الدرس الثالث

فضيلة الشيخ د. سليمان بن عبدالعزيز العيوني

إحصائية السلسلة

5290 11
الدرس الثالث

ملحة الإعراب (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله وبياكم، في هذه الليلة، ليلة الثلاثاء، الرابع والعشرين من جمادى الأولى، من سنة ثمانٍ وثلاثين وأربعمائةٍ وألفٍ، ونحن في الأكاديمية الإسلامية المفتوحة؛ لنعقد هذا الدَّرس في مدينة الرياض، وهو الدَّرسَ الرَّابِع عَشر، مِن دُرُوسِ شَرحِ "مُلْحَةُ الإِعْرَابِ"، للحريري البصري -عليه رحمة الله.

كُنَّا في الدَّرسِ الماضي قد ابتدأنا الكَلامَ على باب "المبتدأ والخبر"، ولكننا لم ننته منه، في هذه الليلة -إن شاء الله تعالى- سنحاول أن ننتهي من هذا الباب.

في الدَّرسِ الماضي كنا قَد قَرأنا الأبيات التي قالها الحريري -رحمه الله تعالى، وشرحنا منها ما يتعلق بتعريف "المبتدأ والخبر"، والأمثلة التي ذكرها، ثم بعد ذلك انتقل الحريري -رحمه الله تعالى- إلى الكلام على تقديم الخبر، فقال -رحمه الله تعالى:

وقَدِّمِ الأخبارَ إذ تَستَفهِمُ
 

 

كقولِهِم أينَ الكَريمُ المُنعِمُ
 

ومثلُهُ كيفَ المريضُ المُدْنَفُ
 

 

وأيّها الغَادي متَى المُنصَرَفُ
 

عرفنا يا إخوان، أنَّ الأصل في ترتيب الجملة الاسمية، أن يتقدم المبتدأ، وأن يتأخر الخبر، إلا أنَّ هذا الترتيب هو الأصل، وليس الواجب، فلذا يجوز أن يتأخر المبتدأ، وأن يتقدم الخبر، إلا إذا وجب تقدم المبتدأ وتأخر الخبر.

إذن فهناك مواضع يجب فيها أن يتقدم المبتدأ، فالخبر حينئذٍ يجب أن يتأخر، في غير هذه المواضع، مواضع الوجوب، فإن تقدم الخبر يكون جائزًا، إلا أنَّ الأصل أن يتقدم المبتدأ.

أهم موضعين لتقدم الخبر وجوبًا، أهم موضعين يتقدم فيها الخبر على المبتدأ، هما:

الموضع الأول: أن يكون الخبر اسمًا له الصدارة.

هناك أسماء في اللغة يقولون لها الصدارة، يعني: إذا جاءت في جملةٍ، فيجب أن تكون في صدارة جملتها، في أول جملتها، مهما كان إعرابها، كانت مبتدأً، أو خبرًا، أو حالًا، أو ظرف زمانٍ، أو ظرف مكانٍ، أو غير ذلك، فيجب أن تكون في صدارة الجملة، جملتها، من ذلك أسماء الاستفهام، ومن ذلك أسماء الشرط، فإذا وقع الخبر اسم استفهامٍ، فحينئذٍ يكون الخبر واجب التقديم، ويكون المبتدأ واجب التأخير، كقولنا مثلًا: "مَن أبوك؟" أو: "متى السفر؟"، أو "أين زيدٌ؟" وهكذا.

فـ"متى" و"أين" من أسماء الاستفهام، وهما في الأصل ظرفان، فـ"متى" ظرف مكانٍ، و"أين" ظرف مكانٍ، إلا أنهما تضمنا الاستفهام، فهما في الأصل ظرفان، ومعلومٌ أن الظروف لا تكون مبتدأً كما شرحنا ذلك في الدرس السَّابق، فالمبتدأ لا يكون فِعلًا، ولا يكون حرفًا، ولا يكون جملةً، ولا يكون شبه جملةٍ، جارًّا ومجرورًا، أو ظرف زمانٍ، أو ظرف مكانٍ.

فلهذا لو قلت: "أين زيد؟" فـ "أين" حينئذٍ شبه الجملة، فتكون خبرًا مُقدمًا، و"زيد" يكون مبتدأً مُؤخرًا، وحكم تقديم الخبر هنا واجبٌ، وكذلك "متى السفر؟".

وكذلك لو قلت: "من أبوك؟"، "من": ستكون خَبرًا مُقدمًا.

و"أبوك": مبتدأٌ مؤخرٌ، لماذا قلنا إن "مَن" خبرٌ، و"أبوك" مبتدأٌ؟

ذكرنا في آخر الدَّرس الماضي أنَّ القاعدة في إعراب أسماء الاستفهام: أنها تُعرب بإعراب ما يقابلها في الجواب، كيف؟

نُجِيبُ إجابةً كاملةً، فإذا قلت مثلًا: "متى السفر؟"

الجواب: "السفر يوم الخميس"، فـ "السفر" مبتدأٌ تقابل "السفر" في السؤال مبتدأٌ، و"يوم الخميس" شبه جملةٍ خبرٌ، تقابل "أين" في السؤال.

وكذلك لو قلت: "من أبوك؟

"أبوك" اسمه محمد، إذا قيل لك: "من أبوك؟" ماذا ستقول في الإجابة الكاملة؟

"أبي محمدٌ" فـ "أبي": مبتدأٌ و"محمدٌ" خبرٌ.

"أبي" في الجواب، ماذا تقابل في السؤال؟

تقابل: "أبوك"، "أبوك" يعني: أبو المخاطب، ثم المخاطب يقول: "أبي" فأبو المخاطب، هو أبو المخاطب في السؤال، "أبي" تقابل "أبوك"، فـ "من أبوك؟"، "أبوك" مبتدأٌ مؤخرٌ، و"محمد" هو المسئول عنه، فتقابل "من"، فـ "من" خبرٌ مُقدمٌ وجوبًا حينئذٍ.

هذا الموضع أشار إليه الحرير في قوله، الذي قرأناه قبل قليلٍ: "وقدِّم الأخبار إذ تستفهم"، يعني قدِّم الأخبار وجوبًا إذا كانت أسماء استفهامٍ، مثَّل -رحمه الله- بثلاثة أمثلةٍ.

الأول: "أين الكريم؟"، فـ "أين" خبرٌ، و"الكريم" مبتدأٌ.

والثاني: "كيف المريض؟"، فـ "المريض" مبتدأٌ، و"كيف" خبرٌ مُقدَّمٌ.

الثالث: و"متى المنصرف"، "المنصرف" مبتدأٌ، و"متى" خبرٌ مُقدَّمٌ.

الموضع الثاني لوجوب تقديم الخبر وجوبًا: إذا كان الخبر شبه جملةٍ، والمبتدأ نكرةٌ.

ما المراد بشبه الجملة؟

ذكرنا أكثر من مرةٍ أن شبه الجملة: الجار والمجرور، وظرف الزمان، وظرف المكان.

والنكرة معروفةٌ، كأن تقول مثلًا: "في البيتِ رجلٌ"، "في البيت" شبه جملةٍ، و"رجلٌ" مبتدأٌ؛ لأنه اسم عارٍ عن العوامل اللفظية، فـ "رجلٌ" مبتدأٌ لكنه مؤخرٌ وجوبًا، و"في البيت" شبه جملةٍ خبرٌ مُقدَّمٌ وجوبًا.

وفي قولك: "في المسألة نظر"، وكقولك: "عندي مالٌ"، "عندي" ظرف مكانٍ، فـ"عندي" شبه جملةٍ، خبرٌ مُقدَّمٌ، و"مالٌ" مبتدأٌ مؤخرٌ، وتقول: "عندك خيرٌ"، وهكذا. فهذا هو الموضع الثاني لوجوب تقديم الخبر.

في ما سوى هذين الموضعين، وهما أشهر مواضع الوجوب، يعني: في غير مواضع وجوب تقديم الخبر، فما حكم تقديم الخبر حينئذٍ على المبتدأ؟

نقول: حكمه الجواز، كأنه تقول مثلًا: "محمدٌ قائمٌ"، مبتدأٌ وخبرٌ، يجوز أن تقدم الخبر فتقول: "قائمٌ محمدٌ".

لو قلنا مثلًا: "محمدٌ في البيت"، يجوز أن نقول: "في البيت محمدٌ"، "في البيت" خبرٌ، و"محمدٌ" مبتدأٌ، الخبر هنا شبه جملةٍ، ومتقدمٌ، لكن "محمدٌ" المبتدأ معرفةٌ، فلهذا لم يكن تقديم الخبر واجبًا، بل كان جائزًا.

وسيأتي أن الحريري قد ذكر وقوع الخبر شبه جملةٍ، وسنفصِّل -إن شاء الله- الكلام في وقوع الخبر شبه جملةٍ، فهذا هو ملخص الكلام على تقدم الخبر وتأخره وجوبًا وجوازًا.

هل هناك من سؤالٍ؟ ما سؤالك يا أخي؟

{في المثال الذي ذكرته "عندي مال"، لو كان المال معرفة، ليس نكرة، فما حكم هذا؟}.

كأن تقول: "عندي المال"، حينئذٍ يكون التقدم واجبًا أم جائزًا؟ جائزًا، تقول: "المال عندي" أو: "عندي المال"، يجوز الوجهان، "الكتاب عندي"، "عندي الكتاب"، "محمد عندي"، "عندي محمد"، يكون التقديم حينئذٍ جائزًا.

كل كلامنا في الجواز -جواز التقديم- إنما هو جوازٌ نحويٌّ، هذا لا يعني أن قولك: "محمدٌ في البيت" كقولك: "في البيت محمدٌ" تمامًا، ولكنه جائزٌ من حيث التركيب النحوي.

أما الذي يجعلك تختار أحد التركيبين، فهو المعنى الدقيق البلاغي، البلاغة هي التي تحدد حينئذٍ المعنى المناسب، هل تقدم الخبر، تقدم المبتدأ، هناك ما يدعو إلى تقديم الخبر، وهناك ما يدعو إلى عدم تقديم الخبر، وهذه الأمور تدخل في دراسة علم المعاني، في علم البلاغة.

ثم إنَّ الحريري -رحمه الله تعالى- بعد ذلك تكلم على وقوع الخبر "شبه جملة"، فقال:

وإنْ يكُنْ بعضُ الظّرُوفِ الخَبَرَا
 

 

فَأوْلِهِ النَّصبَ ودَعْ عنكَ المِرَا
 

تقولُ زيدٌ خَلْفَ عمرٍو قَعَدَا
 

 

والصومُ يومَ السبتِ والسَّيرُ غَدَا
 

سَبَقَ لَنَا عندما تكلمنا على تعريف المبتدأ وتعريف الخبر، أننا قلنا في تعريف الخبر:

الخبر هو ما أُخبر به عن المبتدأ، فالخبر أوسع من المبتدأ؛ لأن المبتدأ عرفنا أنه لا يكون إلا من الأسماء، المبتدأ لا يكون إلا اسمًا، طيب والخبر؟

الخبر يكون اسمًا، يعني: اسمًا مفردًا، ويكون جملةً، جملةً اسميةً، أو جملةً فعليةً، إذن فالخبر يكون أحد هذين الشيئين، إما اسمًا مفردًا، والمراد بالاسم المفرد هنا ما ليس بجملةٍ ولا شبه جملةٍ، هنا المراد به الاسم المفرد، ما ليس بجملةٍ، أو يكون الخبر جملةً اسميةً أو فعليةً.

فإذا قلت مثلًا: "محمدٌ" نخبر عنه بجملةٍ اسميةٍ، يعني: مكونةٌ من مُبتدأٍ وخبرٍ، فنقول: "محمدٌ أبوه زيدٌ"، أو "محمدٌ علمه غزيرٌ"، أو "محمدٌ ثوبه نظيفٌ"، ونخبر عنه بجملةٍ فعليةٍ، أي: مكونةٌ من فعلٍ وفاعلٍ، فنقول: "محمدٌ يقرأ"، أو "محمدٌ يقوم أبوه"، أو "محمدٌ غزر علمه"، أو "محمدٌ قد نجح أخوه"، أو "محمدٌ يذهب أخوه".

فإن لم يكن الخبر جملةً اسميةً، مبتدأً وخبرًا، ولا فعليةً فعلًا وفاعلًا، فإن الخبر حينئذٍ سيكون مفردًا، كقوله: "محمدٌ قائمٌ"، "محمدٌ عالمٌ"، "محمدٌ مضروبٌ"، "محمدٌ حسنٌ"، وإذا قلت: "محمدٌ صديقٌ" فالخبر مفردٌ، وإذا قلت: "محمدٌ صديق عليٍّ"، فالخبر هو قولنا: "صديق عليٍّ"، "صديق عليٍّ" جملةٌ اسميةٌ مبتدأٌ وخبرٌ؟ لا، فعليةٌ فعلٌ وفاعلٌ؟ لا، نقول هنا: إن الخبر مفردٌ؛ لأن المراد بالمفرد هنا خلاف ما يقابله، وهو الجملة.

لو قلت: "محمدٌ كثيرٌ خيره"، فكذلك الخبر هنا مفردٌ، ما فيه فعلٌ وفاعلٌ ولا مبتدأٌ وخبرٌ، "كثيرٌ"، ما قلنا: "كَثُرَ"، لو قلنا: "محمدٌ كَثُرَ خيره" صار فعلًا وفاعلًا، لكن "كثيرٌ" هذا يسمونه صفةً مشبهةً، "محمدٌ كثيرٌ خيره".

كذلك مثلًا لو أردنا أن نطبق على الإسلام، لو قلنا:

"الإسلام عادلٌ"، فالخبر مفردٌ.

لو قلنا: "الإسلام أحكامه عادلةٌ"، فالخبر جملةٌ اسميةٌ.

لو قلنا: "الإسلام يعدل في أحكامه"، فالخبر جملةٌ.

لو قلنا: "الإسلام عادل الأحكام"، فالخبر مفردٌ.

"الإسلام عادلةٌ أحكامه" فكذلك مفردٌ، إلا إذا قلنا أن هناك تقديمًا وتأخيرًا، أي "الإسلام أحكامه عادلةٌ ما"، قدمنا الخبر، فقلنا: "عادلة"، فالخبر يكون جملةً اسميةً، مكونةٌ من خبرٍ مُقدَّمٍ، ومبتدأٍ مؤخرٍ.

ثم بعد أن علمنا أنَّ الخبر لا يكون إلا اسمًا مفردًا أو جملةً، ثم نعلم بعد ذلك أنَّ الخبر قد يقع في الظاهر شبه جملةٍ، شبه الجملة في الظاهر قد تقع خبرًا، فتقول مثلًا: "محمدٌ في البيت"، أخبرنا عن "محمد" بأنه "في البيت"، "محمدٌ فوق السطح"، أخبرنا عن "محمد" بأنه "فوق السطح".

تقول: "السفر في يوم الخميس" أخبرنا عن "السفر" بأنه "في يوم الخميس"، جار ومجرور، "السفر يوم الخميس" أخبرنا عن "السفر" بأنه "يوم الخميس"، وهكذا، نجد أن الجار والمجرور، وظرف الزمان وظرف المكان قد وقعت في هذه الأمثلة في الظاهر خبرًا.

فإذا وقعت شبه الجملة في الظاهر خبرًا، فإن الخبر في الحقيقة كون عام محذوف، وليس شبه الجملة المذكورة.

إذا وقعت شبه الجملة في الظاهر خبرًا، فإن الخبر في الحقيقة كونٌ عامٌّ محذوفٌ، وشبه الجملة المذكورة هذه متعلقٌ بالكون المحذوف. الكون المحذوف يُقدَّر بماذا؟ طبعًا سيقدَّر بكونٍ عامٍ، الكون العام يُراد به: ما يدل على مطلق الوجود، ما يدل على أن هذا الشيء موجودٌ.

طيب موجودٌ على أي صفةٍ؟

ما يدل، إذا دل على صفةٍ معينةٍ، نسميه كونًا خاصًا، الذي يدل على صفةٍ معينةٍ نسميه كونًا خاصًّا، والذي يدل فقط على أن الشيء موجودٌ، من دون ذكر أي صفةٍ من صفاته، نسميه كونًا عامًّا، فهذا الخبر المحذوف نقدره بكونٍ عامٍ، مثل ماذا؟

كأن نقدِّره مثلًا بكلمة: "موجود"، أو "مستقر" أو "كائن" أو "حادث" أو "حاصل" أو "ثابت" كلماتٌ تدل على مطلق الوجود، إما أن نقدِّره اسمًا، كما ذكرنا "موجود - مستقر - ثابت - حاصل" أو نقدِّره فعلًا، فنقدر مثلًا: "استقر - ثبت - حصل" تقدر بحسب المعنى الذي يناسب، أحيانًا قد يناسب اسم، أحيانًا فعل، أحيانًا يناسب موجود، أحيانًا يناسب ثابت، أحيانًا يناسب حاصل، تنظر الكلمة المناسبة فتقدرها.

مثال ذلك: لو قلت مثلًا: "محمدٌ في البيت"، "محمد": مبتدأٌ، و"في البيت" هذا جارٌّ ومجرورٌ كما رأيتم، نقول: الخبر هو كونٌ عامٌ محذوفٌ، تقديره مثلًا "محمدٌ موجودٌ في البيت"، أو "مستقرٌّ في البيت" أو غير ذلك، فإذا قلت: "محمدٌ ثابتٌ" أو "كائنٌ" أو "موجودٌ" أو "مستقرٌّ" في البيت، فالخبر هو هذا المحذوف "موجودٌ"، و"في البيت" شبه الجملة متعلقةٌ بهذا الخبر المحذوف، وكذلك لو كان الخبر ظرفًا، لو قلت: "محمدٌ فوق السطح"، يعني محمدٌ موجودٌ أو مستقرٌّ أو ثابتٌ، أو حاصلٌ، فوق السطح، وهكذا.

فإن قلت: لماذا قال النحويون: إن الخبر في مثل ذلك كونٌ عامٌ محذوفٌ، لماذا لم يقولوا إن الخبر هو شبه الجملة نفسها؟

فالجواب عن ذلك: أن هذا يمنع منه شيئان: يمنعه أمرٌ معنويٌّ، ويمنعه أمرٌ لفظيٌّ، هذا الأمر ممتنعٌ لفظًا، ومعنىً، المعنى يمنعه، يعني خلافه، وكذلك اللفظ.

نبدأ بالمانع المعنوي، المبتدأ والخبر في الحقيقة شيءٌ واحدٌ، فلهذا صح أن تُخبر بالخبر عن المبتدأ، ولولا ذلك لم يصح، أنت إذا قلت: "محمدٌ قائمٌ"، من القائم؟ "محمدٌ"، و"محمدٌ القائم" فلهذا صح أن تُخبر عنه بشيءٍ ثابتٍ فيه، هو نفسه، عن صفةٍ من صفاته، وكذلك لو قلت: "محمدٌ يقوم أبوه"، من الذي يقوم أبوه؟ "محمد"، و"محمدٌ هو الذي يقوم أبوه"، فالمبتدأ هنا هو الخبر، والخبر هو المبتدأ، فلهذا صح الإخبار بهذا عن هذا.

وأمَّا إذا كان الخبر شبه جملةٍ، فإن الخبر حينئذٍ لا يكون هو المبتدأ، بل يكون شيئًا آخر، فأنت إذا قلت: "محمدٌ في البيت"، "محمدٌ": معروفٌ، هذا الإنسان الذكر بلحمه وشحمه، و"في البيت"؟ المراد بـ"في البيت" يعني: ظرفية البيت، يعني: خلاؤه، فضاؤه، هل "محمد" هو خلاء البيت وفضاؤه؟ طبعًا لاشك أن ليس "محمد" خلاء البيت، وفضاء البيت، لكن ما العلاقة بين "محمد" وفضاء البيت وخلاء البيت؟ أنه موجودٌ في هذا الفضاء، أو في هذا الخلاء، إذن فقولك: "محمدٌ في البيت"، إنما تعني العرب بذلك: "محمدٌ موجودٌ في البيت"، إلا أن من قواعد اللغة أن الكون العام يجب حذفه، الكون العام في اللغة يجب حذفه، يعني ما يجوز أن نقول: "محمدٌ موجودٌ في البيت"، هذا خطأٌ، عيبٌ في الكلام، الكون العام يجب حذفه.

كذلك لو قلت: "محمدٌ فوق السطح"، "محمد" هذا الإنسان الذكر، طيب و"فوق البيت" هذا المكان، الذي فوق البيت، هل "محمد" هو هذا المكان؟ طبعًا لا، أنت عندما تتأمل فيها تجد هذا واضحًا، وإنما المراد أن "محمد" موجودٌ في هذا المكان، إلا أن العرب لأنهم يطردون هذا الحذف طردًا، بل يوجبون هذا الحذف، صار هذا كأنه من حقائق كلامهم، فالذي لا ينتبه له، يظنه حقيقةً، وهو ليس بحقيقةٍ، وإنما الحقيقة أن الخبر هو الكون العام المحذوف.

هذا هو المانع المعنوي، طيب وما المانع اللفظي من كون شبه الجملة هي الخبر؟

المانع اللفظي أوضح؛ لأنك لو قلت: "محمدٌ فوق البيت"، لو قلنا: إن "فوق البيت" هو الخبر، لو قلنا إنه هو الخبر، لكان يجب أن نرفع أم ننصب؟ لكان يجب أن نرفعه، ومع ذلك العرب ماذا تقول؟ "محمدٌ فوقُ البيتِ" أم "فوقَ البيتِ"؟ "فوقَ"، كيف تنصبه وهو خبر؟ ليس خبرًا، هذا ظرف مكانٍ، نقول: "فوق" ظرف مكانٍ منصوبٌ، وعلامة نصبه الفتحة، وهو مضافٌ، وما بعده مضافٌ إليه، والخبر كونٌ عامٌ محذوفٌ، هذا الظرف متعلقٌ بالخبر المحذوف، يعني "محمدٌ موجودٌ فوق البيت"، قال تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: 42]، هذه قراءة العشرة، كلهم قرءوا بالنصب، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾، يعني ما قال: "والركب أسفلُ" فدل على أن "أسفلَ" منصوبٌ على الظرفية، وليس خبرًا، وإنما الخبر محذوفٌ مُقدَّرٌ بكونٍ عامٍ، ومثله الجار والمجرور "محمدٌ في البيت"، "في البيت" جارٌّ ومجرورٌ أم خبرٌ؟ ما يصير جارًّا ومجرورًا وخبرًا، هو جارٌّ ومجرورٌ، هذا الجار والمجرور، معلومٌ أن الجار والمجرور لابد أن يتعلقا بمتعلقٍ، ومتعلقه هو الكون المحذوف.

هذا ما ذكره الحريري في قوله: (وإنْ يكُنْ بعضُ الظّرُوفِ الخَبَرَا) ماذا تعمل؟

قال: (فَأوْلِهِ النَّصبَ) يعني: لا ترفع على أنه هو الخبر، وإنما انصبه على أنه باقٍ على ظرفيته، طيب والخبر؟ الخبر هو الكون المحذوف، والذي لا يفهم هذا الكلام ويجادل فيه ويماري، فيقول له الحريري: "ودع عنك المرا"، يعني تأمل في المسألة تجدها واضحة، ولا تمار.

هذا مثاله:

تقولُ زيدٌ خَلْفَ عمرٍو قَعَدَا
 

 

والصومُ يومَ السبتِ والسَّيرُ غَدَا
 

مثَّل بكم مثال؟ مثَّل بثلاثة أمثلة، المثال الأول في قوله: (والصومُ يومَ السبتِ)، أخبر عن الصوم بظرف زمان "يوم السبت" وأبقاه منصوبًا، على أنه ظرفٌ متعلقٌ بالخبر المحذوف، والتقدير: الصوم حاصلٌ يوم السبت مثلًا.

ومثاله الآخر، قال: (والسَّيرُ غَدَا)، يعني: السير حاصل غدًا كذلك.

ومثاله الأول، هو قوله: (زيدٌ خَلْفَ عمرٍو) لم يسكت (قَعَدَا)، (زيدٌ خَلْفَ عمرٍو قَعَدَا) هو ظاهرٌ تمثيله أنه يريد أن "زيد" مبتدأ، و (خَلْفَ عمرٍو) خبر متعلق بكون عام محذوف، يعني: "زيد موجود خلف عمرو"، وهذا فيه نظر، مثاله هذا فيه نظر، ما النظر الذي فيه يا إخوان؟

{يقول: "خلف عمرو قعد"}.

أين الخبر؟ جملة "قعد".

الظاهر أنَّ خبر "زيد" الجملة الفعلية "قعد"، فـ"قعد" فعلٌ ماضٍ، وفاعله ضميرٌ مستترٌ بعده تقديره هو، وأما "خلف عمرو" فهذا الظرف متعلقٌ بكونٍ عامٍّ محذوفٌ، أم متعلقٌ بـ"قعد"؟ متعلقٌ بـ"قعد"، يعني "زيد قعد خلف عمرو"، ثم تقدم الظرف على الفعل، وهذا جائزٌ، فلهذا قلنا: إن في مثاله نظرًا، والله أعلم.

فهذا ما يتعلق بشرح هذين البيتين، وفيهما تكلم -رحمه الله تعالى- على وقوع الخبر في الظاهر شبه جملةٍ.

مما يحسن أن ننبه إليه في هذه المسألة، وهي وقوع شبه الجملة خبرًا، ما أشرنا إليه في المسألة السابقة، من أن الظروف من أسماء الاستفهام، كـ"أين" و"متى" إذا وقعت مع المبتدأ، فإنها لا تكون هي الخبر في الحقيقة، لو قلت: "متى السفر" أو "أين زيد؟"

فنحن قلنا ماذا في: "أين زيد"؟ "زيد" مبتدأ، و"أين" شبه جملةٍ واقعة خبرًا، هم كلهم يقولون: شبه الجملة وقعت خبرًا، يعني: لا إشكال في النحو أن تقول: شبه الجملة وقعت خبرًا، لكن ما معنى وقوع شبه الجملة خبرًا؟

يريدون أن شبه الجملة متعلقةٌ بكونٍ عامٍ محذوفٌ، فأنت لا إشكال في قولك: "محمدٌ في البيت"، تقول: "محمد" مبتدأ، و"في البيت" خبر، هذا لا إشكال فيه، لكن الإشكال أن تقول: إن "في البيت" هو الخبر الحقيقي، إذا قلت "في البيت" هو الخبر، يعني درست وعرفت أن المراد بأن شبه الجملة إذا وقعت خبرًا في الظاهر، فإنما هي في الحقيقة متعلقةٌ بخبرٍ محذوفٍ، مقدرٌ بكونٍ عامٍ، فإذا قلنا: "أين زيد"، فـ"زيد" مبتدأ، و"أين" خبر، طيب الخبر هنا شبه جملة، تفهم مباشرة أنه متعلق بكون عامٌ محذوفٌ، يعني "زيدٌ حاصلٌ أين"، إلا أن "أين" خبر له الصدارة فتقدم، وكذلك "متى السفر؟" يعني "السفر حاصلٌ متى" وهكذا.

نعم، ماذا عندك يا أخي؟

{قلنا: "أين" شبه جملةٍ}.

"أين" شبه جملة ظرف، هكذا تعربه، "أين" تقول: ظرف مكان.

{قلنا: إنها اسم للاستفهام}.

"أين" ظرف مكان إعرابها، وكونها اسم استفهامٍ، هذا معناها، لا إشكال بين المعنى والإعراب، كما لو قلت: "جاء محمدٌ"، "محمدٌ" فاعلٌ، هذا إعرابه، لكن معناه المسمى به، يعني هذا الإنسان، فالمعنى شيءٌ، والإعراب شيءٌ آخر، ما فيه مضادةٌ بينهما.

ننتقل أيضًا إلى مسألةٍ جميلةٍ، ذكرها الحريري وختم بها الكلام على باب المبتدأ والخبر، مسألةٌ جميلةٌ، وكثيرة الورود في الكلام، وذكر أنه يجوز فيها الرَّفع والنَّصب، فقال:

وإنْ تَقُلْ أينَ الأميرُ جالِسُ
 

 

وفي فَنَاءِ الدّارِ بِشْرٌ مَائِسُ
 

فجَالسٌ ومَائِسُ قدْ رُفِعَا
 

 

وقد أُجِيزَ الرّفعُ والنّصبُ مَعَ
 

هذه المسألة ما ضابطها؟

هذه المسألة ضابطها أنه إذا جاء مع المبتدأ (شبه جملةٍ، واسمٌ)، وشبه الجملة يصح أن تكون الخبر، وهذا الاسم يصح أن يكون الخبر، كل منهما يصح أن يكون خبر المبتدأ، كقولك:

"زيدٌ في البيت جالسٌ"، المبتدأ "زيد" و"في البيت" شبه جملةٍ، ألا يصح أن تكون هي الخبر فتقول: "زيد في البيت"؟ يصح، ثم "جالس" ألا يصح أن تكون "جالس" هي الخبر، فتقول: "زيدٌ جالسٌ"؟ نعم، إذا جاء مع المبتدأ (شبه جملةٍ واسمٌ)، وشبه الجملة والاسم كلاهما يصح أن يكون هو الخبر، فما الحكم حينئذٍ؟

نقول: لهذه المسألة حالتان:

الحالة الأولى: أن يتقدم الاسم، وأن يتأخر شبه الجملة،  يعني: ماذا نقول؟

نقول: "محمدٌ جالسٌ في البيت"، "محمدٌ" هذا المبتدأ، بعد ذلك هات الاسم وشبه الجملة، لكن الاسم متقدمٌ، وشبه الجملة متأخرةٌ، فتقول: "محمدٌ جالسٌ في البيت".

إذا تقدم الاسم، وتأخرت شبه الجملة، حينئذٍ يجب أن يكون الاسم هو الخبر، وشبه الجملة متعلقةٌ بهذا الاسم، تقول: "محمدٌ جالسٌ في البيت"، "محمدٌ" مبتدأ "جالسٌ" الخبر، "في البيت" جارٌّ ومجرورٌ، ومتعلقان بـ"جالس".

الحالة الأخرى: أن تتقدم شبه الجملة، وأن يتأخر الاسم، فتقول: "محمد في البيت جالس"، هنا يجوز لك جوازًا نحويًّا أن تجعل شبه الجملة هي الخبر، أو تجعل الاسم هو الخبر، يعني لك حينئذٍ وجهان: يجوز في مثل هذا الأسلوب وجهان: أن تجعل شبه الجملة هي الخبر، والوجه الثاني أن تجعل الاسم هو الخبر.

فإن جعلت الخبر شبه الجملة، فماذا ستُعرب الاسم؟ سنعربه حالًا وننصبه، فنقول: "محمدٌ في البيتِ جالسًا"، أخبرت عن "محمد" بماذا؟ بأنه "في البيت"، ثم بيَّنت حالته، فقلت: "جالسًا"، المعنى: "محمدٌ موجودٌ في البيت حالة كونه جالسًا".

والوجه الثاني: إذا جعلت الاسم هو الخبر، فإنك ستقول: "محمدٌ في البيت جالسٌ"، "جالسٌ" هو الخبر، طيب وشبه الجملة متعلقةٌ بماذا؟

متعلقةٌ بـ"جالس"، ولكنها تقدمت عليه، ومعلومٌ أن العرب تتوسع في شبه الجملة، في الجار والمجرور، والظرف، تقدم، وتؤخر، وتفصل به، الأمر فيه واسعٌ.

الخلاصة: أن المبتدأ إذا كان معه شبه جملةٍ واسمٌ، وكل من الاسم وشبه الجملة صالحٌ لكونه خبرًا، فننظر إلى الترتيب، إن تقدم الاسم وتأخر شبه الجملة، فحينئذٍ يجب أن يكون الاسم هو الخبر، وشبه الجملة متعلقةٌ به، وإن كانت شبه الجملة هي المتقدمة، فيجوز الوجهان، وهذا الذي أراده الحريري بقوله: (وقد أُجِيزَ الرّفعُ والنّصبُ مَعَ) يعني: في مثل هذه المسألة.

طبعًا لهذه المسألة أمثلةٌ كثيرةٌ، مثلًا نقول: "زيدٌ فوق البيت نائمٌ"، إما "زيدٌ فوقَ البيتِ نائمٌ" أو "زيدٌ فوقَ البيتِ نائمًا"، ومثال الحريري: (في فناءِ الدار بشرٌ مائسٌ)، هنا فيه تقديم أيضًا لشبه الجملة، "في فناءِ الدار بشرٌ مائسٌ"، أين المبتدأ؟ "بشر" وأين شبه الجملة؟ "في فناء الدار"، وأين الاسم؟ "مائس"، ما الذي تقدم من شبه الجملة والاسم؟

تقدمت شبه الجملة، والاسم تأخر، فيجوز الوجهان، إما أن تقول: "في فناءِ الدار بشرٌ مائسًا"، وإما أن تقول: "في فناءِ الدار بشرٌ مائسٌ"، طبعًا إذا جعلته خبرًا ستصل الكلام بعضه ببعضٍ، "في فناءِ الدار بشرٌ مائسٌ"، وإذا جعلته حالًا ستقف؛ لأن الخبر والمعنى تم قبله، يعني "في فناءِ الدار بشرٌ"، أخبرت عن "بشر" أنه في فناء الدار، ثم قلت: "مائسًا" يعني حالة كونه مائسًا.

وكذلك "أين الأميرُ جالسٌ" و"جالسًا"، "أين الأميرُ جالسٌ" المبتدأ "الأمير"، والظرف "أين"، عرفنا أنه ظرف، والاسم "جالس"، فيصح أن تقول: "أين الأميرُ جالسٌ"، و"أين الأميرُ جالسًا".

و"زيدٌ خلفكَ قاعدٌ" و"قاعدًا"، و"البحرُ أمامك هائجٌ" و"هائجًا"، و"كيف أنت صانعٌ" و"كيف أنت صانعًا"، كل ذلك يدخل في هذه المسألة.

قلنا نحن يا إخوان، في الحالة الثانية، إذا تقدمت شبه الجملة على الاسم فالوجهان جائزان جوازًا نحويًّا، لا يعني ذلك أنهما يجوزان على السواء، وإنما جوازًا نحويًّا، وإنما الذي يحدد أحدهما هو المعنى، يعني أنت ماذا تريد أن تقول؟ كقولك مثلًا: "زيدٌ في البيت جالسٌ" أنت أردت أن تخبرنا عن "زيد" بأنه في البيت؟ أم أردت أن تخبرنا عن "زيد" بأنه جالسٌ في البيت؟ يختلف المعنى، تقول: أنا أردت أن أخبركم أنه جالسٌ في البيت، حينئذٍ نقول: يجب أن تقول: "زيدٌ في البيت جالسٌ"، هنا ما فيه إلا وجهٌ واحدٌ، إذا كان هذا المعنى.

يقول: لا، أنا أردتُ أن أخبركم أنه في البيت، لكن بعد ذلك بدا لي أن أبيِّن حالته، فتقول: قل: "زيدٌ في البيتِ جالسًا"، هذا الفرق بين الجواز النحوي، وبين المعنى المراد، فإذا قلنا جائزٌ، يعني جائز نحويًّا، لكن المعنى هو الذي يحدد أحد هذه الأوجه، وهكذا نقول في الأمثلة السابقة.

نحن قلنا يا إخوان في شرح هذه المسألة، أن المبتدأ يكون معه اسمٌ وشبه جملةٍ، والاسم وشبه الجملة يجوز في كل واحدٍ منهما أن يكون الخبر، لكن إذا لم يجز في شبه الجملة أن تكون الخبر، يعني ما يتم المعنى بها، فهذا يدخل في هذه المسألة؟ لا تدخل أبدًا، حتى لو تقدمت على الاسم، لو قلت: "محمدٌ اليومَ مسافرٌ"، هل يصح أن تُخبر عن "محمد" بـ"اليوم"؟ تقول: "محمدٌ اليوم" وتسكت؟ لا ما يصح، إذن هنا الخبر لا شك أنه "مسافر"، و"اليوم" متعلق بـ"مسافر"، لكن تقدم، هنا لا يصح، كذلك لو قلت: "محمد بك واثق"، لا يصح أن تقول: "بك" الخبر، لأن المعنى ما يتم بها، والخبر: هو الجزء المتم الفائدة، يجب أن تقول: "محمدٌ بك واثقٌ" بالرفع، على أن "واثق" الخبر، و"بك" متعلق به.

مما ينبغي أن نلفت إليه النظر فقط، وإلا سبقت الإشارة إليه، وهو مفهومٌ من عموم الباب: التنبيه إلى حكم المبتدأ والخبر الإعرابي، ما حكمهما الإعرابي؟ لاشك أن حكمها الإعرابي هو الرفع، وقد نص على ذلك الحريري في أول الباب، فقال:

وإنْ فَتَحتَ النّطقَ باسمٍ مُبتَدَا
 

 

فارْفَعْهُ والأخبارَ عنهُ أبَدَا
 

يعني: ارفعه وارفع الأخبار، فحكمهما لاشك أنه الرفع، فإن كانا معربين، ماذا نقول في إعرابهما؟ مرفوعان أو في محل رفع؟ مرفوعان، وإن كانا مبنيين، ماذا نقول في إعرابهما؟ في محل رفعٍ، وهذا درسناه بالتفصيل في باب المعرب والمبني، لو قلت: "محمدٌ قائمٌ" نقول: مبتدأٌ وخبرٌ، ما بالهما؟ مرفوعان، لكن لو قلنا مثلًا: "أنت كريمٌ" فـ"أنت" مبتدأٌ، مرفوعٌ أو في محل رفعٍ؟ نقول: مبتدأ في محل رفعٍ مبنيٌّ على الفتح، و"كريم" خبرٌ مرفوعٌ، وعلامة رفعه الضمة.

لو قلت: "الفائز أنت"، فـ"الفائز" مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة، و"أنت" خبر في محل رفع مبني على الفتح، فهذا واضح، لكن ينبغي التنبيه عليه.

الحريري -رحمه الله تعالى- لم يذكر في هذا الباب مسألةً، ولو ذكرها لكان أفضل، وهي: الإشارة إلى أن المبتدأ والخبر قد يُحذفان، وقد يُحذف كل واحدٍ منهما، ويبقى الآخر، فالمبتدأ قد يُحذف وحده، ويبقى الخبر، والخبر قد يُحذف ويبقى المبتدأ، وقد يُحذف المبتدأ والخبر معًا، وكل ذلك قد يكون واجبًا في مواضع قليلةٍ، فما سوى مواضع الوجوب، وهي قليلةٌ، يكون حكم حذفهما الوجوب أم الجواز؟ يكون حكم حذفهما حينئذٍ الجواز بشرطه، معلومٌ شرط الحذف العام، ما شرط الحذف العام في اللغة؟ أن يدل عليه دليل، أن يكون معلومًا، كل معلومٍ يجوز حذفه.

نريد فقط لأن الحريري لم يذكر هذه المسألة، فلا نتوسع فيها، لكن نشير إلى أهم مواضع حذف المبتدأ، لأنه كثير جدًّا في الاستعمال، والحاجة إليه مُلحَّةٌ في الإعراب، هناك موضعٌ يكثر فيه حذف المبتدأ، بل إن الأفضل والأحسن فيه حذف المبتدأ، والتصريح بالمبتدأ في هذا الموضع يعدونه من العي وعدم الفصاحة والبلاغة، وهو: حذف المبتدأ في العناوين وما في حكمها، حذف الخبر في العناوين وما في حكمها، العناوين، اللافتات، أسماء الكتب، أسماء الشركات، أسماء الأبواب، وهكذا.

مثال ذلك، لو رأيت مثلًا بابًا وفوقه لوحةٌ صغيرةٌ، مكتوبٌ، فيها "المكتبة" فقط، هل تفهم المراد أو لا تفهم؟ تفهم المراد إذن جملةٌ، لأن الجملة هي التي تُفهم، الكلمة الواحدة ما تُفهم فهمًا تامًا، فعندما فهمت المراد، معنى ذلك أنها جملةٌ، لابد أن تكملها جملةٌ اسميةٌ أو فعليةٌ، وهي هنا جملةٌ اسميةٌ، والتقدير: "هذه المكتبة"، "هذه" مبتدأٌ محذوفٌ؛ لدلالة الحضور، و"المكتبة" الخبر.

كذلك لو قلت مثلًا: "مسجد الإيمان"، يعني "هذا مسجد الإيمان"، "جامعة الإمام"، هذه جامعة الإمام"، وهكذا لو قلت مثلًا: "كتاب التوحيد"، "هذا كتاب التوحيد"، "باب الصلاة"، "هذا باب الصلاة"، وأنت تقرأ في الكتاب، يأتي "فصل" يعني "هذا فصلٌ"، وهكذا.

بهذا نكون -بحمد الله- قد انتهينا من هذا الباب، باب المبتدأ والخبر، في الدرس القادم -إن شاء الله- سنبدأ بالباب التالي، وهو باب الاشتغال، أشكركم على حسن استماعكم، وأسأل الله -عز وجل- أن يجعل هذا الدرس مباركًا مفهومًا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك