الدرس السابع

سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ

إحصائية السلسلة

7617 11
الدرس السابع

كتاب لمعة الاعتقاد

{الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
مرحبًا بكم أيها الإخوة والأخوات في درسٍ من دروس العقيدة وهو شرح كتاب "لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد" للإمام الموفق ابن قدامة -رحمه الله تعالى.
ومع سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ حفظه الله.
فمرحبًا بكم سماحة الشيخ.}
حيَّاكم الله.
 
{كنا -أحسن الله إليكم- قد توقفنا عند قول المصنف -رحمه الله تعالى: (وَمِنْ اَلسُّنَّةِ قَوْلُ اَلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ اَلدُّنْيَ»[3]، وَقَوْلُهُ: «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ اَلشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ»[4]، وقوله: «يَضْحَكُ اَللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا اَلْآخَرَ ثُمَّ يَدْخُلَانِ اَلْجَنَّةَ»[5]، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهُهُ مِمَّا صَحَّ سَنْدُهُ، وَعُدِّلَتْ رُوَاتُهُ، نُؤْمِنُ بِهِ، وَلَا نَرُدُّهُ، وَلَا نَجْحَدُهُ، وَلَا نَتَأَوَّلُهُ بِتَأْوِيلٍ يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ, وَلَا نُشَبِّهُهُ بِصِفَاتِ اَلْمَخْلُوقِينَ، وَلَا بِسِمَاتِ اَلْمُحْدَثِينَ، وَنَعْلَمُ أَنَّ اَللَّهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا نَظِيرَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11] وَكُلُّ مَا تُخُيِّلَ فِي اَلذِّهْنِ، أَوْ خَطَرَ بِالْبَالِ، فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى بِخِلَافِهِ)}.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، إخوتي المشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المصنف -رحمه الله- يقول: ومن السنة أن الله ينزل كل ليلةٍ حين يبقى الثلث الآخر، ويقول: «هل من داعٍ فأستجيب له، هل من سائلٍ فأعطيه، هل من تائبٍ فأتوب عليه»، الحديث.
ومراد المصنف بهذه الجملة: أن السنة يُحتج بها في إثبات الصفات لله -عزَّ وجلَّ-، سواءً كانت متواترةً أو أحادًا، وهذا يرد على بدعة القائلين، إن السنة لا يثبت بها الصفات؛ لأنهم يقولون: إنها أخبارٌ آحادٌ، والقرآن متواترٌ، ونقول بما ثبت في القرآن، ونقول: السنة مثل القرآن، ما صح في السنة عملنا به، واعتقدناه، من غير ردٍّ ولا جحودٍ.
فنزول الله -عزَّ وجلَّ- إلى السماء الدنيا نزولٌ حقيقيٌّ، على ما يليق بجلال الله وعظمته، لا نشبه ولا نمثل، وإنما نثبته حقًّا على حقيقته، كما دَلَّت عليه سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
فمن أنكر النزول، فإنه مُكذبٌ للقرآن، ومن أَوَّلَهُ بالرحمة، أو بنزول ملكٍ، فهو أيضًا مخطئٌ في تأويله، المهم أن النزول حقٌّ، لا شك فيه، نزولًا يليق بذاته -عزَّ وجلَّ، نزولًا يليق بجلاله، لا لنزوله بخلو عرشه منه، فإنَّ هذا مما يتنزه الله عنه، بل نعتقد النزول على ما يليق بالله -عزَّ وجلَّ، نزولًا حقيقيًّا على ما يليق بجلال الله -عزَّ وجلَّ، كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا، وينادي: «هل من داعٍ فأستجيب له، هل من سائلٍ فأعطيه، هل من تائبٍ فأتوب عليه».
والنزول صفةٌ فعليةٌ خبريةٌ لازمةٌ لله -عزَّ وجلَّ، وهذا الحديث في نزول الله، أشد شيئًا على الجهمية؛ لأن فيه: ينزل ربنا، والجهمية لا يعتقدون أنَّ الله فوق عرشه، بل يعتقدون أنَّ الله في كل مكانٍ، ولا يثبتون لا أسماء ولا صفاتٍ، فهذا الحديث فيه إثبات النزول لله، مما أقلق الجهمية، ودمغ باطلهم، في أن هذه الصفة حقيقيةٌ لله، تخالف ما كانوا يعتقدون من إنكار الأسماء والصفات، أو صرفها عن حقيقتها التي دَلَّتْ عليها، كل هذا من المغالطات.
أما أهل السنة فيقولون: النزول حقٌّ، ثبتت به السنة الثابتة عن رسول الله، بل قال بعضهم- رواه أكثر من صحابيٍّ- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فالسنة تعج بها، آحادها ومجموعاتها، كلها تعج بأسماء الله، الآحاد منها والمتواتر، كلها يعج بهذه الصفات، وهذا الحديث في نزول الله، يكاد أن يكون من المتواتر، لتعدد رواته عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
والأصل في النزول، نقول: نثبت لله نزولًا، على ما يليق بجلال الله، لكن نقول:
النزول ذاتيٌّ، لكنه غير متصورٍ لنا، إنما نثبته كما أثبته رسول الله -صلى الله عليه وسلم، نزولًا ذاتيًّا، على ما يليق بجلاله وعظمته، ونثبت ذلك دون تأويلٍ أو تفسيرٍ.
والأصل أن نقول: ينزل ويسكت، لكن إذا اضطررنا إلى أن نقول: هو نزولٌ ذاتيٌّ، لكنه على ما يليق بجلال الله، والذين تأولوه بالرحمة، أو نزول ملكٍ من الملائكة، كل هذا خطأٌ، لو كان هذا مقصودًا، لقال الملك: إن الله يقول: "من يدعوني"؛ لأنه ما يليق أن يقول مخلوقٌ للمخلوقين: "ادعوني أستجب لكم"، هذا خاصٌّ بالله.
فلو كان النزول نزول الرحمة ونزول ملكٍ، لكان القول: إن الملك يقول: ينزل الله ويقول: ما أنزل أنا، أو أنا أقول؛ لأن الطلب من المخلوقين ما يجوز، فالنزول من صفات الله -عزَّ وجلَّ، كما في حديث جبريل: «إذا أحب الله عبدًا نادى في السماء، يا جبريل، إني أحبه فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي جبريل في الملائكة، إن الله يحبه فيحبوه»، فالأول كلام الرب -عزَّ وجلَّ- «إني أحبه»، والثاني كلام جبريل «إن الله يحب فلانً»، فهذا النزول نزولٌ حقيقيٌّ كما يليق بجلال الله، لا يلزم أن يقول: من يسألني، من يستغفرني، من يتوب إليَّ؛ لأن هذه الصفات كلها إلى الله -عزَّ وجلَّ؛ لأن الله يقول: من ذا الذي يسألني، فأغفر له، هل من سائلٍ فأعطيه، هل من مُستغفرٍ فأغفر له، هل من تائبٍ فأتوب عليه، فهذا كلام رب العالمين، لا كلام البشر.
أما نزول الملائكة فإنه غير مقيدٍ بوقتٍ، قال الله -عزَّ وجلَّ: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل:2]، وقال: «يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل، وملائكةٌ بالنهار، ثم يعرجون بإذن ربهم» الحديث دل على أن تكامل نزول الملائكة بأمر الله عزَّ وجلَّ، فهو محيطٌ بخلقه، عالمٌ بخلقه، لكنه ينزل في آخر الليل تكريمًا لأهل الطاعة والمصلين والمتهجدين؛ ليغفر ذنوبهم، وليعطيهم مسألتهم، وليتوب عليهم، كل هذا من فضل الله عليهم.
 
{قال: (وقوله: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوةٌ»)}.
الأصل أنَّ الشاب تغلب عليه الصبوة، والسفه، والطيش، وعدم الاتزان، فإذا خالف الشاب هذه الصفات، صار يُتعجب منه، فالعُجب هو صفةٌ فعليةٌ خبريةٌ، وحقيقة العجب مما سيكون، لا من مجهول العاقبة، لا أنه جهلٌ، المخلوقين يتعجب بجهلهم، لكن ربنا عالمٌ بالحال والمستقبل، فلهذا كان عجبه -عزَّ وجلَّ- أن هذا الشاب خالف طريقة الشباب، في شهواته، ونشأ نشأةً صالحةً، ولهذا جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت عرشه: «وشابٌّ نشأ في عبادة الرب -عزَّ وجلَّ»، فشابٌّ نشأ في طاعة الله، ممن يظلهم الله تحت ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله.
وَدَلَّ على العجب الكتاب والسنة، قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيسْخَرُونَ﴾ [الصافات:12] على قراءتين: "بل عَجِبْتَ" و"بل عَجِبْتُ"
فإذا قلنا: بل عَجِبْتُ إلى الله -عزَّ وجلَّ، أن العجب منهم؛ لأنهم خالفوا ما هو الواقع، وأما إذا قلت: بل عَجِبْتَ أنت يا محمد ويسخرون، عجبتَ منهم، ومن إثبات الصفات لله، وهم يسخرون من ذلك.
 
{تأويل القاضي شريح}.
أنكر العُجب، وقال: إن العُجب لا يكون إلا من أهل العلم، وهذا -رحمه الله- خطأٌ، وهو إمامٌ من أئمة الإسلام، وقامةٌ من قامات الإسلام، لكنه أخطأ في هذه المسألة، فنقول:
العُجب عُجب الله الذي أنجاه، ولكنه يعجب أن الإنسان لا يعلم عواقب أموره ومنتهاها.
{وقوله: «يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة»}.
نعم، رجلان يقتل أحدهما الآخر، مسلمٌ وكافرٌ، التقيا في معركةٍ، فقتل الكافرُ المسلمَ فدخل الجنة، ثم أسلم الكافر ودخل الجنة، وهذا مسلمٌ دخل الجنة بإسلامه، فهما شيئان عجيبان، كون القاتل والمقتول يدخل الجنة، المقتول هو المسلم، والقاتل الكافر.
فالعجب أنَّ هذا الكافر تحول إلى الإسلام الصحيح، واستقام على طاعة الله، ودخل في الإسلام، فدخل الجنة، وأخوه الذي قتله كل ذلك يكون من العجب.
ضحك الله منها، ضحكًا يليق بجلاله -عزَّ وجلَّ- وعظمته، وهذا من صفات الكمال لله -عزَّ وجلَّ، ومن تأول الضحك بالرحمة، فإن هذا خطأ، أي: له ضحكٌ وصفةٌ خاصةٌ ينتج من هذا.
 
{ثم قال -رحمه الله تعالى: (فهذا وما أشبهه، مما صحَّ سنده، وَعُدَّلَتْ رواته، نؤمن به، ولا نرده)}.
هذا كله مما صحَّ سنده، وَعُدَّلَتْ رواته، نؤمن به، ولا نرده، ولا نجحده، أي: أنَّ هذه الصفات الماضية، الفعلية والذاتية، التي صحت بها الأخبار، وَعُدَّلَتْ رواتها، نؤمن بها، ونصدقها، ولا نجحدها، ولا نردها، بل نعتقد أنها حقٌّ على ما يليق بجلال الله، سامعين مطيعين؛ لأنَّ الله أعلم بنفسه منا، فلا يليق بنا أن نتحدث بما لا يعنينا ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36].
 
{ثم قال: (ولا نتأوله بتأويلٍ يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين)}.
لا نقول: نزول الرحمن على ظاهره، ولا نقول كنزولنا، بل هو نزولٌ حقيقيٌّ على ما يليق بجلال الله، نؤمن به بلفظه، ونعتقد معناه، لكن لا نفهم كيفيته، تقصر عقولنا عند كل أمرٍ يتخيله إنسانٌ في ذهنه، فالله -عزَّ وجلَّ- منزهٌ عن هذا كله، ذو الجلال والإكرام، ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير.
 
{قال: (ونعلم أن الله -سبحانه وتعالى- لا شبيه له ولا نظير)}.
ونعلم أن الله -سبحانه وتعالى- لا شبيه له، ولا نظير له، لا في نزوله، ولا في غيرته، ولا في عُجبه، كل لها حقيقتها، لا شبيه لها، ولا نظير لها ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].
 
{(﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وكل ما تُخيِّل في الذهن، أو خطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه)}.
كل ما يتخيله الذهن، فإنَّ الله مُنزهٌ عنه، ما يتخيل إنسانٌ، كيف ينزل؟ والعرش باقٍ؟ هل يخلو منه؟
كل هذا لا يصلح، نؤمن بالنزول على حقيقته، والعرش على حقيقته، وأن نزول الله -عزَّ وجلَّ- على حقيقته لا ينبغي أن يُخيل في مخائلنا وأذهاننا، بل نتلقاه من الشرع، فنثبت النزول لله كما أثبته الله لنفسه.
 
{شكر الله لشيخنا ما أفاد به، وجعله في ميزان حسناته، إنه جوادٌ كريمٌ، والشكر موصولٌ لكم أيها الإخوة المشاهدون، ونلتقيكم -إن شاء الله تعالى- في حلقةٍ قادمةٍ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته}.
-----------------------
[3] البخاري : الجمعة (1145) ومسلم : صلاة المسافرين وقصرها (758) والترمذي : الصلاة (446) والدعوات (3498) وأبو داود : الصلاة (1315) والسنة (4733) وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1366) وأحمد (2/264 ,2/267 ,2/282 ,2/419 ,2/487 ,2/504) ومالك : النداء للصلاة (496) والدارمي : الصلاة (1478 ,1479)
[4] أحمد (4/151).
[5] البخاري : الجهاد والسير (2826) ومسلم : الإمارة (1890) والنسائي : الجهاد (3165 ,3166) وابن ماجه : المقدمة (191) وأحمد (2/244) ومالك : الجهاد (1000).

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك

سلاسل أخرى للشيخ