الدرس الثاني

سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ

إحصائية السلسلة

16609 10
الدرس الثاني

شرح الأصول الثلاثة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ أشرف الأنبياء، وأشرف المرسلين، وعلى آله وعلى صحابته أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وبعد..
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول المؤلف رحمه الله:
(اعْلمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ أَرْبَع مَسَائِلَ:
المسألة الأُولَى: الْعِلْمُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بالأَدِلَّةِ.
المسألة الثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ بِهِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ.
المسألة الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
قَالَ الشَّافِعيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ.
وَقَالَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بَابُ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالْعَمَلِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ اله إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد:19]، فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ)
}
يقول الشيخ رحمه الله ابتداءً لهذه الرسالة الصغيرة المفيدة النافعة: (اعْلمْ رَحِمَكَ اللهُ)، اعلم، تفهَّم، واستعد، وانتبه لما سأقول لك.
اعلم؛ لأنَّ من عَلِمَ استفاد، ومن لم يعلم لم يستفد.
اعلم أني سأوجه لك رسالةً عظيمةً نافعةً مفيدة، اعلمها عِلمَ حَقٍ وصدقٍ ويقينٍ.
(أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ أَرْبَع مَسَائِلَ)، أي: يجب على جميع المسلمين، أن يتعلموا هذه الأربع.


أقسام العلم:
إنَّ العلم قسمان، علمٌ واجبٌ، وهو علم ما يُقوي الصِّلَة بربك، وتؤدي به ما أوجب الله به عليك، من إخلاص الدين له، من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج وغير ذلك، من الأمور التي لا يسع جهلها، بل لابد من تعلمها.
وعلمٌ مستحب، وهو علم الفروع والمسائل المتعددة، لكن الأمر الذي لا تعذر عنه، ولا تعذر بجهله، هو أن تعلم أن هذه الأربعة المهمة في دين الله.

ما هي المسائل الأربعة التي يجب علينا تعلمها؟
(يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ أَرْبَع مَسَائِلَ)، وهي:
(المسألة الأُولَى: الْعِلْمُ) فما هو العلم؟
العلم حقًا ما دل الكتاب والسنة عليه.
علم الشريعة، وهو علم يَهتم بكيفية عبادة الإنسان لربه، وصلته بنبيه، وصلته بدينه، علمٌ نافعٌ، ينفذه من الضلال، قال الله جلَّ وعلَا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وقال: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: 19].
إذن فالعلم لابد منه.
اعلم أنه يجب تعلم هذه الأربع مسائل، فإذا علمناها حقيقةً، وطبقناها على أنفسنا، كنا بهذا معالمين حقًّا، أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل، يجب تعلمها ويجب العمل بها؛ لأن العلم لا ينفع إلا بالعمل، وأي علمٍ خالٍ من العمل فإنه لا ينفع، العلم إنما وجد ليعمل به، ومن لم يعمل بعلمه كان ضالًّا، ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2، 3].
(الْعِلْمُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بالأَدِلَّةِ)، العبادة هي الشرع الواجب، أن تعرف الله جلَّ وعلَا، أنه ربك، وخالقك، ورازقك، وبيده حياتك وموتك، وأنه خالق الأشياء كلها، لا رب غيره، ولا خالق سواه، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: 16]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:21]، فهو ربنا وخالقنا ورازقنا، نؤمن به ربًّا ومعبودًا وخالقًا ورازقًا.
و(مَعْرِفَةُ اللهِ)، أي: نعرف الله بأسمائه وصفاته، وأن الأسماء الحسنى والصفات العلا، على ما يليق بجلاله، نؤمن بها، ونمرها كما جاءت، معتقدين حقيقة مدلولها على الكتاب والسنة، لا نُكيف ولا نمثل ولا نشبه، بل نمرها على ظاهرها، معتقدين عقيدة معانيها، على ما يليق بجلال الله وعظمته، ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَ﴾ [الأعراف: 180]، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: 22] إلى آخر الآيات.
و(مَعْرِفَةُ اللهِ)، فمن عرف الله وحده، عرف أنه يسمع ويرى، ويعلم وأنه الحليم الكريم، الجواد الرحيم، عرف الله حقًا، فإذا عرف الله ازداد إيمانًا، فالإيمان الحق ما وقر في القلب وصدقه العمل.
(وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، تعرف نبيك، محمد بن عبد الله، الهاشمي القرشي، الذي ختم الله به الرسالات كلها، وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين، ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40].
تعرف نبيك، بأنه النبي العربي، آخر الأنبياء وأفضلهم صلوات الله وسلامه عليه، يقول: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر».

العلم الأول: معرفة الله، الثاني: معرفة نبيه، الثالث: معرفة دين الإسلام.
الأدلة: أن تعرف دين الإسلام بأدلته الشرعية، من العبادات والمعاملات وجميع ذلك، تعرف الدين الإسلامي بأدلته الشرعية، وأنه بني على أركانٍ خمسةٍ، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.
وأن هذا الدين، دينٌ صالحٌ لكل زمانٍ ومكانٍ؛ لأن الله أكمله وأتم به النعمة، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ [المائدة: 3].
فهذا الدين نعرفه، فإذا عرفنا كماله، وشموله وصلاحيته، طبقناه على أرض الواقع، وعلمنا حقًا أنه لا يمكن أن تعيش إلا بهذا الدين، وأنَّ أي خروج عن الدين كفرٌ وضلالٌ، فلابد أن نعرف هذا الدين، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، فدين الإسلام هو الدين الحق الكامل، كما أن أمة محمدٍ هي خير الأمم وأشرفها، نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، فنعرف دين الإسلام، وأنه دين الهدى، وأن الله نسخ به جميع الشرائع، ونلزم طاعة النبي واتباعه، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158].

(المسألة الثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ بِهِ).
فنعمل بهذا العلم؛ لأن هذه الثمرة أن نعمل به، وقد ذمَّ الله من لم يعملوا، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: 5].
فالعمل بهذا العلم واجبٌ، أن نعمل بما علمنا؛ لأننا إذا علمنا ولم نعمل كنا ضالين، نشبه اليهود الذين علموا وكتموا العلم، وإذا لم نتعلم كنا كالنصارى، يعبدون الله على جهلٍ وضلالٍ، فالواجب العلم والعمل بمقتضى هذا العلم؛ ليدل على أن الإيمان صادقٌ، فإن الإيمان اعتقاد القلب، ونطق اللسان، وعمل الجوارح، التي تبرهن على حقيقة الإيمان.

(المسألة الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ).
إذا علمنا وعملنا وعرفنا عظيم نعم الله علينا، وفضله علينا، وجب أن نشكر هذه النعمة، وأن نؤدي حقها، بأن ندعو غيرنا إلى ذلك.
لأنك إذا عَلِمت وعَمِلت فلابد أن تنشر هذا الحق وتدعو إليه، لتبرأ ذمتك؛ لأن الواجب على من تعلم وعمل، أن يدعو غيره، قال جلَّ وعلَا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
وقال أيضًا جلَّ وعلَا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].
إذن فلابد من علمٍ وعملٍ واستقامةٍ على هذا الدين، والدعوة إلى الله منهج الأنبياء والمرسلين، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].
ومن دعا إلى هدىٍ كان له أجر مثل أجور من تبعه في دعوته إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيء.

المسألة الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ.
لابد لمن دعا إلى الله وخالف هوى الناس وشهواتهم، أن يقابل بالإنكار، وأن يقابل بالتكذيب، ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 1- 3]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].
إذن إخواني فلابد من الدعوة إلى الله والصبر على هذه الدعوة، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: 48] وقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل: 10]، وقال: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلً﴾ [المعارج: 5]، فأمر نبيه بالصبر، والتحمل فإن الصبر، الصبر على الطاعة بعمل الواجبات، والصبر عن المعاصي بتركها، وعلى الطاعات بفعلها، والصبر على ما يصيب من ألم في الدعوة إلى الله، قال تعالى على لسان لقمان: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17].
(وَالدَّلِيلُ) على هذه المسائل، العلم والعمل والدعوة والصبر، هذه السورة القصيرة، ثلاث آيات الله، يقول الله فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: 1]، أقسم جلَّ وعلَا، وله القسم بأي من مخلوقاته، أن جنس الإنسان في خسارةٍ، إلا من استثنى، وهم الذين آمنوا، كملوا الأمر بالإيمان والعمل، ثم كملوا غيرهم بأن أوصوهم بالحق ودعوة الحق، وأوصاهم بالصبر عليه، هؤلاء نجو من الخسارة، لأنهم علموا وعملوا ودعوا وصبروا، هذا الواجب على كل أحد.
(قَالَ الشَّافِعيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ)، فإن فيها بيان الخاسر والرابح.
(وَقَالَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بَابُ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالْعَمَلِ)؛ ثم قرأ قوله:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ اله إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد:19] (فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ).
فلابد من علمٍ؛ لأن من يدعو على جهالةٍ لا يصح، فلابد من العلمٍ، لكي تدعو الناس على بصيرةٍ، ولابد من عملٍ، ولابد من دعوةٍ، والصبر على ذلك. ورجاء ما عند الله من الثواب العظيم.
فأنبياء الله قص الله علينا قصصهم، قال جلَّ وعلَا: يُبين أحوال أنبياء الله، وما أصابهم من المصائب، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: 78]، وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: 35]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهً﴾ [الأحزاب: 69].
{قال المصنف رحمه الله تعالى:
(اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، تَعَلُّمُ هَذِهِ الثَّلاثِ مَسَائِل، والْعَمَلُ بِهِنَّ:
الأُولَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا، وَرَزَقَنَا، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَل)
}
(اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، تَعَلُّمُ هَذِهِ الثَّلاثِ مَسَائِل، والْعَمَلُ بِهِنَّ)
الأول: العموم، العلم عامٌ.
والثاني: تطبيق ذلك العلم الذي هو معرفة الله ومعرفة رسوله على هذه القاعدة، وأنه من لازم معرفة الله أن نعبده وحده لا شريك له، ونعتقد أنه الخالق الرازق المحيي المميت، دون سواه.
يجب على كل مسلمٍ ومسلمةٍ، تعلم هذه الثلاث مسائل، والعمل بهن.

(الأُولَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا، وَرَزَقَنَا، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَل)
هذا أعظم شيء يعتقده الإنسان ويتعلمه، من النساء والرجال وجميع المسلمين، رجالا ونساء، أن يعلموا حقيقة أن الله خلقنا، فلا خالق سواه، وهذا الأمر متفِقٌ عليه جميع أعداء الرسل، كلهم مقرٌ بهذا، ولا أحد ادعى لنفسه الربوبية، وأنه خالق العباد إلا فرعون، كما قال تعالى على لسانه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]، لذلك قال الله عنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14]، هو ادعى أنه الرب الأعلى، وهو يعلم من نفسه أنه كاذب في دعواه، وأن هذه دعوةٌ كاذبةٌ؛ ليخدع بها من يخدع، فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقال الله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
فدعوى الربوبية هي لفرعون وفئة من الناس، لكن معظم الخلق مُقرون بأن الله الخالق الرازق، الرسل جميعًا من نوحٍ إلى محمدٍ ابتدأوا دعوتهم بدعوة الخلق إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، لا إلى الدعوة إلى أن الله الخالق الرازق؛ لأن هذا أمرٌ فطر البشر عليه، أن الله خالق الكل، ورازق الكل، وأنه الخالق الرازق المحيي المميت، الذي لا رب سواه، ولا خالق غيره.
ولهذا احتج الله على المشركين لما أمرهم بعبادته وكفروا، احتج عليهم بأنهم يعلمون أن الله خالقهم ورازقهم، وأنه الخالق الرازق المدبر، فاحتج عليهم بإقرارهم بهذا، على إنكارهم إفراده بالعبادة، لأن من كان خالقًا رازقًا أحق أن يعبد، ومن لم يكن لا خالقًا ولا رازقًا ولا محييًا ولا مميتًا ولا متصرف في الكون، كيف يكون معبودا، فالذين يعبدون الأشجار والأحجار، ونحو ذلك، يعتقدون أن هذه الأشجار والأحجار تقرب إلى الله زلفى، يعبدونها يظنون أنها تنفعهم وتفيدهم، وهذا كله من الضلال، والباطل، لأننا نعلم أن الله هو الخالق الرازق المدبر، فيجب أن نخصه بالعبادة، ونعبده وحده، لا نشرك به شيئا في ذلك.
{ أحسن الله إليك..
(الأُولَى:أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا، وَرَزَقَنَا، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَل)}
يجب أن نعتقد أن الله جلَّ وعلَا لم يدع الخلق هملًا، بمعنى أنه أهملهم، خلقهم وتركهم، لا؛ لأن خلقهم له حكمةٌ، قال جلَّ وعلَا: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: 27].
ذلك ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُو﴾ فالكفار أنكروا الحكمة من ذلك، وهذا كله من المغالطات.
إذن فنعتقد أنَّ الله جلَّ وعلَا لم يتركنا هملًا، فأرسل الرسل، قال جلَّ وعلَا: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: 36، 37]، أيحسب الإنسان أن لا يؤمر ولا ينهى، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: 38، 39].
إذن فالله خالقنا ورازقنا، وهذا أمرٌ لابد منه، وإقراره أمرٌ ضروريٌّ لا انفكاك عنه، وأن الله تعالى لما خلقنا ما أهملنا، بل أرسل رسلًا أقام بهم علينا الحجة، أقام الحجة في إفراده بالعبادة، ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165].
وقال جلَّ وعلَا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولً﴾ [الإسراء: 15]، فالرسل أقاموا الحجة على العباد، ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ﴿أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: 19].
المهم أنا نعتقد أن الله لما خلقنا لم يدعنا سدى، بل أرسل إلينا رسلًا يدعوننا إلى توحيده وعبادته، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:36]، وقال جلَّ وعلَا: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، فالرسل أقاموا شرع الله، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد:25].
قال جلَّ وعلَا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]، فالكفار أنكروا المعاد، وأنكروا أن تعاد الأرواح إلى الأجساد بعد فنائها، فرد الله وكذبهم بأنه القادر على كل شيءٍ، الذي هو قادرٌ على الإنشاء أول مرةٍ، غير عاجزٍ عن الإنشاء لثاني مرةٍ.

{أحسن الله إليك..
(بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ)}

بل أرسل إلينا رسولًا؛ لأن الرسالة عمت جميع الخلق، وأمتنا هي آخر الأمم، بعث الله فينا محمدًا صلى الله عليه وسلم رسولًا، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعً﴾ [الأعراف: 158]، فمن أطاع هذا الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، هو رسول الله إلينا، أقام حجة الله علينا، ما ترك خيرًا إلا دلنا عليه، ولا شرًا إلا حذرنا منه، صلوات الله وسلامه عليه، ﴿لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني دخل النار».
فالرسول صلى الله عليه وسلم بعث بالرسالة وأمرنا بطاعته واتباع سنته وشريعته، قال الله جلَّ وعلَا: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 19].
وقال صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني دخل النار»، وقال: «ومن عصاني فقد أبى»، أي من عصى رسول الله فقد أبى الدخول في الدين، فالواجب طاعة الرسول ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: 8].
ومن عصاه دخل النار، قال الله جلَّ وعلَا: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظً﴾ [النساء: 80].
{(وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيل﴾ [المزمل: 15، 16])}
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾ هو شاهدٌ على هذه الأمة، ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدً﴾ [النساء: 41]،﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيل﴾ كما قال الله جلَّ وعلَا عنه في سورة النازعات: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: 25]، إذن فالرسول صلى الله عليه وسلم مرسل لنا كما أن موسى مرسلٌ في بني إسرائيل، لكن رسالة محمدٍ رسالة عامة لجميع الخلائق، جنهم وإنسهم، منذ بعث إلى قيام الساعة لا دين إلا دينه، لا شريعة إلا شريعته، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].

{أحسن الله إليك
(الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدُ فِي عِبَادَتِهِ، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ)}

القضية الثانية أو المسألة الثانية التي يجب تعلمها، أن الله جلَّ وعلَا لا يرضى أن يشرك به أحد من خلقه، لا ملكٌ مقرب، ولا نبيٌّ مرسل، الله جلَّ وعلَا خلقنا لعبادته، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، فمن أشرك مع الله غيره، ودعا غير الله، خالف تلك الحكمة العظيمة، لأنه قال: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فمن دعا غير الله وحد غير الله وعبد غير الله، ليس عبدًا لله، لو عبد مع الله غيره، لن يكون عبدًا لله، لابد أن تكون العبادة متوحدةً لله وحده لا شريك له، ليس لأحدٍ شريكٌ في ذلك، قال الله جلَّ وعلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، وقال: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ..﴾ [الروم: 28] الآية.
إذن فالله لا يرضى أن يشرك معه غيره، قال جلَّ وعلَا: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72].
وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].
فالله لا يرضى أن يشرك به غيره، فمن عبد غيره فلقيه بذلك فإن النار مقره مخلدٌ فيها، لا ينفعه شافعٌ، ولا ينفعه أي عملٍ ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورً﴾ [الفرقان:23]، فإن الله لا يرضى أن يشرك معه أحدٌ في عبادته لا ملكٌ مقربٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ، ولذلك قال الله للملائكة يوم القيامة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: 40، 41]، وقال لعيسى: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 116، 117].
{(وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَد﴾ [الجن: 18])}
المساجد مواضع العبادة هي لله، بنيت لعبادة الله، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ولَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 36، 37]، فالمساجد بنيت لعبادة الله، ليعبد الله فيها، ويذكر اسمه فيها، يؤذن فيها، ويقرأ القرآن، وتؤدى الفرائض فيها، ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18].
فالله جلَّ وعلَا يأمرنا بعبادته، ولا يرضى أن تصرف لغيره، وأن المساجد أماكن لله ﴿فلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدً﴾ [الجن: 18]، لا ملكٌ مقربٌ، ولا نبيٌّ، ولا صالحٌ، ولا أي إنسانٍ، ولهذا لما قال رجلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، قال: « أجعلتني لله ندًّا، بل ما شاء الله وحده ».
فالمهم أن الله لا يرضى الشرك، وأهله أبغض خلقه إليه، ومن لقيه مشركًا به فالنار مقره، لا ينفعه شافع، قال جلَّ وعلَا: ﴿مَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 114].
{أحسن الله إليك..
(الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ، وَوَحَّدَ اللهَ لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22])}

المسألة الثالثة أن من أطاع الله، ووحد الله، وعبد الله لا أحد سواه، وأفرد التوحيد له، لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، لأن من لازم محبة الله، أبغض أعداء الله، فأنت إذا وحدت الله، عبدته وأخلصت الدين له والدعاء له، حرامٌ عليك أن توالي أعداءه، وحرامٌ عليك مودة أعدائه، وحرامٌ عليك تولي أعداءه؛ لأن التوحيد فرق بينكم، فالمشرك الذي عبد غير الله، ليس وليا لمسلمٍ عبد الله وحده، لأن من عبد الله وحده هو مضادٌ لمن أشرك مع الله غيره، فالمؤمن الموحد لله لا يوالي من كان عدوًا لله، لمن أشرك مع الله غيره، ذبح لغير الله، ونذر لغير الله، لا يحبه ولا يواليه، ولو كان أقرب قريب له؛ لأن الإسلام فرق بين الناس، فالإسلام هو الذي تجتمع به القلوب، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانً﴾ [آل عمران: 103]، إذن فالإخوة الإيمانية واجبةٌ، إذن من عبد الله وحده، وأخلص له الدين، فمن لازم ذلك أن يعتقد كفر من عبد غير الله، ولا يواليهم، ولا يحبهم، وينكر عليهم، ويدعو إلى التوحيد، ولا يتخذهم بطانةً له، ولا أصحابًا له، لأنه أتوا بذنبٍ عظيمٍ، إشراكٌ مع الله غيره، فلا يجوز لك موالاتهم ولا محبتهم مهما قربوا قال الله جلَّ وعلَا: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم برُوحٍ مِّنْهُ وَيدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22].
فحزب الله المفلحون من عبدوا الله، ووالوا في الله، وتبرأوا من كل من سوى الله، وتبرأوا من المشركين، وكرهوهم وأنكروا عليهم، ولو كانوا إخوانهم من آباءٍ أو أبناءٍ أو عشيرةٍ أو زوجةٍ كل ذلك سواءٌ، لأن من أشرك مع الله غيره فهو عدوك، ولو كان أقرب قريبٍ، لابد أن تظهر لهم أنهم أعداءٌ لك، وأنه ليس على طريقهم، وليس على منهجهم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: 51].

ونسأل الله التوفيق والسداد، والمهم أننا استفدنا من درسنا هذا أن هذه المادة "الأصول الثلاثة" رسالةٌ نافعةٌ، مفيدةٌ، مختصرةٌ، مدعمةٌ بالأدلة من الكتاب والسنة، يسهل حفظها، والنظر فيها، فليقرأها بتأملٍ وتدبرٍ، ليعلم ويعمل ويدعو على علمٍ وبصيرةٍ ويصبر على ذلك، ويوصي غيره بهذا، وصلى الله وسلم على محمدٍ .

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك

سلاسل أخرى للشيخ