الدرس التاسع

معالي الشيخ د. صالح بن فوزان الفوزان

إحصائية السلسلة

2227 12
الدرس التاسع

آداب المشي إلى الصلاة (2)

بِسمِ الله الرحمن الرحيم.
الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، والصَّلاة والسَّلامُ على قَائدِ الغُرِّ المُحجَّلينَ، نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
مَرحبًا بِكم أيُّها الإخوة والأخوات في دَرسٍ مِن دُروسِ كِتاب "آداب المشي إلى الصَّلاة"، ضيف هذا اللقاء هو سماحة العلَّامة الشَّيخ صالح بن فوزان الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللَّجنة الدَّائمة للإفتاء.
باسمكم جَميعًا -أيُّها السَّادة- نُرَحبُ بسماحته، ونشكر له تفضله بشرح هذا الكتاب المبارك، فأهلًا ومرحبًا سماحة الشيخ صالح}.
حيَّاكم الله وباركَ فيكم.
{مِنَ الأسئلةِ التي وَرَدَتْ في الدَّرسِ السَّابقِ فضيلة الشَّيخ: يقول السَّائل: مَا الأسبابُ الجالبة للخشوع في الصَّلاة؟
وإذا لم يَخشع الإنسان في صلاته أو في نافلته هل تُحسَب له الصَّلاة؟
وهل عليه إعادتها؟}.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلهِ وأصحابِهِ أجمعينَ.
الخشوعُ في الصَّلاة هو روحها، فصلاةٌ ليس فيها خُشُوعٌ لَيس فيها روحٌ، فهي مثل الجسد الميِّت.
والخشوعُ هو: السُّكون وإن قَلَّ، قال الله -سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾[المؤمنون:1-2].
فالخشوع في الصَّلاة هو قلبها ولبُّها، وهذا مَنٌ مِن الله -جلَّ وعَلا- يمنُّ به على مَن يشاء، ولكن على العبد أن يفعل الأسباب الجالبة للخشوعِ، ويتجنَّب الأسباب المنافية للخشوعِ؛ ولذلك نَهى النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أن يدخل في الصَّلاة وهو حاقنٌ للبول ، أو حاقب للغائط؛ حتى يتفرَّغ للخشوعِ في الصَّلاة، ولا ينشغل بهذه الأمور التي تُضايقه.
- وكذلك نُهي أن يُصليَ وهو بحضرة طعامٍ يَشتهيه حتى يأخذ نهمته مِن هذا الطَّعام؛ لأنَّ هذا أيضًا يُذهِبُ الخشوع إذا دَخَل في الصَّلاة ولم يتناول من هذا الطَّعام الحاضر ما يُذهب شهوته وحاجته إليه، قال -صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ» ، أي: البول والغائط.
- وكذلك نُهيَ أن يُصليَ في مكانٍ شَديدِ الحرارة، أو شَدِيدِ البرودة؛ لأنَّ هذا يُذهب الخشوع.
- ولا يُصلي في مكان فيه حصًى أو شوكٌ يُؤذيه.
كلُّ هذه الأشياء يتجنَّبها المُصَلِّي؛ لأنَّها تُذهب الخشوع، وتشغل المُصَلِّي عن الخشوع، وقال -عليه الصَّلاة والسَّلام: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» ، فالصَّلاة في مَكانٍ شَديدِ الحرارة يُشغل الإنسان ويُذهب الخشوع.

{هذا سائل له أسئلة عن سُجودِ السَّهو، يقول: إذا قرأ في السُّجود والرُّكوع ناسيًا؛ هل يَسجد للسَّهو؟}.
يُستحب له إذا أتى بقولٍ مَشروع في غَيرِ مَوضِعِهِ أن يَسجُدَ للسَّهو، وليس ذلك بواجب.
{مَا حُكمُ النَّحنحة في الصَّلاة عمدًا؟}.
إذا تنحنح في الصَّلاة فبانَ حرفان فإنَّها تُبطل الصَّلاة؛ لأنَّ الحرفين كلمة، والكلام من غير المشروع في الصَّلاة يُبطلها.

{إِذَا شَكَّ المسبوق كم فاته، فهل يَقْتَضِي بِجَارِه؟}
نعم، الصُّفوف يقتضي بعضها ببعض، فالصُّفوف المؤخَّرة تقتضي بالصُّفوف التي أمامها، والصُّفوف الأماميَّة تقتضي بالإمام؛ لأنَّها تراه.
{أيهما الأفضل: الانشغال بالعلم، أم التَّنفُّل بنوافل العبادات؟}.
الانشغال بالعلم أفضل من الانشغال بنوافل العبادات، قال -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» ، فالانشغال بطلب العِلمِ أفضل من الانشغال بنوافل العبادة.

{مَا فَضْلُ كَثْرَةِ التَّطوُّع؟}
كَثْرَةُ التَّطوعِ مِن الصَّلوات ومِن الصَّدقات ومِن سائرِ أنواعِ العبادات؛ هذا ممَّا يُعظِمُ الله به أجر المسلم، وأيضًا ممَّا يجبر ما يحصل في الفرائض مِن نَقصٍ إن كان فيها نَقصٌ.
{مَا الحكمةُ مِن مَشروعية التَّطوع؟}
كما ذكرنا أنَّ الحكمة: جُبران مَا يحصلُ في الواجبات مِن نَقْصٍ، وزيادة الخير في عمل المسلم.
{مَا أفضلُ صلاة التَّطوع؟}.
أفضل صلاة التَّطوع صلاة الليل، حِينَ يبقى ثُلُثَ الليلِ الآخِر هذا أفضل الأوقات؛ لأنَّه وقت النُّزول الإلهي، فينزل ربُّنا -جلَّ وعَلا- إلى السماء الدُّنيا كل ليلة نُزولًا يليق بجلاله، فيقول: هَل مِن دَاعٍ فَأستَجِيبَ له، هل مِن مُستَغفِرٍ فَأغْفِرَ لَه؟
فهذا هو أفضل صلاة التطوع.

{قال المؤلف -رحمه الله تعالى: (وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَسُنَنُ أَفْعَالٍ، مِثْلُ: كَوْنِ الأَصَابِعِ مَضُمُومَةً مَبْسُوطَةً مُسْتَقْبِلاً بِهَا الْقِبْلَةَ عِنْدَ الإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ)}.
وما سوى سُنَنِ الأقوالِ التي مَضت -وذكرها المؤلف- فهو سُنَنُ أَفعَالٍ، ومن أمثلة سُنَنِ الأفعالِ مَا ذَكَرَهُ المؤلفُ وَهُو:
(كَوْنِ الأَصَابِعِ مَضُمُومَةً)، يعني: مُلصقٌ بعضها ببعض.
و( مَبْسُوطَةً)، أي: مبسوطة على الفخذين وقت الجلوس بين السَّجدتين والجلوس في التَّشهُّد.
قوله: (مُسْتَقْبِلاً بِهَا الْقِبْلَةَ عِنْدَ الإِحْرَامِ)، هذا من المواضع التي تُضَمُّ فيها الأصابع بعضها إلى بعض، مُستقبلًا ببطونها القبلة عند تكبيرة الإحرام -وهي التَّكبيرة الأولى- التي يدخل بها العبد في الصَّلاة.

{(وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَحَطُّهُمَا عَقِبَ ذَلِكَ)}.
يرفع يديه عند الرُّكوع وعند الرفع منه.
وقوله: (وَحَطُّهُمَا عَقِبَ ذَلِكَ)، أي: إذا رفع يَدَيِه عِندَ تَكبيرةِ الإحرامِ فَإِنَّه يَحُطُّهُمَا إِذَا فَرَغَ مِن تَكبيرة الإحرامِ.

{(وَقَبْضُ الْيَمِينِ عَلَى كُوعِ الشِّمَالِ)}.
يعني: قبضُ اليَدِ اليُمنَى بِكُوعِ اليَدِ اليُسْرَى.
والكوع: هو مِفصل الكفِّ مِنَ الذِّراعِ.
وأمَّا مِفصل الذِّراع من العَضُدِ فَهَذَا يُسَمَّى بِالْمِرْفَقِ، وَلا يُسَمَّى بِالكُوعِ.

{(وَجَعْلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ)}.
بعد تكبيرة الإحرام يَقْبِضُ الكَفَّ اليُسْرَى بالكفِ اليُمنى، ويجعلهما تحت سُرَّته كما ورد في حديث عليٍّ -رضي الله عنه- وإن وضعهما تحت صدره فكذلك هذا من السُّنَّة، فيضعهما إمَّا تحت صدره وإمَّا تحت سرَّته في حال قيامه في الصَّلاة، ولا يسدلهما.

{(وَالنَّظَرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ)}.
هذا من سنن الأفعال، وهو أنَّ المُصَلِّي ينظر إلى موضع سجوده؛ لأنَّ ذلك أجمع للخشوع، ولا يرفع بصره إلى السَّماء وهو يصلِّي؛ لأنَّ هذا مَنهيٌّ عنه وَمُتوعَّدٌ عليه، وكذلك لا يُسرِّح طرفه يمنًا وشمالًا وينظر في المارَّةِ وما حوله؛ لأنَّ هذا يشغله عن صلاته.

{(وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ فِي قِيَامِهِ)}.
وَمِن سُنن الصَّلاة تفريقه بين قدميه في قِيامِه، لَكن لا يُبَالِغ في التَّفريقِ كما يَفعلُ بَعضُ الشَّباب اليوم، فإنَّ هَذا ليس مِن السُّنَّة، وهذا يُضايق مَن بجانبه، ويأخذُ مَكانًا أكثر ممَّا يحتاجه.
{(وَمُرَاوَحَتُهُ بَينَهُمَ)}.
مُرَاوَحَتُهُ بينَ رجليه يعني: يَعتمدُ على اليُمنَى ثُمَّ يَعتمدُ على اليُسرى وهو قَائِم.
{(وَتَرْتِيلُ الْقُرْآنِ)}.
وممَّا يُستحبُّ في الصَّلاة ترتيل القراءة بأن يَقرأ الآيات مُترسِّلًا بِقراءتها ولا يهذُّها هذًّا، ولا يمطِّطُّها تمطيطًا، وإنَّما يُرَتِّلُهَا، قال -جلَّ وعَلا: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلً﴾[المزمل:4].
الترتيل هنا معناه: أن يترسَّلَ في القَراءة، فلا يَهذُّ القُرآن هذَّ الشِّعر، ولا يمطِّطه بأحكام التَجويد ويُبالغ فيه كما يفعل بعض الذين يَطلبون الفضيلة ولكن يُخطئون في هذا ويُبالغون.
{(وَالتَّخْفِيفُ لِلإِمَامِ)}.
لقوله -صلى الله عليه وسلم: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا الْحَاجَةِ» ، لكنَّه تخفيف من الإتمام، ويُنهى عن التَّخفيف المخل بالصَّلاة.
{(وَكَوْنُ الأُولَى أَطْوَلَ مِنَ الثَّانِيَةِ)}.
ويُستحب كون الرَّكعة الأولى أطول مِن الثَّانية اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم.

{(وَقَبْضُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ)}.
ويكونُ قَبضُ رُكبَتيه بيديه حَال الرُّكوع، وحال الجلوس بين السجدتين.
{(مُفَرَّجَةَ الأَصَابِعِ فِي الرُّكُوعِ)}.
يعني: يضع كلَّ يدٍ على ركبة، فيُلقمها إيَّاها مُفرجتي الأصابع، ولا يضمهما.
{(ومَدُّ ظَهْرِهِ مُسْتَوِيً)}.
ويُستحبُّ مَدُّ ظهره في الرُّكوع مُستويًا، فلا يخفض رأسه ويدليه، ولا يَرفعه ويشخصه، وإنَّما يكون رأسه بحيال رأسه كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل.
{(وَجَعْلُ رَأْسِهِ حِيَالَهُ)}.
يعني: جَعْلُ رأسِهِ حِيالَ ظَهرِه، هذا معنى المدِّ، فيمدُّ ظَهرَهُ مُستويًا، ويجعل رَأسَهُ مُساويًا لِظَهرِه.
{(وَمُجَافَاةُ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ)}.
يُجافي عَضُدَيه عَن جنبيه في الرُّكوع، ويُجافي عَضُدَيهِ عَن جنبيه في السُّجُود، ولا يضمهما إلى جنبه.
{(وَوَضْعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ)}
وَيُستَحَبُّ وَضعُ رُكبتيه قَبلَ يَدَيهِ فِي سُجُودِه، إِلَّا إن كان كبير السِّنِّ أو مَريضًا ويحتاج إلى الاعتماد على يديه حينَ يخرُّ للسُّجود فلا بأس أن يُقدِّمَ يديه قبل ركبتيه.
{(وَرَفْعُ يَدَيْهِ قَبْلَهُمَا فِي الْقِيَامِ)}.

ويُستحب رفع يديه قبل ركبتيه في القيام، فيرفع رأسه ثم يرفع يديه، ثم يرفع ركبتيه.
{(وَتَمْكِينُ جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ مِنَ الأَرْضِ)}.
يُستَحَبُّ تمكين المُصَلِّي لجبهتهِ مِنَ الأرضِ وَأنفه؛ لأنَّ الأنف تابعٌ للجبهة، والجبهة من أعضاء السُّجود فلا يرفعها عن الأرضِ، وإنَّما يَسجدُ على جبهته على المُصلَّى، سواء صلَّى على الأرض، أو صلَّى على فراش.
{(وَمُجَافَاةُ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ)}.
كما سبق، لا يلصق عَضُدَيْهِ بجنبيه وهو راكعٌ أو ساجدٌ، وإنَّما يُجافي، يعني يفصل ما بينَ جنبه وعَضُدَيْهِ.
{(وَجَعْلُ بُطُونِ أَصَابِعِهِمَا إِلَى الأَرْضِ مُفَرَّقَةً)}.
وَيَجعَل بُطُونِ أصابع يديه على الأرض مُفرقة، فلا يَضمُّ بعضُها إلى بعضٍ، وكذلك أصابع رجليه يجعل بطونها إلى الأرض وهو ساجد.
{شكر الله لكم فضيلة الشيخ صالح على تفضُّلكم بشرح هذا الدرس الطيب المبارك من كتاب آداب المشي إلى الصَّلاة.
نستقبل ما تبقَّى من هذه الدُّروس المهمَّة في هذا الكتاب المبارك، حتى ذلكم الحين أنقل لكم تحيَّات فريق العمل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته}.

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك