الهمَّة في واقعكم الذي سخَّركم اللهُ لَه، وهو الدَّعوةُ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- سواءٌ كان ذلك بالتَّحضيرِ والاهتمامِ، كما رأيتُ مِن جمعِكَ لبعضِ الكتُبِ يا سعيد، أو كان مِن الحوار الذي جَرى منكَ يا صهيب وعبد الكريم في بعضِ ممارساتِكم الدَّعويَّة.
وأقولُ لكم أيُّها الإخوةُ: ممَّا وُجد عندكم مِن بعضِ الإشكالاتِ، ومهما انعقدَ في نفوسِكم مِن بعض التَّساؤلاتِ في الدَّعوةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- فإنَّ هذا لا يَعني أن تحطُّوا رحلَكُم، أو أن تمنعوا خَيرَكم.
الدَّعوةُ إلى اللهِ بابها واسعٌ، وإشكَالاتُها متجدِّدة، وكلَّما عمِلَ الإنسانُ تَجدَّد مَعه إشكالٌ، احتاجَ إلى حلِّه وجوابِه، فلو أنَّ الإنسان كلَّما وُجدَ عندَه إشكالٌ وَقَفَ؛ لَمَا تحرَّكَ الإنسانٌ.
ثم أيضًا الدَّعوةُ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- يُوفِّق اللهُ لها العبدَ، فكلَّما أَريتَ اللهَ مِن نفسِك خيرًا وإقبالًا، وجدًّا واجتهادًا، وعِلمًا وعَملًا، ودُعاءً وعِبادةً، فإنَّ الله -سبحانه وتعالى- يفتحُ لكَ بابَ التَّوفيقِ.
ربَّما ستأتي أحاديثٌ كثيرةٌ تتعلَّق بهذا، وتعرفون دعواتٍ سواءٌ قُدِّرَ لها أن تشتِهر، وأن تَبقى على مستوًى -كما يُقال- محليٍّ في تِلك البلاد، أو صَعدت حتى بلغَت الآفاقَ، وما ذاك لأنَّ هذا أكثر علمًا مِن هذا فحسب؛ ولكن هو توفيقُ الله -جلَّ وعلا-، فكلما كان الإنسان أزيد في الإقبال، وأسباب تحقيق الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- وفَّقهُ اللهُ، وبلَّغهُ في ذلك منزلةً عاليةً.
لمَّا كان الأمر كذلك، فإنِّي أقولُ لكم: إنَّ مثلَ هذه المجالس، وهذه الدِّراسة، الحقيقة مهمَّةٌ للغاية، تُبصِّر الإنسانَ بأشياءَ، وتفتحُ له آفاقًا، وتَحلُّ له إشكالاتٍ، وتُعينه بإذن الله -سبحانه وتعالى- على ما يَستقبل مِن أمرِه.
أيضًا البابُ أمامنا واسعٌ، أنا أوصيكم: أنَّ أي شيءٍ يَعنُّ في أذهانِكم ممَّا يتعلَّقُ بشيءٍ في الدَّعوةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- وتحتاجونَه، أو تستشكلونَه، أو الإخوة الذين يشاهدوننا، فإنَّه مِن المناسبِ جدًّا خلالَ هذين الأسبوعين أن يَكتبوا ما لديهم مِن عناصرَ أو إشكالاتٍ، لكي نُضمِّنُها هذه المجالس، ونُوجد لها جوابًا بما يفتح الله -سبحانه وتعالى- وإن كان الأمر مُشكلًا، أو يتعسَّرُ علينا العلمَ بِه، فإنَّنا نَرجع إلى علمائِنا، ونستبصرُ ونتزوَّدُ، ونُعرضُ ذلك ليكون بإذن الله -جلَّ وعلا- مفتاحًا، ونبرازًا، وهدايةً، ودلالةً، وفتحًا مبينًا بإذن الله -جلَّ وعلا.
نعودُ إلى ما كنَّا فيه في المجلسِ الماضي، وأظنُّ أنَّكم لا تنسون ما وَقفنا عندَه، كنَّا قد انتهينا إلى ماذا؟
{أحسنَ اللهُ إليك، انتهينا إلى فضلِ الدَّعوةِ وفضائِلها}.
انتهينا إلى ما نبتدئ به الآن في الحديثِ عن فضلِ الدَّعوةِ إلى اللهِ -جل وعلا.
كنَّا قد دَلِفنا -أو دخلنا- إلى موضوعِ الفضلِ، فوَقَفَ بِنا الحديثُ وانتهى بنا الوقت، فنُكملُ -بإذن الله جلَّ وعلا- عند الذي توقفنا عندَه في فضلِ الدَّعوةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا-
الحديثُ عن فضلِ الدَّعوةِ وأهميَّتها ممَّا يُشحِذُ الهمَّةَ، ويُحرِّك النَّفسَ، ويُعرِّف الإنسانَ بمكانةِ هذا العمل، وهذه الوظيفة، وهذه المَرتبة، وهذه المنزلة، التي يتوجَّه إليها.
الدَّعوةُ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- حينما نتكلَّمُ عن فضلِها فنحنُ نتكلَّمُ عن الدَّعوةِ إلى الإسلامِ، أليس كذلك؟ والدَّعوةُ إلى الإسلامِ دعوةٌ إلى اللهِ، والدَّعوةُ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- هي دعوةٌ إلى توحيدِه، وإلى تحقيقِ الإيمان بِه، وليسَ شيءٌ أعظمَ مِن اللهِ، وليسَ شيءٌ أعزَّ مِن الدَّعوةِ إلى الله -جلَّ وعلا- ولذلك كانت أشرفَ المقاماتِ، وأعلى المنازلِ، وأرفعَ ما يكونُ مِن الوظائفِ، كما ذكرَ ذلك غيرُ واحدٍ مِن أهلِ العلمِ.
ونَقلَ ابنُ القيِّم -رحمه الله تعالى- كلامًا لطيفًا فِي الإشارةِ إلى منزلةِ الدَّعوةِ إلى اللهِ -سبحانه وتعالى.
وإذا أردتَّ أن تَعرِفَ ذلك علَى سبيلِ التَّقريبِ وليسَ على سَبيلِ التَّمثيلِ؛ لأنَّ هذا لا يكاد يُقاربه ولا يماثُله، ولا يُسامته، ولا يُسامِيه شيءٌ.
مِن يبيعِ الحشراتِ كمَن يبيع الذَّهبَ؟! شتَّان ما بينهما. فكلُّ ذلك حُطامٌ.
مَن يتحدَّث عن الدُّنيا كمَن يتحدَّث عن الآخرة؟! لا، فبينَ ذلك فرقٌ شاسعٌ، هذه فانية، وتلكَ باقية، تلكَ فيها جنَّةٌ ونارٌ، وهذه إنَّما هي دارُ ابتلاءٍ وتمحيصٍ وتنغيصٍ، ليس فيها صفوٌ إلا ويتبعه كدرٌ وبلاءٌ ومحنةٌ.
فإذا كان الأمر كذلك، فكيفَ تكون الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا! فلا يساويها دعوةٌ إلى الخلقِ، ولا دعوةٌ إلى أحدٍ، ولا دعوةٌ إلى أمرٍ، فالفرقُ بينها كالفرقِ بين السَّماءِ والأرضِ، وكالفرقِ بينَ الحقِّ والخلقِ.
وهذا الحديثُ الكلامُ عليه يطولُ، وربَّما يرجعُ إلينا الحديثُ فيه مِن جهةِ أهمِّ أولويات الدَّعوةِ.
وأهمُّ ما يُدعَى إليه وهو: تَوحيدُ الله -جلَّ وعلا- وعبادتِه، لكن لا ننفَكُّ مِن العلم مِن أنَّ بعضَ الفضائلِ مصدرها الأهميَّة، أو الأولويَّة أو غيرها، فبينهما تقاربٌ وتداخلٌ؛ لأنَّ الحديثَ والبابَ واحدٌ.
نرجعُ إلى أنَّ هذه أشرف الوظائف، ولذلك كانت وظيفةُ الأنبياءِ والرُّسلِ، وهذا هو الذي بالتَّحديد قد انتهى بنا الحديث إليه، حينما ذكرنا كم في كتاب الله -جلَّ وعلا- مِن آيةٍ فيها سِياقُ دعوةِ أنبياءِ الله -جلَّ وعلا- ورسلِه لأقوامِهم وأهلِيهم وبلدانِهم، وكم تكرَّرَ ذلك في كتابِ اللهِ مِن مرَّةٍ، وأُعيدَ فيه الحديثُ مِن كرَّةٍ، على أيِّ شيءٍ يدلُّ ذلك؟ حينما تأتي إلى ما في سورة آل عمران، سورة الأعراف، سورة هود، سورة يوسف، سورة الشعراء، سورة غافر، وكلِّ الآياتِ في كتابِ اللهِ -جلَّ وعلا- فيها معرضٍ للحديثِ عن ذلك، لكن هذه مِن أبرزها، وفيها معانٍ تخصُّها، وإلا ما مِن سورةٍ مِن كتابِ اللهِ -جلَّ وعلا- يكاد يخلو فيها الحديث عن الدَّعوةِ إلى اللهِ -سبحانه وتعالى، ودعوةِ الأنبياءِ والرُّسلِ، ولأجلِ ذلك قالَ اللهُ -سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، فهذا فيه إشارةٌ إلى ما ذكرنا من الدَّعوةَ إلى توحيدِ الله، وفيه الإشارة إلى أنَّها وظيفةُ الأنبياءِ والرُّسلِ، ومثلُ ذلك آيات كثيرة، كقول الله -جلَّ وعلا: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165].
أَطلِقْ ما تريده مِن الأحاديثِ والدَّلائل، فستجدْ أنَّها تعودُ إلى أنَّ هذه وظيفة أنبياءِ الله -جلَّ وعلا- ورسلِه.
إذن، هذا مِن الأهميَّة بمكان، لو قيل لك: هل شيءٌ أعظمَ مِن أن تَخلُصَ وتَنزلَ وتَعتليَ وظيفةً كانت وظيفةً لإبراهيمَ ولنوح ولموسى ولعيسى ولمحمدٍ صلى الله عليه وسلم؟
والله لو كان مُلكًا، أو رئاسةً، أو وزارةً، أو تجارةً، أو جاهًا، أو قُلْ ما شئتَ، فلن يكونَ بأعظمَ مِن أن تَسلكَ سبيلَهم، وأن تتخلَّقَ بأخلاقِهم، وتُمسكَ بزمامِ وظيفتِهم التي بعثَهم الله -جلَّ وعلا- لأجلِها.
وأذكرُ في هذا أنَّي كنتُ مرةً في إحدى لقاءاتنا بأحدِ رجالِ الأعمالِ، تَجَارَى بيننا الحديثَ عن الدَّعوةِ، فقلتُ له: دَع عنكَ كثير من الأحاديث والحواراتِ والجدالِ ونحوِه، لكن مَا أنت فيه الآن من حالٍ، وغفلةٍ، وشهواتٍ، ونساءٍ، وما ألِفَه كثيرٌ مِن هؤلاءِ الذين لم يؤمنوا بالله واليومِ الآخرِ، أهو خير؟ أم ما كان عليه أنبياءُ الله -جلَّ وعلا- ورسلُه مِن التخلُّقِ بالأخلاقِ الطَّيِّبةِ والتَّرفُّعِ في تِلك المنازلِ والدَّرجاتِ ونحوِها؟
هل مَا أنتم فيه على هذا السَّمتُ؟ أو لا؟
فقال: لا قطعًا، لسنا على سمتِ الأنبياءِ.
قلتُ: أيُّها أفضل؟ هذا أو ذاك؟
قال: بلا شكٍّ، أنَّ هذا أفضل، فقال لي -وهو كافر لم يؤمن بالله جلَّ وعلا: لو لم أؤمن، فإنَّ هذه أنفسُ نصيحةٍ سمعتُها في حياتي.
فإذن، العلمُ بأنَّ هذه الوظيفة أعظم الوظائف، هذا مِن أعظم ما يدعو الإنسان إلى أن يَفرح بها، وأن يستمسك بها، وأن يتأهب لها، وهذا سيأتي الحديثُ عنه، أيضًا لمَّا كانت وظيفةً شريفةً فلا يُظنُّ أنَّ كلَّ سالكٍ لها يَقدرُ أن يُمسك بزمامِها، وأن يتربَّع على عرشِها بدونِ أن يَبذلَ ويجتهدَ، ويتعلَّمَ ويَعلمَ، ويُمضي لأجلِ ذلك وقتًا طويلًا، ودهرًا مِن حياتِه كبيرًا.
نأتي إلى بعضِ الأدلَّةِ؛ حتى ما يطول بنا الحديث؛ لأنَّ الأحاديث في هذا لو أخذناها لربما أخذت جُلَّ هذه المجالسِ، لكن سنجعلها في بعضِ هذه الجَلسة، وأيضًا نبحثَ مباحثَ أخرى مناسبةً للحالِ الآن.
قولُ الله -جلَّ وعلا- في الدَّلالةِ على أهميَّة الدَّعوةِ إلى الله -جلَّ وعلا:
فائدة: يصحُّ أن نقول "دِلالة" بكسر الدال، و"دَلالة" بفتحها.
قول الله -سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].
هذه الآية مِن أعظمِ الآياتِ الدَّالة على شرفِ الدَّعوةِ إلى الله -سبحانه وتعالى- وعظيمِ منزلتِها، وجاءت بالاستفهام، وهو استفهام تقريري، يعني لا شيءَ أحسنَ، نفيٌ لتقريرِ أنَّ الدَّعوةَ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- أحسن الأشياء، ومِن المتقرِّر في عِلمِ الأصولِ: أنَّ الاستفهام في سياق النَّكرة يدلُّ على العموم، يعني لا شيءَ أحسنَ مِن ذلك، لا شيءَ أتمَّ مِن ذلك، لا شيءَ في هذه الدُّنيا يُمكنُ أن يكونَ مثلَ الدَّعوةِ إلى اللهِ -سبحانه وتعالى- والوصول إلى هذه المنزلة.
الآياتُ في ذلك أيضًا كثيرة، لمَّا يقول الله -جل وعلا: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، هذه آية عظيمة، فإنَّ فيها خصوصيَّة ليست لأمَّة مِن الأممِ ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، ما خيريتها؟ ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، ولذلك أشار ابن كثير -رحمه الله تعالى- إلى كلامٍ لطيفٍ في هذا، ومِن ضِمنِ مَا ذكرَه في ذلك أنَّه نقل مَا جاءَ عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- قوله: إنَّ خيرية هذه الأُمَّة في تحصيلِ هذه الوظيفة، وهي الأمرُ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكرِ، قال: ومَن لم يتَّصِف بها فإنَّه سيُلحقه شرٌّ ما كان في الأممِ السَّابقة، ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 79].
فتأمَّل هذه الخيريَّة، وتأمَّل ضدَّها؛ لتعرِفَ أين منزلتك في ذلك.
هذه إذن آيات ودلالات مِن كتابِ الله -جلَّ وعلا- دالَّةٌ على هذا. لو استرسلنا لرأينا أيضًا آيات نحوًا مِن هذه الآية في الدَّلالةِ على منزلةِ الدَّعوةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- ولكن يمكن أن نكتفي بها مِن جهة الآيات.
وجاء عن الحسن البصري في قول الله -جلَّ وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلً﴾ [فصلت: 33] كلام لطيف، قال: "هَذَا حَبِيبُ اللَّهِ، هَذَا وَلِيُّ اللَّهِ، هَذَا صَفْوَةُ اللَّهِ، هَذَا خِيرَةُ اللَّهِ، هَذَا أَحَبُّ أَهْلِ الأَرْضِ إِلَى اللَّهِ، أَجَابَ اللَّهَ فِي دَعْوَتِهِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى مَا أَجَابَ اللَّهَ فِيهِ مِنْ دَعْوَتِهِ، وَعَمِلَ صَالِحًا فِي إِجَابَتِهِ، وَقَالَ: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ هَذَا خَلِيفَةُ اللَّهِ" ، فهي إشارةٌ إلى حقيقة الدَّاعي إلى اللهِ -سبحانه وتعالى- ومَا تسلَّمه مِن لواءِ الدَّعوةِ إلى الله -سبحانه وتعالى- وتحقيق التَّوحيد للهِ، وهداية النَّاس إليه.
الأحاديث في ذلك نحوًا من دلالات الآيات هي كثيرة جدًّا، ومشهورة لكم، لكن لعلَّ في تكرارها تأكيدٌ لها، وأيضًا إشارةٌ إلى أهمِّها.
فمِن أشهرِ ذلك: مَا جاء في حديثِ سهل بن سعد السَّاعدي في حديث علي -رضي الله تعالى عنه- أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجَلًا وَاحِدًا، خيرٌ لَكَ مِنْ أنْ يَكُونَ لَكَ حمرُ النَّعَمِ» .
حمرُ النَّعَمِ: هي الإبل، وكانت الإبل أعظم ما يُتَمَلَّك ويُتفاخَر به عند العرب، فكان هدايةُ الخلق،ودعوتهم إلى الله -جلَّ وعلا- أعظم مِن امتلاكِ تلكَ الإبلِ الحسناء، التي يتفاخر النَّاسُ بها، ويتعاظَمون، ويسودون، ويتوجَّهون.
مهما كان الإنسانُ لا يُعبأ بِه، مهما كان الإنسانُ ليسَ ذا مالٍ، مهما كان الإنسانُ ربَّما كان قليلَ ذاتِ اليدِ، لباسَه مُرقَّع، أو حالته كفاف، فلأن يُهدى فيكون داعيًا إلى الله فيَهدِي به الخلق؛ خيرٌ ممَّن صفَّقت له الجماهير، أو تداعى النَّاس إليه، أو تسامعوا بجاهِه، أو أعلَنوا بذلك عبرَ ما جدَّ للنَّاس مِن هذه المواقع، في الإشادَةِ به بذكرِ أنواعِ ماله، ما وَصَل إليه مِن الحالِ، وما ارتفع بِه مِن المنزلة، خصائص اعتادها في حياته لا يكاد النَّاس يسمعونَ بها، كلُّ ذلك لا يفيد، إنَّما الذي يُفيد هو هذا، ولذلك إذا أردتَّ أن تعرفَ هذا، فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لمَّا ذكر «مَن أعتقَ رَقَبةً أعْتَقَ اللهُ بِه بِكلِّ عُضوٍ مِنه عُضوًا مِن النَّارِ» ، هذا في إعتاقه مِن رقِّ البشرِ، فكيفَ إذا كان ذلك إعتاقًا لَه من عبوديَّة غيرِ الله -جلَّ وعلا؟ فإنَّه أعظم، وأزكى، وأرفع عند الله -سبحانه وتعالى.
وأيضًا مِن الأدلَّة في هذا: مَا جاء فِي الحديثِ الذي في الصَّحيح: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئً» .
وفي الرِّواية المشهورة: «مَنْ سَنَّ فِي الإسْلَامِ سَنَّةً حَسَنَةً» ، وكلاهما في الصحيح، هذا أيضًا دالٌّ على عِظم هذه المنزلة، وحسبك إن لم يستطع الإنسان أن يعرف ما بلَغت دعوته، لكنَّ اللهَ -جلَّ وعلا- لا تخفَى عليه خافية، فربَّما قلْتَ كلمةً، ولم يَعبأ النَّاسُ بها، لكن تلقَّاها متلقٍ، فتلقَّاها عَن آخرٍ، فتلقَّاها عنه رابعٌ، فتلقَّى عن الرَّابعِ خامسٌ إلى السَّادسِ إلى العَاشرِ، والعَاشرُ تلقَّاها مِنه مئاتٌ أو آلافٌ أو ملايين النَّاس، فكان الأجرُ الأوَّل لصاحبِه، وربَّما كان قد فنيَ، وربَّما كان قد ماتَ، وتحلَّلت أجزاؤه، لكن أجرَه باقٍ في دَعوته إلى الله -سبحانه وتعالى.
طبعًا الأحاديث مقاربة كثيرة متنوعة، النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا قال: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» ، فيه من الدَّلالةِ على تمامِ أجورِ الدُّعاةِ إلى الله -جلَّ وعلا- وتضاعف فضلهم.
إذن، مادام أنَّ هذه أدلَّة، وهي لا تعدو أن تكون بعضًا مِن كمٍّ كثيرٍ في الدَّلالة على الدَّعوةِ إلى دينِ الله، والتَّرغيبِ فيها، وحثِّ النَّاسِ على هذه المنزلة، والقيامِ بها، يدلُّنا على فضلِ الدَّعوةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- وأنَّ هذه المجالس التي تُعنى بالكلامِ على الدَّعوةِ إلى اللهِ وفقهِهَا، وما يتعلَّق بها، هي مجالس -بإذن الله- نرجوا أن تكونَ سببًا لأنْ ندخلَ في هذا الفضلِ، وأن نتداعَى إليه، لعلَّ اللهَ -سبحانه وتعالى- أن يُدخلنا في هذه الفضيلة، ولو قَصرنا عن هذه المنزلةِ والوظيفةِ، فإنَّ فضلَ الله عظيم، وإنَّ أجرَه كبيرٌ، يعطي على القليلِ كثيرًا، وعلى العملِ الصَّغيرِ أجرًا كبيرًا -جلَّ في عُلاه.
هذه أيُّها الإخوة إشارةٌ لِما ذكرتُ لكم، فلو أردنا أن نسترسل هنا وهناك، لأشرنا لكم بأشياء كثيرة، فنحن اقتطعنا الحديثَ عن الأنبياءِ والرُّسلِ في أنَّ هذه وظيفتهم، لكن إذا تكلمنا على سبيل التَّفصيلِ سيطولُ بنا الحديث، سنتتعرَّف على دعوة الأنبياء والرُّسل وفضل الدَّعوة، كم لاقوا من أجلِ ذلك مِن البلاءِ والتَّعبِ والنَّصبِ والمشقَّةِ ورُغِموا عليها حتى طُردوا مِن ديارِهم، لا يكاد أحد يبقى على الدَّعوةِ حتى يُبعَد من بلدِه مِن أنبياء الله -جلَّ وعلا- ورسله، وهذا مشهور: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُم» ؟ قال ذاك: ما أتى أحد بنحو ما أتيت به إلا أُخرج من بلده، والآيات في هذا كثيرة، والدِّلالات في هذا متنوعة.
تعالَ انظر إلى كم مكَثَ الرُّسل وهم يدعون؟ هذا نوح على سبيل المثال، ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، يعني النَّاس حينما يتداعون إلى شيء مرةً بعد أخرى، ويتداعون إليه في وسيلةٍ وثانيةٍ وثالثةٍ، لا يأتي عليهم يوم أو يومين، أو ثلاثة، أو أربعة، حتى يملُّوا ويكلُّوا، فلو أنَّ هذا أمرٌ عظيمٌ، وشيءٌ كبيرٌ، ومنزلةٌ رفيعةٌ، لَما كان له لأن يمكث فيه هذا الدَّهر كله -ألف سنة إلا خمسين عامًا.
تعالَ إلى ما ضحوا به، ربَّما ضحُّوا بأنفسِهم، ربّما ضحُّوا بأموالِهم، ربَّما ضحُّوا بأزواجِهم وأولادِهم، وتَرَكَ النَّبيُّ ولده، وتَرَكَ النَّبيُّ زوجَه، وفي هذا قَصَصٌ مشهورة معروفة، أليس كذلك؟
إذن، لو خُضنا إلى نواحٍ من التَّفصيل، لرأينا في ذلك كمًّا هائلًا يدلُّ على عِظم هذه المنزلة، وفضلِ الدَّعوة إلى اللهِ -سبحانه وتعالى- لكن لعلَّ في الإشارة ما يغني عن كثيرٍ مِن العبارةِ.
ما نُريد أن نقوله: هذا الذي حفَّزَ النُّفوسَ، وشحَذَ الهِممَ للدَّعوةِ إلى اللهِ -سبحانه وتعالى- لابدَّ أن يكونَ على أصلٍ صحيحٍ، وسيأتي الحديثُ بإذن الله -جلَّ وعلا- بشيءٍ من التَّفصيلِ عن ذلك؛ لأنَّ بعضَ النَّاسِ سَمِعَ عن فضلِ الدَّعوةِ، فأرادَ أن يَتسلَّمَ اللِّواءَ، وهو ليسَ بأهلٍ، فيدعو النَّاس إلى جهلٍ فيتخبَّط، يومًا يُصيبُ الحقَّ، ومرةً لا يصيبه، ومرةً يأتي بالشَّيءِ على وجهِه، ومرةً يصرِفُ النَّاسَ عن الحقِّ إلى الضَّلالِ، فهذا فلا يُؤخذ الفَضلُ مُنْبَتًّا، ثم يُتداعى النَّاس إلى شيءٍ لا يعرفونَه، إنَّما يؤمَر بالشَّيءِ على وجهِه، ووجهُه الذي أمرَ اللهُ -جلَّ وعلا- بِه سيأتي مِن التَّسلُّحِ بسلاحِ العلمِ والإخلاصِ، وما يتبعُ ذلك مِن أشياء، ومِن أعظمِ ما يُذكر في هذا: أنَّ الله -جلَّ وعلا- جعلَ الدَّعوةَ نوعًا مِن الجهادِ ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بهِ جِهَادًا كَبِيرً﴾ [الفرقان: 52]، "جَاهِدْهُم بهِ" الضَّمير راجعٌ إلى ماذا؟ إلى القرآن، ولأجلِ ذلك جاءَ عن ابنِ عباس، قال: "جاهدهم بالحجة والبيان" ، والجهاد معلوم منزلته، ولمَّا كانت الدَّعوة إلى دينٍ -جلَّ وعلا- لا تتحصَّل إلى بهذين، بالسَّيف والسَّنان، وبالحجَّةِ والبيانِ، فإنَّ الحجة والبيان أصعب مِن السَّيفِ والسَّنان، لماذا؟ لأنَّ كلَّ مَن حملَ سلاحًا يستطيع أن يُقاتل، إن كان ضعيفًا أو قويًّا، لكن بابَ الحجَّةِ والبيانِ يحتاج إلى جهدٍ جهيدٍ، وعملٍ طويلٍ، وتفانٍ في الأوقاتِ، وتعرُّضٍ للأشياخِ ولمجالسِ العلمِ وغيرها، حتى يتَصدَّر الإنسان لواءَ الدَّعوةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا.
ولذلك كان الدُّعاة قليل مقارنة بمَن جاهدوا في سبيل الله -جلَّ وعلا- بأنفسِهم وبأسيافِهم وعدَّتِهم وعتادِهم.
ننتقل بعد ذلك إلى مسألةٍ ربَّما لا تكون بعيدة عن الحديث عن فضلِ الدَّعوةِ إلى الله -جلَّ وعلا- ألا وهي: الحاجةُ إلى الدَّعوةِ، نحنُ عرفنا الفضلَ، لكن هل نحن محتاجون إلى الدَّعوةِ إلى اللهِ -سبحانه وتعالى؟
وهذا لا يعدو أن يكونَ مؤيِّدًا أيضًا لفضلِ الدَّعوةِ إلى اللهِ -سبحانه وتعالى- لأنَّ كلَّ شيءٍ احتجنا إليهِ فهو دليلٌ على أهميَّته، وأهميَّته تعود بذلك إلى منزلَتِه، إلى فضلِه، إلى رفيعِ ما يتعلَّق بِه منَ الأجرِ والثَّوابِ مِن عندِ الله -سبحانه وتعالى.
كيفَ نتعرَّف إلى الحاجةِ إلى الدَّعوةِ إلى الله -سبحانه وتعالى؟
{أحسن الله إليك، لمَّا كانَ الإنسانُ يتكوَّن من بدنٍ وروحٍ، وكان البدنُ غذاؤه الطَّعام والشَّراب، فكانت الرُّوح غذاؤها المعرفة بالله -سبحانه وتعالى- والقيام على أمرِه، فلا ينفك بدنٌ مِن روحٍ، فمِن هذه النَّاحية يدلُّ على الحاجة}.
أحسنت يا سعيد، هذا جواب لطيف، وبداية مُشرقة بإذن الله -جلَّ وعلا- في الكلامِ على هذا الموضوع، فهذه الأبدان إنَّما هي سفينة الأرواح، والأرواح هي التي لها الحياة، فإذا كانت الأبدان تحيا بالشَّرابِ والطَّعام، وبكسرةِ الخبزِ ولقمَة العيشِ، فإنَّما تحيا الأرواحُ بكتابِ الله -جلَّ وعلا- وبما يُصفِّيها، ويُذهب عنها دَرنَها، كالتعلُّق بغيرِ الله، والتعلُّق بالمخلوقين، والتعلُّق بمَا لا ينفع شيئًا، ولا يُعطي خيرًا؛ فمتى ما صَفَت النَّفسُ عن ذلك وترفَّعت؛ انقادت وتذلَّلت وخضعت، وعبَدت الله -جلَّ وعلا- الذي يستحقُّ العبادة، تسجد ولا تسجد إلا لله، تذبح ولا تذبح إلا لله -جلَّ وعلا- كل ذلك يتحقَّق به العلم بالحاجة إلى الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا-،التي بها تحيا الأرواح، فكما أنَّا نظنُّ أنَّ أهلَ هذه الأرض في شرقِها أو غربِها، أو شمالِها أو جنوبِها، أو أحدًا كائنًا من كان، في عرض جبل، أو في بطنِ وادٍ في المدينة، أو في الغابة، أو على حافةِ نهرٍ، أو غير ذلك، متعلم أو غيره؛ لا يمكن أن ينقطع عن الطَّعامِ والشَّرابِ، فكذلك حتى تحيا الأرواح فإنَّه لا ينبغي أن يُقطع النَّاس أو يُحال بينهم وبين حياة أرواحهم.
وهذا هو الذي يجرُّنا أو يستدرِجُ الحديثَ إلى حاجةِ النَّاسِ، ما وصلَ إليه البشريَّة، كيفَ وصلَت البشريَّة في هذه الأزمنة؟ ومنذ زمنٍ بعيدٍ مِن التُّرَّهات، ومِن البلاءات، مِن الشُّرورِ، مِن الانقطاعِ والضَّلالِ والغِوايَة، هؤلاء الذين عبدوا غير الله -جلَّ وعلا- فلم يَردَّهم شيءٌ حتى عبدوا أهل القبور الذين لا يصنعون شيئًا، فهم أمواتٌ غير أحياء، والذين عبدوا الشَّجرَ والبقرَ، الذين عبدوا حتى الفئران والحشرات، يعني أيُّ بلاءٍ وصلَ إليه النَّاس أعظم مِن هذا البلاء؟
فإذا حصلَ الآن في الأرض وباء، ومات عشرة أو عشرين أو خمسين في بلد؛ أعلنوا أنَّه وباء عالمي، وتتم محاصرته، والحجر الصِّحي، وما يسافر أحد إلى هذا البلد، ويسوون إجراءات السَّلامة والوقاية عبر الطَّائرات، أليس كذلك؟ ويموت عشرة أو مائة وقد تلطَّخوا بالشِّرك وعبادة غير الله -جلَّ وعلا- حتى مَن كانوا على عبادة الله مِن النَّصارى، ما حصل عندهم مِن البقاء على ملتهم مع علمهم بما يلحق دعوتهم من دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الإسلام الذي أُمروا باتِّباعه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أحد من هذه الأمة لا يَهُودِيٌّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كانَ مِنْ أَصْحَابِ النار» .
هذا يدلُّكَ على عِظم ما وَصلَ إليه النَّاسُ من الارتكاسِ، وإذا ذهبنا إلى الأدغال أو الغابات، أو أهلِ الجهالاتِ، مَن لم تتابعهم عدساتُ التَّصويرِ، وتُظهرهم إلى العالم، فهذا شيءٌ لا يحيطُ به إلا الله -سبحانه وتعالى- مِن أنواع البلاءِ والفتنةِ والشَّرِ والمِحنَة التي وصلت بالنَّاس. فهذا الذي نتكلَّم عليه هو ما نُقل وشُوهد وعُلم، فكيف بمَا لم يُنقل! وهو أكثر؟
إذا انتقلنا إلى ما هو أخصُّ، دع عنك من لم يؤمن بالله -جلَّ وعلا- حتى الذين آمنوا، حتى الذين قالوا: لا إله إلا الله، الذين يرفعون الشَّهادة في كلِّ صباحٍ ومساءٍ، ويشهدون أنَّ محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما حالهم في صلاح عبادتهم، في استقامة دينهم، في معرفتهم بشرائع ربهم؟ سواءٌ في ما كان أهمِّ الأمورِ، وألزَمِ الأشياء، وأهمِّ المهمَّاتِ مِن شرائعِ الإسلامِ الخمسِ، أو ركائزه الخمس، أو مَا يتبَع ذلك مِن أحكامٍ وتعاملاتٍ وغيرها؛ فالجهلُ فاشٍ في النَّاسِ، ونخشَى أن يكون هذا الوقت قرب من الوقت الذي بلَّغ به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم- إن لم يكن هو، «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ» .
الضَّلالُ كثيرٌ، البلاءُ كثيرٌ، سواءً كان في ذلك ممَّا يتعلَّق بالأعمالِ الشِّركيَّة، أو كان ما يتعلَّقُ بالأعمالِ البدعيَّة، ما يتعلَّقُ بالأهواءِ، ما يتعلَّقُ بالطَّرائقِ المنحرفةِ، سواء فيمَن يسُبُّ آلَ النَّبيِّ، أو يسُبُّ أصحابَه، أو يَخرجُ ويستبيحُ دماءَ المسلمين، قلْ مثلَ ذلك أشياءَ كثيرةً جدًّا، مَن يتعبَّدون ويجهِدُون أنفسَهم لكن على ضلالةٍ وعلى بلاءٍ وفتنةٍ، وهذا حديثٌ لو استنطقنا الحجرَ لنطقَ مِن شِدَّة ما وصلَ إليه الأمرُ، حتى تعبَّدَ النَّاسُ بما لا يكاد يصدُّقه العاقل مِن الارتكاسِ في الجهلِ والبلاءِ والفتنةِ.
هذا إلى أي شيءٍ يدعونا؟
إلى أن نؤدِّيَ الواجبَ الذي أوجبه الله -جلَّ وعلا- علينا، إلى أن نتحمَّلَ هذه الحِمالة ونأخذَها بجدٍّ وبحقِّها، ولذلك قال الله -جلَّ وعلا- عن نبيِّه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلً﴾ [المزمل: 5]، ليسَ بالأمرِ اليَسيرِ، ليس بالأمرِ الصَّغيرِ، ولكنَّه قولٌ ثقيلٌ، وإذا كان هذا صفيُّه مِن خلقِه، ومع ذلك بيَّنَ الله عِظم هذا القول الذي سيتلقَّاه، ولذلك كان إذا أوحي إليه يتصفَّدُ جبينَه عرقًا في شدَّة البردِ ، من عِظَمِ هذا الأمر، للدَّلالةِ على كبره وأهميَّته، فإذا كان هذا هو حال نبيِّنا، فلنعلم أنَّا كذلك، ولما عظُمت الحاجة، تعلَّقت بنا عِظَم المسئوليَّة.
إذن، إذا كان للدَّعوةِ فضلٌ وأهميَّةٌ مِن جهةِ مَا جاء فيها من النُّصوص، ومِن جهةِ مَا تعلَّق بِها مِن الأجرِ والثَّوابِ، ومِن جهةِ مَا يحصلُ بها مِن الخيرِ والهُدى، فإنَّ ذلك يَعظُم بما شاَعَ في النَّاسِ مِن الجهالاتِ، وما انتشرَ مِن البدعِ والضَّلالاتِ، ومَا عمَّ وطمَّ، حتى صَار كالبحر ِالمتلاطمِ، كالأمواجِ الهائجةِ، التي أغرقَت جُموعَ المسلمين، إلا مَن رحمَ الله -جلَّ وعلا- فاستنار بنورِ العلمِ، واستعصم بهديِ الكتابِ والسُّنَّة، فأنارَ الله بصيرَته، وعبدَ الله -جلَّ وعلا- على هدًى وصوابٍ.
إذن، هذا أمرٌ مهمٌّ، يجبُ أن تتنبهوا له.
جانبٌ آخرٌ إذا نظرنا إليه هو كالمكمِّل لهذا الجانب، وهو عِظم وكثرة مَن يتصدَّى للدَّعوةِ إلى الباطلِ، سواءً الدَّعوة إلى الوثنيَّة، الدَّعوة إلى الإشراكِ بالله -جل وعلا- الدَّعوة إلى الأديانِ المبدَّلة والمنسوخة، كم جُنِّدَ لذلك مِن أناس؟ كيف وصلوا إلى أطرافِ الجبالِ؟ إلى بلادٍ لا يكاد يُوصل إليها، كيف أنفقوا مِن أموالٍ ومليارات؟ كيف جَنَّدُوا لأجل ذلك مِن قنواتٍ ووسائلَ إعلامٍ؟ بل إنَّكم لتعلَمون أنَّه سُخِّرت سياساتُ دولٍ، وتبعَت ذلك التَّسهيلات مِن دعوة النَّاسِ إلى الضَّلالِ ما لا يُعدُّ ولا يُحصى، وهذا أمرٌ لا يكاد يخفى، حتى إنَّ الحروب التي هي الحروب، والتي يكون بها الطَّردُ والتَّشريد والتَّقتيل والحبس والسِّجن وإلى غير ذلك يأبون إلا أن تُستغَل للتَّهويدِ والتَّنصيرِ والدَّعوةِ إلى تلك الدِّيانات الباطلة.
هذا مِن جانب، ننتقل إلى الجانب الآخر، مثلَ ما قلنا في الأوَّلِ، فإذا ما نظرنا إلى المسلمين كم من الدَّعوات الضَّالة التي تأتي عليهم؛ أليست دعوات كثيرة يا إخوان؟ كثيرة للغاية، يعني الدَّعوة إلى المناهج المنحرفة، الدَّعوة إلى الأفكارِ الباطلة، الدَّعوة إلى المعاني المضلِّلة، سواءٌ كان ذلك إلى عباداتِ طقوس صوفيَّة، أو إلى مسالِك منحرفة، أو تشويه الإسلام بالليبراليَّة، أو العلمانيَّة، أو كان ذلك، وهو الذي اصْطَلَى النَّاسُ بنارِه في هذا الوقت، وهي ما جرى مِن استباحة الدِّماء، وتكفيرِ النَّاسِ، والإسهال في القتل والتَّشريدِ، والبلاءِ على الإسلام والمسلمين.
وأعظمُ ما في ذلك أنَّها شوَّهت صورتَه، ورآها النَّاسُ بغيرِ المعين الصَّافي، الذي جاء به نبيُّنا صلى الله عليه وسلم، وتبعَ ذلك البلاء على المسلمين، حتى تداعَى الشَّرقُ والغرب بسبب هذه الممارسات إلى الشَّرِّ الكبير والبلاء العظيم.
نأتي إلى جانبٍ ثالث، وهو ثالث ما يدلُّ على الحاجةِ إلى الدَّعوةِ إلى الله -جلَّ وعلا: هؤلاء المتصدُّون ما حالهم؟ كثيرٌ منهم أجهلُ مِن حِمار أهلِه، جهل كثير مع ما أوتي مِن العاطفةِ والبَذلِ والتَّضحيةِ والسَّفرِ والتَّجردِ وتَركِ كثيرٍ مِن حظوظِ الدُّنيا وشهواتِها، والانغماسِ في رغباتِها، وخلَّص نفسَه ليدعو إلى الله -جلَّ وعلا- لكنَّ دعوتَه كانت على غيرِ أساسٍ، على غيرِ أصلٍ، على غيرِ منهاجٍ رصينٍ، فأشبَه ممَّن يزيدُ الطِّينَ بلَّةً، والبلاءَ بلاءً، فلمَّا تصدَّى للدَّعوةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا- هؤلاء الجهلة، هؤلاء الذين شوَّهوا صورة الإسلام، هؤلاء الذين يدعُون إلى غيرِ دينِ الله -جلَّ وعلا-، وإن ظنُّوا أنَّهم على هدًى أو حقٍّ أو صوابٍ، هذا ممَّا يزيدُ في أهميَّة أو في الحاجة إلى الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- لمَن استطاعَ أن يعرفَ مقامَه فيها، وأن يُؤدِّيَ حقَّها، وأن يقومَ بها على منهاجِ النُّبوَّة، على دعوةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، بعلمٍ وهدًى، وبصيرةٍ ونُهًى، وبُعدٍ عن الضَّلالاتِ والرَّدى.
ولو استعرضنا أمثلةً، أو دخلنا في بعضِ التَّيَّاراتِ، لرأينا في ذلك شيئًا كثيرًا، أعظم من هذا أيضًا وهو أمرٌ مهمٌّ لابدَّ أن تتنبهوا له، أنَّ ممَّن تصدَّى إلى الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- أناسٌ جُنِّدوا لتشويه الإسلام، فأرادوا أن يختزلوا الإسلام في مظاهرٍ، أو في شعاراتٍ، أو في بعضِ العباداتِ، ويُنَحُّوا الإسلام برمَّتِه عن حياةِ النَّاسِ، وعن قلوبِهم، وعن أيامِهم ولياليهم، فجعلوا ذلك إمَّا في بعضِ الشَّعائِر أو في بعضِ الممارسات وانتهوا، بعضُهم يجعلُه في الصَّلاة والزَّكاة، أوفي الصَّلاة والحجِّ، أو في الصِّيام، بعض الأشياء الأخرى، بعضهم يجعلها في النِّكاح أو المواريث أو غيرها، وما سوى ذلك يكون النَّاس فيه سواء.
أيضًا جعلُ بعضِ الشِّعارات الزَّائفة التي يُروِّج لها الكفَّارُ ومَن جَهلِ مِن أهل الإسلام فأرادَ أن يُسوِّق مثلًا الشُّيوعيَّة على أنَّها شيء مِن الإسلام، أو أنَّ الإسلام جاء بها، أو الدِّيمقراطيِّة، أو غيرِ ذلك، أو حتى بعض الأشياء الباطلة، كبعض الدَّورات التي يتعاطاها النَّاس إنَّما هي مستقاةٌ من دياناتِ البوذيِّين وغيرها من دياناتٍ شركيَّةٍ، أُلبست بلبوس بعضِ الأدلَّة، أجيب بما يسندها من بعض ما جاء في السُّنَّة النَّبويَّة، فَظُنَّ أنَّ ذلك أصلٌ لها، فَصُحِّحَ كلُّ ما جاء في تلك الدَّورات، فابتُلي النَّاسُ في ذلك ببلاءٍ عظيمٍ.
إذن، هذا كله يدلُّ على أهميَّة والحاجة إلى الدَّعوةِ إلى الله -سبحانه وتعالى.
وكما قلتُ لكم: لو استرسلنا فالحديث في هذا طويل، لكن هذه إشارات سريعة؛ حتى ندخل إلى ما نحن بصدده مِن مسائل في فقه الدَّعوة إلى الله -سبحانه وتعالى.
تعالوا إلى أمرٍ قريبٍ مكملٍ لما ذكرناه: ما جاء في السُّنَّة من الدَّعوة إلى الله، البلاغ، تأدية الهدى، الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وجاءت بعضُ الأدلَّة في هذا، أو بعض الألفاظ، كلُّها متقاربة، من ذلك: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى...» ، «لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجَلًا وَاحِدًا...» ، «مَنْ دَلَّ...» ، الدَّلالة والإرشاد ونحو ذلك، «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» ، البلاغ والتَّبيين والتَّوضيح. أيضًا: «نَضَّرَ اللَّهُ امَرءا سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَ» ، إذن التَّأدية والبلاغ جانبٌ منها. «لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ» ، «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» ، كلُّها تدلُّ على أمرِ الدَّعوةِ إلى اللهِ -جلَّ وعلا.
هل بينها فرق؟
{لا أعتقد}.
"لا أعتقد"، هذه إجابة ليست مناسبة، يجب على طالب العلم أن يُعنى بالألفاظ الشَّرعيَّة، خاصةً في مقامِ التَّعليم، أو لغة العلم إن كان فقهًا.
قولة "لا أعتقد" الاعتقاد شيء معقودٌ عليه، لكن الأولى أن تقول: "لا يظهر لي، لا يتبين لي"، هذا في مقام التَّعلُّمِ يكونُ مناسبًا، ونحن الآن في هذا، أنت تسببت علينا بخيرٍ كثيرٍ؛ لأنَّه مِن الأشياء التي يكثر عند النَّاس تعاطيها، فنرجع إلى ما كنَّا عليه حتى ما ينتهي الوقت ونحن ما أكملنا هذه المسألة، فيه شيء عندك يا سعيد قبل ما نكمل؟
{أحسن الله إليك، نعم هناك فرق}.
هذا جواب لسؤال، نعم ما الفرق؟
{بعض هذه الأمور تعدُّ نوع خاص من أنواع الدَّعوة إلى الله، فمثلًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو نوع خاص من الدَّعوة إلى الله، ومن بلغ أو من سمع، هذا كذلك نوعٌ من أنواع الدَّعوة ونستطيع أن نقول: كلُّها تأتي تحتَ مظلَّةِ الدَّعوة إلى الله}.
طبعًا، هذا كلام جيد.
الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلا- جاءت بعبارة "الدَّعوة" وجاءت بعبارة "البلاغ والتَّأدية" وهكذا، وهذه تكاد تكون شيئًا واحدًا، لكنها أبواب مِن الدَّعوة إلى الله -سبحانه وتعالى.
هل الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر دعوة إلى الله -جلَّ وعلا-، وهل هما شيء واحد وأسماء لحقيقةٍ واحدة؟ أم بينهما فرق؟ ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 104]، هذه الآية بخصوصها هي التي حصلَ بسببها الكلام؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكرِ عُطِفَ على: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾، فبناءً على ذلك الأصل في العطف أنَّه يدلُّ على المغايرةِ والتَّباينِ، فهل الأمر بالمعروف والنَّهيِ عن المنكرِ مخالفًا للدَّعوةِ إلى الله -جلَّ وعلا؟
هذا فيه كلام، أكثر ما يُمكن أن يُقال: أنَّ بعضَ أهلِ العلم يقول: هي شيء واحد، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ بابٌ مِن أبوابِ الدَّعوةِ إلى الله -جلَّ وعلا.
وهنا يقول في الآية ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾، الخير: هو الإسلام.
والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ: الدَّعوة إلى ما في الإسلام من الخير والهدى وحثِّ النَّاس على الأمرِ والنَّهي ونحو ذلك.
ما حقيقةُ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكرِ؟ ما المعروف وما المنكر؟
المعروفُ: كلُّ ما أَمَر به الشَّارعُ، يعني المعروف ممَّا حصلَ العلم بِه والمعرفة، لكن المقصود هنا في باب الشَّرع: هو ما جاءت معرفته أمرًا معروفًا متقررًا مِن جهةِ الشَّارعِ، مِن جهةِ الكتابِ والسُّنَّة.
والمنكر: ما أنكره الشَّرعُ؛ لأنَّه ربَّما تُنكِر النُّفوس شيئًا ممَّا لا ترضاه، وهو صحيح، والعكس بالعكس، فبناءً على ذلك: لا اعتبار بالنُّفوسِ والأذواق وغيرها، وإنَّما الميزان ميزان الشَّرعِ.
منهم مَن قال: إنَّ بينهما فرق، فبعضهم نقل عن أبي العالية أنه قال: "الأمر بالمعروف: هو الدَّعوة إلى التَّوحيد، والنهي عن المنكر: هو الدَّعوة إلى النهي عن الإشراك" .
وقد يُقال أنَّ هذا ليس بصوابٍ، وقد نقول أنَّه على طريقةِ السَّلفِ أنَّ هذا الجواب هو جوابٌ بالمثالِ، وهذا مشهورٌ عندَ السَّلفِ كثيرًا، فيقصِد أنَّ هذا أعظمه، أو هذا بابه، أو هذا أتمُّ ما فيه وأكمل.
ومنهم مَن قال: إنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر -وهذا أخصُّ ما قيلَ وأهمُّ ما يمكنُ أن يُقال لمَن يُفرِّق بينهما- وهو: أنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، هو أخصُّ مِن الدَّعوةِ، فهو إبانةٌ عن الحقِّ في وقتِ الحاجة إليه، إمَّا لشخصٍ احتاجَ إلى أن يقوم بالواجب فلم يقم بِه، أو شخصٌ فعلَ مَا لا يجوزُ له فعله، فيجبُ التَّنبيه عليه، ويتحقَّق بذلك الأمر والنَّهي، والقيام بهذه الوظيفة والخصيصة، وهي خصيصة الأمر بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكرِ.
الدَّعوة بابُها أوسع، تأسيس، ابتداء، تنبيه، قد يكون فيه ما هو واجب، وما هو مستحبٌّ، وأمَّا التَّرقي في درجاتِ الفضائلِ فبابه أوسع، بل قد يدخل فيها من باب الإحسان إلى الخَلق وحثُّهم على ما يكون فيه صلاح أمور دنياهم، وهذا جاءت به السُّنَّة.
على كل حالٍ، الحديث في هذا مهم، لكن يبدو أنَّ الوقت قد داهمنا، فنجعله بإذن الله -جلَّ وعلا- كإطلالة في مقدمة اللقاء القادم بإذن الله.
أسأل الله لي ولكم التَّوفيقَ والسَّدادَ، وجعلّنا اللهُ وإيَّاكم مِن عباده المُصلحين، وعبادِه الدَّاعين، الذين يُعينون على الخيرِ، ويدعونَ إليه، وينهون عن الشَّرِّ، ويمتنعون منه، وأن يوفِّقنا لذلك مُخلصينَ قائمين قاعدين، وأن يُحيينا على ذلك، وأن يميتنا عليه.
شَكَرَ الله لكم، شَكَرَ الله للإخوة المشاهدين، شَكَرَ الله لهذا البناء العلمي بكلِّ منظوماتِه الإداريَّة، ومَن معنا في هذا الأستوديو مِن المصورين وغيرهم، ولكلَّ مَن كان سببًا فيه.
أسألُ الله -جلَّ وعلا- أن يجعلَنا وإيَّاكم ممَّن أعانَ على العلمِ، وأظهرَه، ودمغَ الجهلَ ومنعَه، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمدٍ، أتركُكم فِي رعاية الله وحِفظِه، وإلى لقاءٍ قادمٍ في الأسبوعِ القادمِ بإذنِ الله، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ.

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك