الدرس الثامن

سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ

إحصائية السلسلة

17156 10
الدرس الثامن

شرح الأصول الثلاثة

{بسم الله الرحمن الرحيم.
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبدأ مع سماحة الشيخ بالأسئلة.
هذا السائل يقول: السلام عليكم.. لدي سؤال: ما حُكم تارك الصلاة تهاونًا وتكاسلًا وليس إنكارًا، وجزاكم الله خيرًا}
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ، أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعد..
أجمع المسلمون على أن الصلوات الخمس هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وأنها عمود الإسلام، وأنها فرضٌ على المسلم في يومه وليلته خمس مراتٍ، الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، إجماعًا قطعيًّا لا إشكال فيه، ومن جحد وجوبها أو شك في ذلك، أو سخر بها، فإن هذا ضالٌّ كافرٌ بإجماع الأمة؛ لأن هذه الصلوات الخمس من المعلوم من الدين بالضرورة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم عرج به إلى السماء وفرض الله عليه الصلوات الخمس مشافهةً خمسين صلاةً فما زال نبينا يتردد بين ربه وبين موسى حتى جعلها خمسًا في العدد وهي خمسون في الثواب، تفضلًا من الله وكرمًا ورحمةً.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: « إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كل يومٍ وليلةٍ»، والله يقول: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]، وقال: ﴿ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾ [التوبة: 5]، ﴿ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ [التوبة: 11]، فهذه فريضةٌ عظيمةٌ يجب على المسلم أن يؤمن بوجوبها، ويعتقد اعتقادًا قلبيًّا وعملًا جوارحيًّا، فلابد أن يأتي الصلوات الخمس، فإن لم يؤدها وقال: أنا مؤمنٌ بوجوبها وفرضيتها، لكني لا أؤديها، نقول إن هذا قولٌ باطلٌ، إذ لو كنت معتقدًا لوجوبها لأديتها، فترك الصلاة يدل على النفاق، وعلى الضلال، ولا أظن مسلمًا يتهاون بالصلاة إلا إنسانًا في قلبه مرض، فالمسلم حقًّا يحافظ على الصلات ويؤديها، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 9- 11].
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»، وقال: «بين العبد والشرك أو الكفر ترك الصلاة».
وأخبر أن أهل النار إذا سئلوا يوم القيامة ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخَائِضِينَ﴾ [المدثر: 42- 45]، إذن فتكذيب يوم الدين والخوض مع الخائضين، مقارِنةً بترك الصلاة كل ذلك كفرٌ وضلالٌ نسأل الله السلامة والعافية.
فبالإجماع أنها فرضٌ، وأنها اعتقادٌ بالقلب واجبٌ، أما من تركها جحودًا لها فهذا لا إشكال في أنه مرتدٌ عن الإسلام، خارجٌ عن الإسلام، لا دين له.
ومن تركها تهاونًا وكسلًا مع الاعتقاد بوجوبها فهو على خطرٍ عظيمٍ، وباب شرٍ سيء يوشك أن يزلَّ في الكفر وهو لا يشعر.
فالواجب على المسلم أن يحافظ على الصلوات الخمس محافظةً تامةً، ويتقرب بأدائها؛ لأنها فريضة الإسلام ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [العنكبوت: 45].
ويجب علينا أن نحافظ عليها، وإذا كان قولٌ قيل فيه لكن ما ينبغي لمسلم أن يضيعها، تركها والاستخفاف بها من علامات النفاق، ﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى ﴾ [النساء: 142].

{أحسن الله إليك..
السائل الثاني يقول: ما قولكم في العبارة التالية: "لا إله إلا الله" تعني: أنه لا يوجد خالقٌ ولا رازقٌ إلا الله }
هذه الكلمة "لا إله إلا الله" معناها حقًّا لا معبود حقٌ إلا الله، لا نافية للجنس، وخبرها محذوف تقديره حقٌ، دل على أنه لا إله معبود حقًّا.
أما "لا إله خالق" هذه ما فيها إشكالٌ، كل العالم وكل الخلق مُقرون بأن الله خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ما فيه إشكالٌ في ذلك، لكن الشرك وقع فيهم حيث جعلوا بينهم وبين الله وسائط يقولون هذا واسطةٌ ندعوه ونرجوه ليشفع لنا عند ربنا وينقذنا مما نحن فيه وهذا كفرٌ وضلالٌ، لأن الله خلقنا لنعبده وحده، ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
و"لا إله إلا الله" فَهِمَ العرب الأوائل منها أنها تقتضي إخلاص الدين لله، قال الله جلَّ وعلَا: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾[الصافات: 35، 36]، وقال عنهم إنهم قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5].
فـ "لا إله إلا الله" تقتضي إفراد الله بالعبادة، "لا إله" .. "لا" هنا للنفي، "إلا" الإثبات، "إله" أي: معبود بحقٍّ، أما قول: "لا إله موجود"، لا، الوجود والقدرة هذه أمرٌ مجمعٌ عليه، وإنما جاءت الرسل بالدعوة إلى: "لا إله إلا الله"، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].

{أحسن الله إليك..
يقول السائل: ما هي أسباب انشراح الصدر وطمأنينته؟}
أعظم أسباب انشراح الصدر الإيمان بالله، فالإيمان بالله جلَّ وعلَا والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم والإيمان بكتاب الله، والإيمان بملائكته ورسله، والإيمان بقضائه وقدره، كل هذه مما تقوي الإيمان في القلب، ما السؤال؟
{أسباب انشراح الصدر وطمأنينته}
وينشرح صدر الإنسان بها، ﴿ أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر: 22]، فمن وفقه الله للإسلام ويشرح صدره للإسلام فإنه قد نال خيرًا كثيرًا وفضلًا عظيمًا، الصدقات والإحسان وبذل المعروف مما يشرح الصدر، كظم الصدر والعفو عمن ظلمك من أسباب شرح الصدر، إحسانك إلى من أساء إليك، عطاؤك لمن منعك، كل هذه من أسباب شرح الصدر.

{أحسن الله إليك.. نبدأ في الدرس يا شيخ}
نعم.

{بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، يقول الشيخ -رحمه الله تعالى: (المرتبة الثانية، الإيمان، وهو بضعٌ وسبعون شعبةً، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان)}.
المرتبة التالية: مرتبة الإيمان، فالدين الإسلامي مراتب، إسلامٌ وقد مضى بأركانه الخمسة، التي أسندناها إلى توحيد الله -جلَّ وعلَا-، والصلاة والصوم والزكاة والحج.
ثانيًا: الإيمان، فالإيمان أضيق من الإسلام، دائرة .. ثم الإحسان يكون أضيق منه، فالإيمان الحقيقي هو الإيمان بالله، أنه ربنا، وخالقنا، ورازقنا، وأن له أسماءً وصفاتٍ تليق بجلاله، وأنه يجب علينا أن نؤمن به ونوحده -جلَّ وعلَا-، نفرده بالدعاء والرجاء والخوف، لا ندعو سواه، ولا نرجو غيره.. نؤمن بالله -جلَّ وعلَا-، قال -صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضعٌ وسبعون شعبةً، أعلاها قول لا إله إلا الله»، فلا إله إلا الله أعلى شعب الإيمان وأفضلها؛ لأن بصحتها تصح الأعمال، وبفسادها تفسد الأعمال.
فمن اعتقد عبادة غير الله، أو ادعى أنَّ "لا إله إلا الله" تعود إلى الربوبية، فقد أخطأ وضل سواء السبيل، فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما دعا العرب للإيمان بالرب وحده، إنما دعاهم إلى التوحيد وإخلاص الدين لله، الإيمان بربنا فطرة الله التي فطر الخلق عليها، قال صلى الله عليه وسلم: "ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، فالفطرة السليمة هي توحيد الله، وإخلاص الدين لله، فيجب علينا ذلك، فـ "الإيمان بضعٌ وسبعون شعبةً أعلاها "لا إله إلا الله"، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، فإن إماطة الأذى عن الطريق من خصال الخير، وقد جاء أن رجلًا مر بجذوةٍ ملقاةٍ في الطريق تؤذي الناس، فقلعها، فشكر الله له، وأدخله الجنة.
فالإيمان عظيمٌ، يعني: إيمانٌ بالله وتوحيده، ومنه إزاحة الأذى عن الطريق.
والإيمان: "قولٌ واعتقادٌ وعملٌ"، اعتقادٌ ونطقٌ وعملٌ، اعتقاد القلب وأنه معتقد الإيمان حقًا، لا تقليدًا، ولكن اعتقادًا عن فهمٍ ويقينٍ، ثم عمل القلب، ثم قول اللسان، ثم عمل الجوارح، فالأعمال عمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، عمل القلب اعتقاده، وعمل اللسان النطق به، وعمل الجوارح تنفيذ ذلك الإيمان بشعبه المختلفة، قال فهي كثيرةٌ، فمن استوفاها استوفى الإيمان، ومن يحرص على تطبيقها، وكلما علم سنةً يعمل بها تقربًا إلى الله -جلَّ وعلَا.

{قال المؤلف -رحمه الله: (وأركانه ستةٌ: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، والدليل على هذه الأركان الستة: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ [البقرة: 177]، ودليل القدر: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49])}.
الإيمان بالله، الإيمان بملائكة الله، الذين خلقهم الله من نورٍ، وكلفهم بأعمال العباد، منهم من كلفه بالريح، منهم من كلفه بالمطر، منهم من وُكِلَ إليه الجبال، منهم من وُكِلَ حفظ بني آدم، منهم من وُكِلَ لأعمال حال الخلق كلهم، خلق الله الملائكة وجعلهم مسئولين عن أداء، وكل ذلك بإرادته التامة، وهم يعملون بعلم الله، ويخافون من الله، ويشفقون من الله، وينفذون الأوامر كما أمرهم ربهم ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 27]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206]، فالملائكة عبادٌ كرمهم الله وشرفهم، وجعلهم وكلاء على بني آدم، منهم رضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار، وميكائيل ملك المطر، وعزرائيل كما يقال لقبض الأرواح، إلى غير ذلك مما وكلهم الله به، قال الله -جلَّ وعلَا- عنهم: ﴿ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].
{قال المؤلف -رحمه الله: (المرتبة الثالثة: الإحسان ركنٌ واحدٌ)}.
ومنهم رسل الله، الذين أرسلهم إلى عباده؛ ليبلغوا رسالة الله ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: 78]، ومنهم المنزل بالتوراة والإنجيل والزبور، وأنها كلام الله أنزلها على الأنبياء، ونؤمن باليوم الآخر، وما به من الجزاء والحساب، والجنة والنار، والكتب والحوض والميزان وغير ذلك.
ونؤمن بقضاء الله وقدره، وأنَّ ما شاء الله كان، أن الله -جلَّ وعلَا- علم الأشياء قبل كونها، ثم كتب ذلك العلم قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، ثم أنشأه وخلقه، نؤمن بهذا كله، هذا بعض إيماننا فلابد من هذا الإيمان الصادق، الذي يتبعه تدبر الأعمال، ويتبعه الاعتقاد السليم.

أما الإحسان تعريفه: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإن من تراه تخاف منه، والمؤمن يخشى الله بالغيب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:12]، فإن لم تكن تراه في الواقع، فاعلم أنه يراك ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 218، 219]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]، وصلى الله على سيدنا محمدٍ..

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك

سلاسل أخرى للشيخ