الدرس الخامس

معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري

إحصائية السلسلة

3957 5
الدرس الخامس

آداب الطلب

{بسم الله الرحمن الرحيم.
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرحبُ بكم إخواني وأخواتي المشاهدين الأعزَّاء في حلقةٍ جديدةٍ مِن حلقاتِ البناء العلمي، وأرحب بمعالي الشيخ الدكتور: سعد بن ناصر الشثري، فأهلًا وسهلًا بكم معالي الشيخ}.
حيَّاكَ الله، وأرحبُ بك، وأُرحبُ بالمشاهدين الكرام وأسأل الله -جَلَّ وَعَلَا- أن يجعل هذا اللقاء لقاءً نافعًا مُباركًا.
{تحدَّث معالي الشيخ في الحلقة الماضية عن آدابِ طالبِ العلم في حياته العمليَّة، وسيُتحِفُنا معالي الشَّيخ في هذه الحلقة -بإذن الله- عن آدابِ طالب العلمِ في التَّعلُّمِ والتَّعليم}.
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أفضل الأنبياء والمرسلين.
أمَّا بعدُ؛ فإنَّ العلم يحتاج إليه جميع الناس، فهو الذي يُصحِّحُ حياتهم، ويكونُ سببًا لحلِّ مشاكلهم، وهو الذي يكون طريقًا إلى الوصول إلى رضا ربِّ العزَّةِ والجلال، وهو الذي به تُنالُ الأجور العظيمة والثَّواب الجزيل، ولذلك فإنَّ العلم يحتاج إلى مَن يُبلِّغه إلى النَّاس، ويُوصله إلى المكلَّفينَ ليتمكَّنوا من العمل به.
وقد جاء في النُّصوص بيان أنَّ وظيفة أنبياء الله هي البلاغ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: 48]، ومن هنا يتَّضح أنَّ البلاغ هو وظيفة أنبياء الله، ووظيفة أتباعهم كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]، فكل مَن كان تابعًا للنَّبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهو مبلِّغٌ لشرعه، ولما خطب النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الحجِّ قال: «أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ» ، فأمر كلَّ مَن كان شاهدًا أن يُبلِّغَ ما وصله من العلم ليوصله إلى أولئك الغائبين عن تلك المواطن.
والمسائل العلميَّة على نوعين:
- مسائل اجتهاد وبحث: وهذه إنَّما تكونُ لأهلِ الفقهِ لأهل الاجتهاد، وهم الذين يوصلون حكم الله -عزَّ وجلَّ.
- مسائل ليست بمسائل الاجتهاد الذي بمعنى الاحتياج إلى المقارنة بينَ النُّصوص وغيرها، وإنَّما المراد به أن يكون ذلك من تبليغ النصوص الشرعيَّة كتابًا وسُنَّة، أو من نقل فتاوى علماء الشَّريعة، فحينئذٍ تكون هذه المسؤوليَّة والمهمَّة لجميع المؤمنين بلا استثناء، فهم الذين وصلت إليهم هذه النُّصوص أو وصلت إليهم هذه الفتاوى؛ فيقومون بإيصالها إلى الخلق، وإعلامهم بشرع ربِّ العزَّةِ والجلال فيها، فيكون هذا من طرائق تبليغ الشَّرع، وفي هذه الحال لابدَّ من ذكر المصدر الذي صدر عنه ذلك المبلِّغ، فيُبيِّن أنَّها آية، أو يُبيِّن أنَّه حديث، أو يُبيِّن مَن هو المتكلم بهذه الفتوى لينسبها إلى أصحابها؛ فإنَّ مَن لم يكن من الفقهاء لا يدري هل ذلك النَّص لازال باقيًا على إحكامه أو وردَ عليه ما ينسخه، وهل ذلك الحديث باقٍ على عمومه أو وردَ ما يُخصِّصه؛ ومن ثَمَّ لابدَّ أن يكونَ ناسبًا لذلك العلم إلى مَن قاله وتكلَّمَ به لتبرأ ذمَّته بذلك.
وتبليغ العلم في هذه الحال نوعٌ من أنواع الدَّعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- وقد قال -جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]، وقال -جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71].
والنصوص في هذا الباب كثيرة ومتعدِّدَة وتدلُّ على أنَّ مهمَّة البلاغ على الجميع، وليس المراد بالبلاغ هنا أن يكونَ المرء مُتصدِّرًا مجلسًا أو قد استعمل لاقطًا ليتكلَّمَ به عند الناس، فحديث المرء مع مَن يُشاركه ومع مَن يجلس معه هو نوعٌ من أنواع تبليغ العلم، يقول: سمعتُ فلانًا من المشايخ يتحدَّث بذلك، سمعتُ العالم الفلاني، قرأتُ في الكتاب الفلاني...؛ فيكون مُبلِّغًا للعم.
وهكذا في طورِ الدِّراسَة يتحدَّث الإنسان بما يعرفه من النُّصوص الواردة في المسائل التي يُراد تعلُّمها، فذلك الطَّالبُ المبتعَث الذي قامَ بشرحِ مبادئ الإسلام لزملائه في الدِّراسة ممَّن هم من غيرِ المسلمين، وضّحَ لهم وبيَّن؛ حتى ولو لم يكن في خطابه دعوةٌ مُباشِرة إلى ذلك، ففي هذه الحال يكون الإنسان مُبلِّغًا لشرعِ ربِّ العزَّة والجلال. وقد وردَ في النُّصوصِ فضل تبليغ العلم وترتيب الأجور على مَن كان كذلك.
{أحسن الله إليكم.
هل يجب على الرجل أن يُعلِّم أهله أمور الدين؟}.
يقول الله -جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]، ومن هنا فعلى الإنسان أن يبذل السَّبب الذي يؤدِّي بأبنائه أن يتعلَّموا ما يتعلَّق بأفعالهم من أحكام الشَّريعة، وسواء علَّمهم ذلك بنفسه أو كلَّفَ مَن يُعلِّمهم، أو أدخلهم في مدرسةٍ تقوم بتعليمهم بالواجبِ عليهم، وما زاد عن أعمالهم فإنَّه يُستحبُّ تعليمهم تلك الأعمال، فمن قاربَ البلوغ وجبَ أن يُعلَّم أحكام الصَّلاة الفريضة، وأن يُعلَّم أحكام صومَ رمضان، وأن يُعلَّمَ الحجَّ ليتمكَّن من أداء هذه الفريضة متى كان مُستطيعًا لأدائها.
وهكذا في أحكام البيوع شراءً وبيعًا، فيعرفُ ما هو الجائز من غير الجائز، فإذا كان المرء قبل البلوغ وكان محتاجًا إلى تعلُّمِ شيءٍ من هذه الأحكام وجب على الوالد أن يُعلِّمَه إمَّا بنفسهِ أو بجلبِ المعلِّمين، أو بإدخال ولده المدارس التي يتعلَّمُ منها.
ولذا كان من العقل ومن القُربَة إلى الله -جَلَّ وَعَلَا- أن يُدخل الإنسان أبناءه تلك المدارس التي تُعلِّمَه أحكام الله -جَلَّ وَعَلَا- ليكون هذا من أسباب براءة ذمَّة الوالد، وعدمِ مؤاخذته عند ربِّ العزَّة والجلال.
وجاء في الحديث: «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاةَ لِسَبْعِ» ، وإن كان قد وردَ في روايةٍ أخرى «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ» ، وقد كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والصَّحابة الكرام يُعلِّمون صبيانهم أحكام الواجبات الشَّرعيَّة.
وإذا سعى الإنسان إلى إبراء ذمَّته بتعليم أولاده ما يجب عليهم في الخطاب الشَّرعيِّ؛ فحينئذٍ يكون قد رقَّاهم وأوجدَ لهم السَّبيل الذي يكونُ طريقًا لهم إلى ربِّ العزَّةِ والجلال.
ومن هنا نعلم أنَّه يجب أن يُوضَع في المدارسِ مناهج تتعلَّق بتعليم هؤلاء الصبيان ما يجب عليهم تعلُّمه من أنواع العلم، سواء في المعتقد أو كان في أحكام الأفعال والأعمال التي يؤديها المكلَّف من أحكام الفقه.
{أحسن الله إليكم.
ما هي آداب المعلم تجاه تلاميذه؟}.
ينبغي للمعلِّم أن يُراعِيَ ما وردت به الشريعة في باب الأحكام، وانظر لقوله -جَلَّ وَعَلَا- لنبيه الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، فالمعلَّم يتخلَّق بعددٍ من الأخلاق، منها ما يتعلَّق بسمته في نفسه ليكونَ هذا المعلم قدوةً صالحةً لتلاميذه الذين يدرسون عنده، وهكذا يتخلَّق بالأخلاق الفاضلة التي كان يتخلَّق بها نبيُّنا الكريم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، ولعلِّي أشير إلى بعض الأخلاق الفاضلة التي يحسُن بالمعلِّم أن تكون من أخلاقه في تعامله مع طلابه:
أولًا: أن يصبر عليهم، فإنَّ الطُّلاب قد يحصل منهم شيءٌ من الأذى، مرَّة يتكلَّمون في الأستاذ، ومرةً قد يحصل منهم حديثٌ في أثناء الجلسة والدرس، ومرَّةً قد يكون منهم إنشغالٌ عمَّا يُريدون تعلُّمَه، فيصبر ويتحمَّل ما يكون منهم من الأذى، بل قد يتكلَّم بعض الطلاب في أساتذتهم، وقد يبلغُ ذلك الأستاذ؛ فيصبر ويتحمَّل مثل هذا، ومَن كان من أهل الصبر أورثه الله -جَلَّ وَعَلَا- الأجور العظيمة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
ثانيًا: أن يكون محسنًا إلى طلابه، يبحث عمَّا يُحقِّقُ مصلحتهم، سواء في اختيار الأسلوب المناسب الذي ينتهجه طريقًا في التَّعلُّمِ، أو كان بملاحظة أحوال طلابه، فذاك فقير، وذاك يمرُّ بأزمةٍ نفسيَّة، والآخر عنده مشاكل أُسَريَّة أو اجتماعيَّة، فبالتالي يُراعي نفوس هؤلاء الطُّلاب، ويتقرَّب إلى الله -عزَّ وجل- بحلِّ مشاكلهم.
ثالثًا: أن يُحاول أن يُرقِّيَ أذهانهم، فيُوجِّه لهم السؤال مرَّةً بعدَ أخرى، ويُطالبهم بالبحثِ والكتابةِ، ويجعلهم يحضِّرون المادَّة العلميَّة قبلَ إلقائها ليكون هذا من أسباب تعلُّمهم.
رابعًا: يكون مُرشدًا لِمَا يُحقِّق الخير والمصلحة في حقِّهم، يتقرَّبُ بذلك لله -عز وجل.
خامسًا: أن يكونَ مُلاحظًا للعلاقة التي بينَ الطُّلابِ بعضهم مع بعضهم الآخر، فإذا كان هناك جفوة عالجها، وإذا كان هناك شيءٌ من الخصومة تقرَّب إلى الله -عزَّ وجل- بكشفها وحلِّها، وتقريب هؤلاء الطُّلاب بعضهم من بعضهم الآخر.
سادسًا: أن يصبر على ما يكون منهم من سؤالٍ قد لا يكون مُستحسنًا، ويُخبرهم بكيفيَّة السُّؤال الصَّحيح؛ ليُبيِّن لهم الأسلوب المناسب في طرحِ مثل هذه الأسئلة.
سابعًا: أن يُعلِّمهم الأدبَ والإنصات، كما ورد في الحديث أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يبعث بعض أصحابه يقول لهم «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» ، أي: اجعلوهم يسكتونَ ليسمعوا توجيه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثامنًا: أن يكون مُستمعًا لأسئلةِ الطُّلاب، وما عندهم من إشكالات أو أسئلة، فيفتح لهم الباب، ويجعلهم يُناقشون ويسألون.
تاسعًا: أن يعلمهم التَّنظيم في كيفيَّة صياغة الكلام، أو في كيفيَّة السؤال، أو في ترتيب السَّائلين عندَ تعدُّدهم، وبذلك يكون عند الطَّالب دُربةٌ فيما يتعلَّق بالترتيب والتَّنظيم.
عاشرًا: ينبغي أن يُدخل في دروسه من المواعظ ما يكون مُؤثِّرًا على قلوبِ طلَّابه، فإنَّ الدرسَ الفقهيَّ الجاف قد يكون سببًا من أسباب ابتعاد الإنسان عن جانبٍ من جوانب التَّقوى إذا لم يُراعَ فيها الجانب الإيماني وجانب التَّقوى، فكلمة "التَّحريم" إذا تردَّدت قد يخفُّ أثرها على مُستمعيها، بخلاف ما لو نوَّعَ في الكلام، وذكَّرَ بعقوبة الآخرة.
الحادي عشر: زراعة مخافة ربِّ العزَّة والجلال، أو زراعة انتظار الفرج منه -سبحانه وتعالى- فهذه تفيد كثيرًا.
فالمقصود أنَّ هذه نماذج من نماذج أخلاق المعلِّم وآدابه تجاه تلاميذه.
والنَّاظر في أحوال السَّلف يجد أن هناك العديد من القصص في مُراعاة علماء السلف لطلابهم وتلاميذهم، يزورونهم ويقومون بالتَّواصل معهم، ويكون هذا من أسباب إبقاء مكانة هؤلاء الطلاب عندَ ذويهم وأقاربهم، أن زارهم العالم الفلاني، وجاءه فلانٌ؛ فهذا يرفع قيمة هذا الطَّالب الذي يُؤمَّل فيه أن يكونَ مَصدرًا للخير والهداية.
إذا تقرَّرَ هذا؛ فإنَّ العالم مُبلِّغ لشرع الله -عز وجل- وقد جاءت النصوص بوجوب تبليغ هذا العلم وإيصاله للآخرين، وتحريم كتمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:159-160]، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 174].
وهناك نصوص كثيرة توجِبُ على علماء الشَّريعة أن يُبيِّنوا العلمَ وأن يوضِّحوه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].
ولاحظ هنا أنَّ بعضَ النَّاس يُدخل في تبليغ العلمِ ما ليسَ منه، فمثلًا مرَّةً يُريدونَ أن يكون هناك إنكار علني على بعض الأفراد أو المؤسَّسات أو الوزراء أو المؤسَّسات الحكوميَّة أو الدَّولة؛ وهذا يترتَّب عليه من المفاسد شيءٌ كثير، والمؤمن مخاطَب بأن لا يذكر معايب الآخرين، سواء كانوا أفرادًا أو مؤسَّسات أو دُولًا؛ وإنَّما يذكر الخير ليُقتَدَى به، وأمَّا بابُ تبليغ العلم ونشره فهذا يُخالف باب النَّصيحة والإرشاد الذي له أحكامٌ خاصَّةٌ به، فتبليغ العلم يكون للعموم ولجميع أفراد الناس، بخلاف تبليغ النَّصيحة فإنَّها تكون لصاحبها ولمن لُوحِظَ عليه شيءٌ في ذلك الباب.
من الأمور التي ينبغي أن تكونَ عندَ العلماء ليُشاهدها تلاميذهم: أن يُبيِّنوا لهم كيفيَّة استنباط الأحكام من النُّصوص، وأن يُبيِّنوا لهم كيفيَّة استثمار الأوقات في طلب العلم وتعليمه، وهكذا يُبيِّنوا لهم الأُسس والمنطلقات التي ينطلقونَ منها من تعليمهم كتاب الله -عزَّ وجل- وسنَّة رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومن الواجب في هذا الباب: إظهار تقديس النُّصوص في الكتاب والسُّنَّة، وإنزالها المنزلة الرَّفيعة اللائقة بها؛ فإنَّ مصدر الشَّريعة هو الكتاب والسُّنَّة، فمتى رأى التلاميذُ ذلك من أستاذهم كان هذا مُنطلقًا لأن يتخلَّقوا بمثل هذا الخُلُق فيُعظِّموا النُّصوص، ويُقدِّمونها على الرَّغبات والأهواء.
ومن الأمور التي ينبغي أن تكون مُنطَلَقًا للإنسان في تبليغه للعلم: أن يُخاطِبَ هؤلاء الطُلَّاب بالتَّدريج، وأن لا يُخاطبهم بالعلم قاطبة في أوقات قصيرة؛ لأنَّ هذا سيكون سببًا من أسباب عدمِ اهتمامهم بالعلم، وعدم وضعهم للعلل التي تنطلق منها الأحكام في أذهانهم، وسيكون هذا من أسباب التَّشويش عليهم.
ومن الأمور التي ينبغي أن تكون عندَ المعلِّم تجاه تلاميذه: أن يفتح لهم المجال في السؤال عمَّا يُشكِل عليهم، خصوصًا فيما إذا كان من مسائل العلم ليُبيِّن لهم.
وكذلك يُبيِّن لهم عدم إدخال مسألة في أخرى ليس لها رابط بها، وذلك ليكون طالب العلم مُتقنًا لِمَا يتعلَّمه، ولِمَا يستفيده في ذلك العلم.
ومن الأمور المتعلِّقة بهذا أيضًا: أن يستكشف المعلم أذهان تلاميذه، بحيث يعرف المنزلة العلميَّة التي وصلوا إليها، فيُعطيهم من الفنونِ والمتونِ ما يتناسبُ مع أحوالهم ومقدارِ عقولهم.
وهكذا يختار لهم من طرائق التَّعلُّم ما يتناسب معهم، مرَّة يُكلِّفهم بالبحوث، ومرَّةً يجعلهم يتناقشون، ومرَّةً يُوجِدُ المناظرَة فيما بينهم، ويختار ما يكون مُناسبًا لتلاميذه في هذا الباب.
وإذا تقرَّرَ هذا فإنَّ طالب العلم عليه أن يستحضر أنَّه قدوة لهؤلاء التلاميذ، سواء فيما يتعلق بالعبادات الظَّاهرة التي يتقرَّب إلى الله -عزَّ وجل- بأدائها، بصلاة جماعةٍ، أو حضور صلاة كسوف، أو صلاة عيد؛ أو نحو ذلك ليكون قدوةً حسنة لهؤلاء التلاميذ.
وهكذا فيما يتعلَّق بالأخلاق وحسن التَّعامل مع الآخرين، ليكون قدوةً صالحةً لهم يسيرون على طريقته وهديه في هذا الباب.
فهذا شيء من الآداب التي يحسُنُ بطالب العلم أو بالفقيه المعلِّم أن يُراعيها في تعامله مع الطلاب والتَّلاميذ.
{شكر الله لكم معالي الشيخ على ما تقدمونه، أسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتكم}.
باركَ الله فيك، ووفقك الله للخير، وجعلك الله من الهداة المهتدين، كما أسأله -جَلَّ وَعَلَا- للمشاهدين الكرام التَّوفيق لكلِّ خيرٍ، وأن يجعلهم هداةً مهتدين، هذا والله أعلم، وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
{وفي الختام هذه تحيَّةٌ عطرةٌ من فريق البرنامج ومنِّي أنا محدثكم عبد الرحمن بن أحمد العمر، إلى ذلكم الحين نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته}.

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك