الدرس العاشر

سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ

إحصائية السلسلة

17156 10
الدرس العاشر

شرح الأصول الثلاثة

{بسم الله الرحمن الرحيم.
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، أحسن الله إليك.
السؤال الأول: ما الفرق بين المسلم والمؤمن والمحسن والقانت؟}.
بسم الله الرحمن الرحيم، اللَّهمَّ صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الإسلام والإيمان من مراتب الدين، الإسلام أوسع، والإيمان أقل شيئًا، فإن الإسلام بالأعمال الظاهرة من التوحيد، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والإيمان كالإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والأنبياء، والمرسلين، والإيمان بقضاء الله وقدره، والإيمان باليوم الآخر، فيفسر الإيمان بالأعمال الباطنة، ويفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة.
{يقول: أود معرفة أهم الكتب التي تفيدني في هذا التخصص، وما هي المتون والنظوم المتعلقة به؟}.
اقرأ الكتاب الصغير نبذةً، وكررها مرارًا، وأرجو أن تنفعك -إن شاء الله.
{يقول: هل سماع الأغاني كله حرامٌ؟ أم أن هناك منها ما هو حلالٌ؟}.
الأغاني لا خير فيها، ما كان فيها فحشٌ، فهو حرامٌ، وما خلا فهو يصد عن ذكر الله، ويشغل الوقت بما لا خير فيه.
{يقول: ما حكم صلاة الجماعة في المسجد في الظروف الطبيعية؟}.
واجبةٌ، فريضةٌ، لا يصح الإنسان يصلي في بيته، والله أعطاه الصحة والعافية.
{تقول: هل صحيح أنه لا يجب على الزوج تكاليف حج زوجته؟}.
الله يقول: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]، ومن الأخلاق الفاضلة أن يحج بها، أو يدفع لها قيمة الحج، مع من تريد أن تحج مع محارمها.
{يقول: ما رأي الشيخ في مذهب الصوفية؟}.
الصوفية مختلفون، أصل الصوفية الزهد والورع، لكن تطورت أحوالهم، أوائلهم قد يكون فيهم شيءٌ من الخير، وإن كان عندهم شيءٌ من نقصٍ، لكن أواخرهم طوروا الحال إلى أن وقعوا في طريقة وحدة الوجود والحلول، وهي الدعوة أن الله حالٌّ فيهم، أو الدعوة أنهم يصلون إلى أنفسهم، فالمتصوفة من الآخرين عندهم شركٌ بالله، وغلوٌّ في الصالحين، وعبادةٌ من دون الله، وطاعةٌ من دون الله، فهؤلاء ضلالٌ.
{يقول: إذا كان نصرة الكفار والمشركين لأجل دنيا، هل هذه ردةٌ؟}.
الدفاع عن الإسلام فرضٌ، والدفاع عن المسلمين فرضٌ، فمن دافع عن دينه، وعن ماله، وعن حريمه، وعن بلده، فهو على خيرٍ -إن شاء الله.
نبدأ درسنا لهذا اليوم، في شرح الأصول الثلاثة، وقد توقفنا عند دليل الهجرة من السنة، وقد قال المؤلف -رحمه الله تعالى: والدليل على الهجرة من السنة، قوله -صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربه»، فلما استقر بالمدينة أُمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين، وبعدها توفي -صلاة الله وسلامه عليه}.
يقول الشيخ -رحمه الله: والدليل على وجوب الهجرة من البلاد التي علا فيها الشرك وانطفأ فيها أنوار التوحيد، وأصبح المسلم يعيش على دينه، مهددًا من قبل أعداء الإسلام، لا يظهر دينه، ولا يظهر شعائر دينه، بل هو خائفٌ وجلٌ منهم، أوجب الله عليه الهجرة، قال -جلَّ وعلَا: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100]، والدليل من السنة، قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربه» يعني معنى أن الهجرة مستمرةٌ إذا قام سببها، وتوفرت الشروط، فإن الهجرة واجبةٌ، ولهذا هاجر المسلمون إلى الحبشة مرةً والهجرة من مكة، خوفًا من أذى قريش، ثم هاجر النبي إلى المدينة، ولا تنقطع الهجرة حتى تطلع الشمس من مغربها، يعني لا تنقطع التوبة والهجرة حتى تطلع الشمس من مغربها ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرً﴾ [الأنعام: 158] إلى آخر الآية.
فلما استقر بالمدينة بعد مُضي ثلاثة عشر سنةً من مبعثه -صلى الله عليه وسلم-، وهاجر إلى المدينة، وكان بمكة فقط فرض الصلوات الخمس، لكن تكميلها أربعًا إنما بالمدينة، إنما أصل الصلاة فرض مع أصل التوحيد بمكة، فلما هاجر إلى المدينة، فرضت كثير من الأمور مثل الجهاد في سبيل الله، والجهاد إنما فُرض في المدينة، وأول الجهاد، أولًا: أذن للمسلمين أن يقاتلوا من قاتلهم، ثم أُمروا بقتال الناس عامةً ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39]، وقال الله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: 191] الآية، وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، كل هذا بالمدينة، كما أُمر بفرض الزكاة، فالهجرة والصوم كذلك، والحج في التاسع من الهجرة، فالزكاة، والصوم، والحج، كلها كان في المدينة، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد، الأذان في المدينة، والحدود وتحديدها في المدينة، فبالمدينة كملت شرائع الإسلام، أولًا في مكة الصلاة والتوحيد، ثم كملت بقيت شرائع الإسلام بالمدينة.
{قال: وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين}.
يعني أخذ على هذه الأوامر من صلاةٍ، وزكاةٍ، وصومٍ، وحجٍ، وجهادٍ، إلى غير ذلك عشر سنين بالمدينة، يرسي قواعد الإسلام، وتعليم هذه الشريعة، حتى إذا استكمل عشر سنواتٍ، وقد كمل الدين وتم، أنزل الله عليه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينً﴾ [المائدة: 3]، نزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة، في حجة الوداع، ثم بعد أن رجع إلى المدينة، فأقام بها عدة أشهرٍ، ثم جاءه الأجل المحتوم -صلى الله عليه وسلم-، كما قال الله له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30].
وتُوفي ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144]، لما تُوفي -صلى الله عليه وسلم- ارتد بعض العرب، ثبت الله أهل المدينة، وأهل مكة، فثبتوا على الإسلام، أما الأعراب فمنهم من ارتد بمنع الزكاة، ومن رجع عن دين الإسلام، إلى أن هيأ الله الصديق فأعاد الجميع إلى الإسلام، وإلى ما كانوا عليه في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم.
فدينه باقٍ، ما مات، مات شخصه، لكن دين الله باقٍ بحفظ الله له ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
{ثم قال المؤلف -رحمه الله: وهذا دينه لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه}.
يعني بحياته كلها، كل خيرٍ وطريق شرٍ دلنا عليه، وعرفنا به، وكل طريق ضلالٍ وغوايةٍ حذرنا منه ونهانا عنه، فلا خير إلا دلنا عليه، ولا شر إلا نهانا عنه، فالتوحيد والإخلاص لله أعظم الواجب الذي دلنا عليه، وألزمنا به، والشرك أعظم الذنوب وأكبرها حذرنا من شره، وأخبرنا أن صاحبه مخلدٌ في النار.
{ثم قال -رحمه الله: وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذرنا منه، الشرك وجميع ما يكره الله ويأباه، بعثه الله إلى الناس كافةً، وافترض طاعته على جميع ..}.
بعثه الله -عزَّ وجلَّ- كافة، الأنبياء كل نبي يبعث إلى قومه، كما قال -صلى الله عليه وسلم- «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصةً، وبعثت إلى الناس عامةً» فرسالته -صلى الله عليه وسلم- عامةٌ إلى جميع الثقلين، جنهم وإنسهم ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]، قال الله -جلَّ وعلَا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]، فهو خاتم الأنبياء لا نبي بعده، ولا شريعة بعد شريعته.
{ثم قال: والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعً﴾ [الأعراف: 158]، وأكمل الله به الدين، والدليل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينً﴾ [المائدة: 3]، والدليل على موته -صلى الله عليه وسلم-، قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]}.
لما تُوفي النبي -صلى الله عليه وسلم- اضطرب الصحابة، وأصابهم من الهم والهول ما الله به عليمٌ، لما كان في قلوبهم من محبة النبي، ومحبته وموالاته، وحبهم له، وعظيم شوقهم له، واضطرب الأمر حتى أن عمر قال: من قال إن محمدًا مات ضربته أو كذا، ليخرجن ويقطعن أيدي رجالٍ وأرجلهم، واضطرب الأمر، حتى جعل الله في الصديق، وكان في العالية بالمدينة وصعد المنبر وسكت عمر، وقال: يا أيها الناس، من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: 30، 31]، وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144]، قال عمر: فكأننا ما سمعناها إلا هذه اللحظة، فعاد الصحابة إلى أنفسهم، وعلموا خطأهم، وأقبلوا على الصديق، وجمع الله القلوب على يديه، فما أذن الظهر في ذاك اليوم إلا وقد صار الصديق خليفةً لرسول الله، بإجماع وثبات الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم.
{ثم قال -رحمه الله: والناس إذا ماتوا يُبعثون، والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55]}.
الإيمان بالبعث من أصول الإيمان، أن تؤمن بالله واليوم الآخر، فالإيمان باليوم الآخر من أصول الإيمان، فمن أنكر اليوم الآخر، أنكر المعاد، فقد ضل ضلالًا مبينًا، من أنكر معاد الأجساد، فإن الله -جلَّ وعلَا- بينه في كتابه العزيز بقوله في رده على المشركين المنكرين للمعاد ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: 77] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: 78، 79]، وقال -جلَّ وعلَا- في كتابه العزيز: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8] الآية، فالموت حق لمن حان أجله، قال -جلَّ وعلَا: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: 11]، فمات -صلى الله عليه وسلم- كما مات غيره، والناس يبعثون بعد الموت، قال -جلَّ وعلَا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 51، 52] الآية، فالناس يبعثون بعد الموت، وهذا أمرٌ مقطوعٌ به، ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55]، والأنبياء كلهم يقرون بيوم المعاد، قال الخليل -عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 40، 41]، وقال عن نوحٍ: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيخْرِجُكُمْ إِخْرَاجً﴾ [نوح: 17، 18] فالإيمان بالبعث بعد الموت أمرٌ ضروريٌّ، وركنٌ من أركان الإيمان، نؤمن بأن بعد موتنا سنبعث من قبورنا، ونقوم بين يدي الله ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6].
{ثم قال -رحمه الله: وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: 31]}.
بعد الموت لابد من جزاءٍ وحسابٍ، فإن أعمالنا وأقوالنا مكتوبةٌ في هذه الدنيا ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10- 12]، فأقوالنا وأعمالنا كلها محصاةٌ علينا، وسنحاسب عنها يوم القيامة ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبً﴾ [الإسراء: 13، 14].
{ثم قال -رحمه الله: ومن كذب بالبعث كفر}.
نعم، من أنكر البعث كفر ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7]، ﴿وَيسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس: 53]، فالمعاد من أنكره فقد كفر؛ لأن هذا بإجماع المسلمين أمرٌ مقطوعٌ به، على أنه لابد من مبعثٍ بعد الموت، ومن حسابٍ وجزاءٍ، ومآلٍ إلى الجنة وإلى النار، نسأل الله الثبات على الإسلام.
{ثم قال -رحمه الله: وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين}.
وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين، قال -جلَّ وعلَا: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]، فالرسل بُعثوا لهداية الخلق، ويوم القيامة كما قال -جلَّ وعلَا: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71]، وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدً﴾ [النساء: 41].
{ثم قال -رحمه الله: وأولهم نوحٌ -عليه السلام-، وآخرهم – محمدٌ صلى الله عليه وسلم}.
أول الرسل أوحي إليه نوحٍ، لما وقع قومه في غلو الصالحين، حينما قال الشيطان لهم: صوروا صلحاءكم لعلكم كلما رأيتموهم ازددتم ثباتًا على طريقتهم ونحو ذلك، ثم جاء بعد موت الأوائل وقال: إنما صور أوائلكم الصالحين؛ لأجل أن يستنزلوا بهم المطر، ويستشفعوا بهم إلى آخر ذلك، فعبدوهم من دون الله، فبعث الله نوحًا يدعو قومه إلى عبادة الله، ويحذرهم من الشرك بالله، وكل الأنبياء من نوحٍ، وهودٍ، وصالحٍ، ولوطٍ، وشعيبٍ، وموسى، وإبراهيم، وغيرهم من الأنبياء، كلهم يبعث إلى توحيد الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
{ثم قال: وآخرهم محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- وهو خاتم النبيين، والدليل على أن أولهم نوحٌ -عليه السلام- قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163]، وكل أمةٍ بعث الله إليها رسولًا من نوحٍ إلى محمدٍ، يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة الطاغوت، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]}.
الرسالة عمت جميع الخلق، الله أقام الحجة على العباد، ما لأحدٍ معذرةٌ، الرسل بعثوا لكل أمةٍ، لكنْ محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- جُعل خاتم كل الأنبياء والمرسلين.
{ثم قال -رحمه الله: افترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله}.
.. كما قال -جلَّ وعلَا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136] وقال: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 256]، فافترض الله علينا الإيمان بالله والكفر بالطاغوت؛ لأن الطاغوت مخالفٌ للحق.
{كما قال ابن القيم -رحمه الله: الطاغوت ما تجاوز به العبد حده، من معبودٍ، أو متبوعٍ، أو مطاعٍ}.
الطاغوت ما تجاوز به العبد حده، من معبودٍ، أو متبوعٍ، أو مطاعٍ، يعني إذا جاوزت حدك في العبادة، بأن عبدت مع الله غيره، كنت عابدًا للطاغوت، جاوزت حد العبادة المشروعة.. العبادة لله وحده، فعبادة غير الله منك شرٌ وضلالٌ، وعنوان الطاغوت، لأنك جاوزت الحد، فجعلت غير الله بمنزلة الله.
من معبودٍ أو متبوعٍ، من اتبعتَ على الفجور والضلال، واتبعته على كل خيرٍ، فهذا طاغوتٌ أيضًا، لو أطعت إنسانًا فحرمت ما أحل الله لك، امتثالًا لأمره، وأحللت ما حرم الله عليك، كان هذا طاغوتًا عبدته من دون الله.
{ثم قال -رحمه الله: والطواغيت كثيرون، ورؤساؤهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عُبِدَ وهو راضٍ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئًا من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله}.
هؤلاء الشياطين، أولًا إبليس لعنه الله أول الطواغيت وأشرهم، ثانيًا من عُبِدَ وهو راضٍ، رُضي أن يُعبد من دون الله هذا كفرٌ، لأنه حقٌ لله، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى علم الغيب، فمن حكم بغير ما أنزل الله، قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، ومن ادعى علم الغيب: ﴿قُل لّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]، كل هؤلاء طواغيت نسأل الله العفو والسلامة.
{ثم قال -رحمه الله: والدليل قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256]، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، وفي الحديث: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»، والله أعلم}.
هذه رسالةٌ للشيخ محمد بن عبد الوهاب الحقيقة، رسالةٌ نافعةٌ، مفيدةٌ، هامةٌ، نشرها .. طيب؛ لأنها تقرر توحيد العبادة، الذي لأجله خلق الخلق وأرسل الرسل، وأشكر لهذا البرنامج، في بثه هذه الحلقات العلمية، وأسأل الله لهم التوفيق والسداد، وصلى الله على محمدٍ.

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك

سلاسل أخرى للشيخ