بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.
فسلامُ الله عليكم ورحمته وبركاته، وحيَّاكم الله وبيَّاكم في هذه الليلة، ليلة الثلاثاء السَّابع عشر من شهر ربيعٍ الأوَّل، من سنة تسعٍ وثلاثين وأربعمائة وألف، لنعقد فيها بإذن الله الدَّرس الحادي والثلاثين من دروس شرح ملحة الإعراب للحريري البصري -عليه رحمة الله.
في الدَّرس الماضي كنَّا تكلَّمنا على باقي باب التَّصغير، وعلى باب النَّسب، في هذا الدَّرس -إن شاء الله- سنتكلَّم على التَّوابع، التي عقدها الحريري -رحمه الله تعالى- في أبيات قليلة، فأجحف في حقِّها كما أجحف من قبل في باب النَّسب، فنبدأ بقراءة ما قاله الحريري -رحمه الله تعالى- في التَّوابع، فنسمع من الأخ سعيد. تفضل.
{أحسن الله إليك، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
اللهمَّ اغفر لنا ولشيخنا ولوالدينا، وللمستمعين والمشاهدين، ولجميع المسلمين.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: باب التَّوابع
والعَطفُ والتَّوكيد أيضًا والبَدَلْ ... توابِعٌ يُعرَبْنَ إعرابَ الأوَّل
وهكذا الوَصفُ إذا ضاهَى الصِّفَهْ ... مَوصوفُهَا مُنَكَّرًا أو معرِفَهْ
تقولُ خَلِّ المَزحَ والمُجُونَا ... وأقبَلَ الحُجَّاجُ أجمَعونَا
وامرُرْ بزيدٍ رجُلٍ ظريفِ ... واعطِفْ على سائلِكَ الضّعيفِ
والعطفُ قدْ يدخُلُ في الأفعالِ ... كقولِهِم ثِبْ واسمُ للمَعَالي
وأحرُفُ العطفِ جميعًا عَشَرَهْ ... محصورَةٌ مأثُورَةٌ مُسَطَّرَهْ
الواوُ والفاءُ وثمَّ للمَهَلْ ... ولا وحتّى ثمَّ أوْ وأَمْ وبَلْ
وبعدَهَا لكِنْ وإمّا إنْ كُسِرْ ... وجاءَ في التّخييرِ فاحفَظْ ما ذُكِرْ}
عقدها جميعًا في هذه الأبيات القليلة، وقد أجحف في بيانِ قليلٍ من أحكامها، واكتفى بذكرها، وذكر أمثلةٍ عليها، ثم عدَّ فقط أحرفَ العطفِ.
تعريف التَّوابع: هي ألفاظٌ تتبع ما قبلها في الإعراب، يعني أنَّها ألفاظٌ لها أحكامٌ إعربيَّة -رفع، أو نصب، أو جزم- ولكن ليس لها حكمٌ إعرابيٌّ ثابت، كما أنَّ المبتدأ حكمه ثابتٌ وهو الرَّفع، والمفعول به حكمه ثابتٌ وهو النَّصب، والمضاف إليه حكمه ثابتٌ وهو الجر، والمضارع المسبوق بجازم حكمه ثابتٌ وهو الجزم، وهكذا كجميع ما درسناه من قبل في النَّحو.
أما التَّوابع فهي لها أحكام إعرابيَّة، ولكن ليس لها حكمٌ إعرابيٌّ ثابتٌ، بل تتبع في إعرابها ما قبلها رفعًا ونصبًا وجرًّا وجزمًا، وهذه التَّوابع كما ذكر الحريري أربعة، وهي: النَّعت -ويسمى الصِّفة- والتَّوكيد، والمعطوف، والبدل، وفيها يقول الحريري:
والعَطفُ والتَّوكيد أيضًا والبَدَلْ ... توابِعٌ يُعرَبْنَ إعرابَ الأوَّل
وهكذا الوَصفُ إذا ضاهَى الصِّفَهْ ... مَوصوفُهَا مُنَكَّرًا أو معرِفَهْ
"وهكذا الوصفُ" يعني الصِّفة -النَّعت.
فنأخذها واحدًا واحدًا، ونحاول أن نذكر أهم أحكامها، وإن كان الحريري -رحمه الله- لم يفعل ذلك:
فالتَّابع الأوَّل هو: النَّعت، ويسمى الصِّفة، والنَّعت لن نشرحه. لماذا؟ لأنَّنا شرحناه من قبل مع أخيه. ما أخو النَّعت؟ الحال، فقد شرحناه عندما شرحنا الحال، وقلنا: إنَّ الحال والنَّعت كليهما وصفٌ مِن أوصاف الموصوف، محمد مثلًا أوصافه كثيرة، من أوصافه: الخوف، السرعة، الركض، الجلوس، إلى آخره. فإن جعلت الصِّفة موافقة للموصوف في التَّعريف -كلاهما معرفة- أو في التَّنكير، -كلاهما نكرة- فنقول عن الصِّفة: إنَّها نعت، كقولك: جاء محمدٌ الخائفُ، فمحمد معرفة؛ لأنَّه علم، و"الخائف" معرفة؛ لأنَّه مُعرَّفٌ بـ"ال"، فـ"الخائف" هنا نعت، أو صفة.
وإذا كانت الصِّفة مخالفةٌ للموصوف في التَّعريف والتَّنكير، فنقول عن الصِّفة: إنَّها حال، كقولنا: جاء محمدٌ خائفًا، فـ"محمد" معرفة؛ لأنه علم، و"خائفًا" نكرة، وهكذا.
لو أردتَّ أن تقول: اشتريتُ السيارة، ثم أردتَّ أن تصفها بالجِدَّة، ماذا تقول؟ إن قلت: اشتريت السيارةَ الجديدةَ، فالصِّفة حينئذ نعت؛ لأنَّ "السيارة" و"الجديدة" كلاهما معرفة، وإن جعلت الصِّفة نكرة، فتقول: اشتريتُ السيارةَ جديدةً، فالصِّفة حينئذ حال.
مثال: أكلت الطعام، صِفْهُ بالنضوج. فتقول: أكلت الطعامَ الناضجَ. "الناضجَ" نعت، وأكلتُ الطعامَ ناضجًا. "ناضجًا" حال.
أحبُّ الطَّالبَ المؤدَّبَ. "المؤدبَ" نعت. وأحبُّ الطَّالبَ مؤدَّبًا. "مؤدبًّا" حال، وهكذا، وشرحنا هذا من قبل، وفي هذا يقول الحريري:
وهكذا الوَصفُ إذا ضاهَى الصِّفَهْ ... مَوصوفُهَا مُنَكَّرًا أو معرِفَهْ
يعني الصِّفة إذا وافقت الموصوف و"ضاهته"، يعني وافقته في التَّعريف -كلاهما معرفة- أو في التَّنكير -كلاهما نكرة- فالصِّفة حينئذٍ نعت، فإن اختلفا فهي حال -كما سبق- ومثَّل الحريري للنَّعت -أو الصِّفة- بقوله: "واعطِفْ على سائلِكَ الضّعيفِ"، "الضعيف" نعت لـ"سائل".
أما التَّابع الثَّاني فهو: التَّوكيد، والتَّوكيد النَّحوي الذي يُشرح في باب التَّوكيد نوعان: توكيد لفظي، وتوكيد معنوي.
فالتَّوكيد اللَّفظي: أن تُكرِّر اللفظ الذي تريد توكيده، وهذا كثير في الكلام، وفي الكلام المرتجل، وفي كلام النَّاس، كأن أقول لك: جاء محمدٌ محمدٌ، فـ"محمدٌ" الأولى فاعل "جاء"، و"محمدٌ" الثَّانية توكيد لفظي لمحمد الأولى.
أو أقول: جاء جاء محمدٌ، فـ"جاء" الأولى فعل وفاعله "محمد"، و"جاء" الثَّانية مجرد توكيد لفظي لـ"جاء" الأولى.
وقد أقول: جاء محمدٌ جاء محمدٌ، فـ"جاء محمدٌ" الأولى فعل وفاعل، و"جاء محمدٌ" الثَّانية توكيدٌ لفظي لـ"جاء محمدٌ" الأولى، فهذا هو التَّوكيد اللَّفظي، وأمره سهل.
مثال: لا تذهب. عند التَّوكيد نقول: لا لا تذهب، أكدتَّ "لا" الناهية، وهكذا.
أمَّا التَّوكيد المعنوي: يكون بألفاظٍ معيَّنةٍ مخصوصةٍ تتبَّعها النَّحويون، وهي سبعةُ ألفاظٍ.
اللَّفظ الأوَّل والثَّاني: "النَّفس" و"العين"، مضافين لضمير المؤكَّد، تقول: جاء الطالبُ، أكده بالنَّفس: جاء الطالبُ نفسُهُ، "نفس" ثم تضيفه إلى ضمير، هذا الضمير يعود إلى المؤكد "الطالب"، تقول: جاء الطالبُ نفسُه، ورأيتُ الطالبَ نفسَه، وسلمتُ على الطالبِ نفسِه؛ لأنَّ التَّوكيد تابع، أي يتبع المتبوع في الإعراب رفعًا، ونصبًا، وجرًّا.
مثال: جاء الطالبُ عينُه، ورأيتُ الطالبَ عينَه، وسلمتُ على الطالبِ عينِه.
وقد تقول: جاء الطالبُ نفسُه عينُه، إذا أردت أن تقوي التأكيد، تقول: "نفسه" توكيد معنوي أوَّل، و"عينه" توكيد معنوي ثانٍ.
وتقول: جاء الطلابُ أنفسُهم، وجاء الطلابُ أعينُهم، وجاء الطالبانِ أنفسُهما، وجاءت الطالبتانِ أنفسُهما، وهكذا.
فالنفس والعين يؤكَّد بها المفرد، مثل: جاء الطالب نفسه. ويؤكد بها الجمع والمثنى، ولكن يجمعان على وزن "أفعل" فقط، "أنفس، أعين"، تقول: جاء الطلابُ أنفسُهم، جاء الطلابُ أعينُهم. يعني ما نقول: جاء الطلابُ نفوسُهم. لا، "نفوس" جمع "النفس" التي في الإنسان أو في الحيوان، أمَّا "أنفس" فتكون جمعًا لـ"النفس" التي داخل الحيوان، وتكون جمعًا لـ"النفس" التي يؤكَّد بها.
إذن فـ"النفس" التي يؤكَّد بها إذا أردت أن تجمعها، لا تجمعها إلا على "أفعل" تقول: أنفس.
واللفظ الثَّالث والرابع من ألفاظ التَّوكيد المعنوي: "كِلا" و"كلتا"، مضافين إلى ضمير المؤكَّد المثنى، ولابد أن يتَّصل بهما ضمير، وهذا الضمير يعود إلى ماذا؟
يعود للمثنى، يعني لا يؤكَّد بهما إلا مثنى، مثل: جاء الطالبان كلاهما، ورأيتُ الطالبين كليهما، وسلمتُ على الطالبين كليهما. معرب إعراب المثنى، وسبق ذلك في بيان علامات الإعراب أنَّ المثنى يُرفع بالألف، ويُنصب ويُجر بالياء.
ومثل: وجاءت الطالبتان كلتاهما، ورأيت الطالبتين كلتيهما، وسلمت على الطالبتين كلتيهما.
واللفظ الخامس والسَّادس: "كل" و"جميع"، مضافين إلى ضميرِ جمعٍ، أو ضميرِ مفردٍ له أجزاء، يعني لابد أيضًا أن يتصل بهما ضمير يعود إلى المؤكَّد، طيب ما الذي يؤُكَّد بـ"كل وجميع"؟
الشيء الذي له أجزاء، سواء كان جمعًا -الجمع لاشك أن له أجزاء مفردات- أو واحدًا، لكن هذا الواحد له أجزاء، مثل "الكتاب"، فـ"الكتاب" له أجزاء وأبواب، و"البيت" له أجزاء، غرف ونحو ذلك.
تقول: جاء الجيشُ كلُّه، وأكرمتُ الجيشَ كلَّه، وسلمتُ على الجيشِ كلِّه، أو جاء الجيشُ جميعُه، وجاء الطلابُ كلُّهم، وجميعُهم، وقرأتُ الكتابَ كلَّه، واشتريتُ البيتَ كلَّه.
طيب، نقول: جاء محمد كله؟ ما يصلح؛ لأنَّ "محمد" لا يتكون من أجزاء، إنَّما يتكون من أعضاء، ولابد في الأجزاء أن ينفرد كل جزء بنفسه، ويقوم بنفسه، مثل "غرفة"، يمكن تكون وحدها، ويمكن تكون ضمن بيت. ومثل: "الفصل" من الكتاب، قد يكون داخل الكتاب، وقد يكون وحده؛ بخلاف "اليد"، هذا بعضُ الإنسان، ما يمكن أن ينفصل وحده، فهذا لا يُعدُّ جزءًا، إنَّما هو بعض، حينئذ لا يجوز أن تقول: جاء زيدٌ كلُّه!
اللفظ السابع: كلمة "أجمع"، هو اللفظ الوحيد من ألفاظ التَّوكيد المعنوي الذي لا يضاف إلى ضمير المؤكَّد، السِّتَّة السَّابقة لابدَّ أن تُضاف إلى ضمير المؤكَّد، أمَّا "أجمع" لا تضاف إلى ضمير المؤكَّد، فالأكثر في "أجمع" أن يؤكَّد بها بعد التَّأكيد بـ"كل"، تقول: جاء الطلابُ كلُّهم أجمع. "أجمع" توكيدٌ ثانٍ مرفوع وعلامة رفعه الضَّمة. مثال: رأيتُ الطلابَ كلَّهم أجمعَ، وسلمتُ على الطلابِ كلِّهم أجمعَ؛ لأن "أجمع" ممنوعٌ من الصَّرف، لِما سيأتي في باب الممنوع من الصَّرف أنَّ الوصف على وزن "أفعل" يُمنع من الصَّرف، فيُجَرُّ بالفتحة، و"أجمع"على وزن "أفعل"، ومؤنثه: جمعاء، مثل: أحمر وحمراء، إذن نقول: جاءت الطلباتُ كلُّهن جمعاء، أو جُمَع، تُفرَد أو تُجمَع.
وتقول: قرأتُ الكتابَ أجمعَ، وقرأتُ المجلةَ جمعاءَ، وجاء الطلابُ أجمعون، ورأيت الطلابَ أجمعين، وسلمتُ على الطُّلاب أجمعين، وجاءت الطالباتُ جُمَعُ، قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: 30]، وقال: ﴿وَلَأُغْوِيَنهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39]، وهكذا.
فالخلاصة: التَّوكيد المعنوي يكون بسبعة ألفاظ، وقد ذكرناها.
ما فائدة التَّوكيد بهذه الألفاظ؟
تقريرُ المؤكَّدِ، ورفعُ توهَّم غير الظَّاهر عنه، إمَّا باحتمال تجوُّز أو سهو، يعني عندما تقول: جاء محمد. ظاهر الكلام أنَّ "محمد" هو الذي جاء، لكن يجوز في الكلام أن تقول: جاء محمد، وأنت تريد أمره، أو رسوله، أو توجيهه، أو نحو ذلك؛ لكن إذا قلت: جاء محمد نفسه، حينئذ أكدتَّ أنَّ الجائي ذاتُ محمد، ليس في الكلام تجوُّز، ولا توُّسع، ولم تسْهُ، أردت أن تقول خالد مثلًا وقلت محمد؛ بل أردتَّ محمدًا نفسه، فأنت متأكد من أنَّه جاء بذاته.
ومثَّل الحريري للتوكيد بقوله: "وأقبَلَ الحُجَّاجُ أجمَعونَا"، فهذا هو التَّابع الثَّاني. أما التَّابع الثَّالث، فهو: البدل.
البدل يقولون في تعريفه: هو التَّابع المقصود بالحكم.
البدل من ألطف أبواب النحو؛ لأنَّ البلاغة تدخل فيه بقوة، فالبدل هو التَّابع المقصود بحكمٍ، يعني هو تابع، لكنه من حيث الحقيقة ومن حيث المعنى هو المقصود بالحكم وليس المتبوع الذي يتبعه البدل.
مثال: إذا أكلت نصف تفاحة، وأردت أن تخبرنا عن ذلك، فقلت لنا: أكلتُ التفاحةَ. كلامك صحيح أو غير صحيح؟ موافق للواقع أو غير موافق للواقع؟ إلى هنا غير موافق للواقع، أنت أكلتَ نصف، ما أكلت تفاحة كلها، كيف تقول أكلت التفاحة؟ لكن تقول: أكلت التفاحة نصفها. فإذا أكملت الكلام وقلت: أكلت التفاحة نصفها، فكلامك صحيح، أم غير صحيح؟ صحيح، طيب ما المراد؟ التفاحة أم نصفها؟ المراد المقصود بالحكم، أي الفعل الموجود وهو "أكلت"، والأكل في الحقيقة واقع على ماذا؟ على النصف، إذن هو المراد بالحكم في الحقيقة، مع أنك في الإعراب الصناعي -في اللفظ- ماذا ستقول؟ أكلتُ التفاحةَ؟ أو التفاحةِ؟ أو التفاحةُ؟ سنقول: أكلتُ التفاحةَ. لماذا التفاحةَ؟ لأنَّها في الصناعة صارت مفعولًا به. فـ "أكلتُ" فعل وفاعل، "التفاحةُ" مفعول به. أنت ما أكلت التفاحة في الحقيقة، لكن في الصناعة -أو في اللفظ- هذا الذي حدث، تقول: أكلتُ التفاحةَ. طيب "نصفها"، كيف نعربها؟ ما يمكن نقول مفعول به، لأنَّ المفعول به هو: التفاحة، نقول: "نصفها" بدل من "التفاحة"، فتتبعه في الإعراب ويكون منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
لماذا قلنا بدل مع أنَّه تابع؟ لأنَّه هو المقصود بالحكم، "النصف" هو المقصود في الحقيقة.
طيب ولماذا قلت: أكلتُ التفاحةَ، وأنت ما أكلتها كلها، والحقيقة أنَّك أكلتَ نصفها؟ هذه لأمور بلاغيَّة، أردتَّ مثلًا أن تُشوِّق، أردتَّ أن تلفت الانتباه، يعني أشياء بلاغية كثيرة.
تقول مثلًا: قرأتُ فتح الباري. ومعلوم أنَّ فتح الباري عدة مجلدات، ما شاء الله! يعني سينتبه الجميع. تقول: قرأتُ فتحَ الباري مقدمَتَه، فـ"مقدمتَه" بدل، وهي المقصود؛ لأنَّ القراءة في الحقيقة واقعة على "المقدمة"، لكن "فتح الباري" في اللفظ -في الصناعة- صارت هي المفعول به، و "مقدمته" صارت بدل؛ لأنها المقصودة بالحكم. ولماذا قدَّم "فتح الباري"؟ ربما للفتِّ النَّظر أو نحو ذلك.
فإذا عرفنا البدل؛ ننتقل إلى ضابطه، البدل له ضابط سهل يمكن أن تعرف هل الكلمة بدل أو غير بدل، يقولون: البدلُ على نيَّةِ حذفِ المبدَل منه؛ لأنَّ البدلَ هو المقصودُ بالحكم، والمبدَل منه مقصودٌ لغرضٍ بلاغيٍّ، فحقيقة الكلام قائمة على أنَّ المبدل منه يمكن أن تحذفه ويستقيم الكلام، تقول: أكلتُ التفاحةَ نصفَها، يعني أكلت نصف التفاحة، أنت إذا قلت: نصفها، هاء الضَّمير يعود إلى ماذا؟ إلى التفاحة، فالضَّمير يقومُ مقامَ الظَّاهر، "نصفها" يعني نصف التفاحة. وتقول: قرأتُ مقدِّمَةَ فتحَ الباري، وتحذف "فتح الباري" الأولى، فهذا هو ضابط البدل.
البدل أربعة أنواع، ويبيِّن لك النَّوع معرفة العلاقة بين البدل والمبدل منه، ما العلاقة بين البدل والمبدل منه؟ هل العلاقة بين البدل والمبدل منه علاقة كليَّة بمعنى أنَّ البدل هو هو المبدل منه؟ كقولك: جاء محمد أبو خالد، الرجل اسمه محمد، وكنيته أبو خالد، فما العلاقة بين محمد وأبو خالد؟
هو هو، فهي علاقة كليَّة، فنقول: جاء محمد أبو خالد، "جاء محمد" فعل و فاعل، و"أبو خالد" بدل من "محمد" مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنَّه من الأسماء الخمسة، وهذا بدلُ كل من كل، ويسمى بدل مطابق، كقوله -سبحانه وتعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6، 7]، "صراط الذين أنعمت عليهم" هو "الصراط المستقيم"، فـ"صراط" بدل من "الصراط"، وهو بدل كل من كل. وكقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: 15، 16]، وهكذا.
إذن أعلامُ الواحدِ إذا تعدَّدت يكون بعضها بدل من بعض، مثلًا: رضي الله عن الصديق أبي بكر، "أبي بكر" بدل من "الصديق"، رضي الله عن عمر الفاروق، "الفاروق" بدل من "عمر"، أكرمت أبا خالد ماهرًا، "ماهرًا" بدل من "أبا خالد"، وهكذا.
ومن بدل الكل من الكل: الموصوف إلى تأخر عن صفته، الموصوف إذا تأخر وتقدمت الصِّفة -الصِّفة قلنا يعني النَّعت- يعني لو قلت: جاء محمدٌ المجتهد، "جاء محمد" فعل وفاعل، و"المجتهد" نعت -صفة- طيب قدِّم الصِّفة، تقول:جاء المجتهدُ محمدٌ، "جاء" فعل و"المجتهد" فاعل، و"محمد" طبعًا ما يمكن أن نقول صفة؛ لأنَّ "محمد" اسم جامد علم، فنقول: هذا بدل من "المجتهد"، لو قلت مثلًا: زرتُ بغدادَ عاصمةَ العراقِ، "عاصمة العراق" نعت لـ"بغداد"، لكن لو قلت: زرتُ عاصمةَ العراقِ بغداد، فـ"بغداد" بدل من "عاصمة"، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30]، "الرحمن الرحيم" نعتان لـ"الله"، لكن في قوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 1، 2] ما إعراب "اللهِ" بعد "العزيز الحميد"؟ بدل من "العزيزِ الحميدِ"، وهكذا.
النوع الثَّاني من أنواع البدل: بدل بعض من كل، إذا كانت العلاقة بين البدل والمبدل منه علاقة بعضية، أو جزئية، يعني البدل بعض وجزء من المبدل منه، قلنا مثل: أكلت التفاحة نصفها، قرأت الكتاب مقدمته، أعجبني محمد وجهه، طاب المؤمن قلبه، أعجبتني المدينة بناياتها، انكسر ماهر قدمه، وهكذا.
النَّوع الثَّالث من أنواع البدل: يسمونه بدل الاشتمال. ما المراد ببدل الاشتمال؟ نقول: بدل الاشتمال إذا كانت العلاقة بين البدل والمبدل منه ليست كليَّة ولا بعضيَّة، لكن بينهما علاقة، فنقول هذا بدل اشتمال، كقولك: أعجبني محمدٌ علمُه، ما العلاقة بين "محمد" و"علم محمد"، طبعًا ليست كليَّة، ليس هو هو، وليست بعضيَّة؛ لأنَّ العِلم ليس جزءًا من "محمد" مثل أعضائه.
مثال: أعجبني محمدٌ كلامُه، أعجبني الخطيبُ فصاحتُه.
لو قلت: أعجبتني هندٌ وجهُها، أو شعرُها؛ فهذا بدل بعضٍ، لكن لو قلت: أعجبتني هندٌ جمالُها، أو حياؤها، أو مشيتُها، أو أخلاقُها؛ فهذا بدل اشتمال، قال -سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: 217] قصة الآية معروفة، جاءوا يسألون النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- عن حكم القتال في الأشهر الحرم، فهم ما سألوه عن الأشهر الحرم ؛ لأنَّها معروفة من دين إبراهيم -عليه السلام- لكن سألوه عن حكم القتال في الأشهر الحرم، ومع ذلك نزلت الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾، فالسؤال في الحقيقة عن القتال، طيب لماذا سبَّق"الشهر الحرام"؟ ابحث في البلاغة لتعرف لماذا؛ لكن في النَّحو نقول: "قتال" بدل من "الشهر"؛ لأنَّه هو المقصود بالحكم، يعني هو المقصود بالسؤال، ونوع البدل: بدل اشتمال؛ لأنَّ "القتال" ليس هو "الشهر"، وليس بعض "الشهر".
النَّوع الرَّابع من أنواع البدل: هو بدل الغلط، وذلك عندما يغلط المتكلم، فيذكر كلمة لا يريدها، ثم يتبعها بالكلمة التي يريدها، وهذا أكثر ما يكون في الارتجال، أردتَّ مثلًا أن تطلب من زميلك قلمًا، فأخطأتَ وقلتَ: أعطني دفترًا قلمًا.
فنقول: يجب أن تقول: أعطني "دفترًا" بالنصب؛ لأنَّه مفعول به في الصناعة، و"قلمًا" بدل؛ لأنَّه المراد، لكن ما نوع البدل؟ نقول: بدل غلط، طبعًا الأكثر في بدل الغلط أن يَستعمل "بل"، فتقول: أعطني دفترًا بل قلمًا، فندخل في باب العطف عطفَ النسق الذي سيأتي، لكن إذا لم تستعمل "بل"، وقلت: أعطني دفترًا قلمًا، فيكون حينئذ بدل غلط، وهذا كثير في كلام الناس.
فهذه أنواع البدل، وهي أربعة كما رأيتم، فيأتي هنا سؤال: هناك بدل يسمى بدل التَّفصيل، كأن تقول: جاء إخوتي، محمد، وخالد، وعلي. طيب هذا بدل كل من كل؟ أو بدل بعض من كل؟ أو بدل اشتمال؟
نقول: نطبِّق عليه ما قلناه من قبل، لكن التَّطبيق هنا على المعطوف والمعطوف عليه، فنقول: "جاء إخوتي" فعل وفاعل، "محمد" بدل من إخوتي، و"خالد" معطوف على "محمد"، و"علي" معطوف على "محمد"، العطف دائمًا على الأوَّل، ونوع البدل إن كان هؤلاء الثلاثة إخوتك، فقل: جاء إخوتي: محمدٌ، وخالدٌ، وعليٌّ. فالبدل هنا: بدل كل من كل. وإن كانوا أكثر من ثلاثة، وقلت: جاء إخوتي: محمدٌ، وعليٌّ، وخالدٌ، فهو بدل بعض من كل.
فإن قلت: أعجبتني المدرسة طلابُها ومعلموها. هذا بدل كل أو بدل بعض أو بدل اشتمال؟ هذا بدل اشتمال. أكرمتُ المعهدَ موظفيه، هذا بدل اشتمال.
حكم البدل كما سبق أنه من التَّوابع، فيتبع ما قبله في الإعراب رفعًا ونصبًا وجرًّا وجزمًا:
فتقول في الرَّفع: قال أبو الحسنِ عليٌّ -رضي الله عنه- "عليٌّ" بدل من "أبو الحسن".
وفي النَّصب تقول:أحبُّ أبا الحسنِ عليًّا -رضي الله عنه.
وفي الجرِّ تقول: رضي الله عن أبي الحسنِ عليٍّ.
وفي الجزم تقول: مَن يأتي يطلبْ خدمةً أساعدْه، نقف عند هذا المثال تأمَّلوا فيه، هذا الأسلوب يسمى أسلوبَ شرطٍ. أين أداة الشَّرط؟ مَن. أين فعل الشَّرط؟ "يأتي" مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة. وأين جواب الشَّرط وجزاؤه؟ "من يأتي" ماذا أفعل له؟ أساعدْه، مجزوم وعلامة جزمه السُّكون.
و"يطلب" بدل من "يأتي"، بدل بعض أو كل أو اشتمال؟ الظَّاهر أنَّه اشتمال؛ لأنَّ الإتيان يشتمل على أشياء كثيرة منها الطَّلب.
وقد مثَّل الحريري للبدل بقوله: "امرُرْ بزيدٍ رجُلٍ ظريفِ".
البدل كما سمعتهم في شرحنا كله الآن ما اشترطنا فيه أن يوافق متبوعه في التَّعريف والتَّنكير، أو في التَّذكير والتَّأنيث، فلهذا يمكن أن تقول: جاء محمدٌ رجل ٌكريمٌ، فـ"رجلٌ" بدل من "محمدٌ"، كمثال الحريري: "مررتُ بزيدٍ رجُلٍ ظريفٍ"، وكقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ﴾ [العلق: 15، 16]، أو: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: 52، 53] فـ"صراط الله" هذا معرفة، وهو بدل من "صراط مستقيم" النكرة، أبدل معرفةً من نكرةٍ، فلهذا إذا جئنا مثلًا إلى قوله -سبحانه وتعالى: ﴿وَيلٌ لّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: 1، 2]، اللام في "لكل": حرف جر. "كُلِّ" اسم مجرور وهو مضاف "لّكُلِّ هُمَزَةٍ" هذا مضاف إليه مجرور، "لُّمَزَةٍ" نعت لِـ"هُمَزَةٍ"، متوافقان في التَّنكير.
"الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ"، ما إعراب "الذي" الاسم الموصول، وهو من المعارف؟ ما نقول إنَّه نعت ثانٍ لـ"هُمَزَةٍ"؛ لأنَّ "همزة" نكرة، و"الذي" اسم موصول معرفة، والنَّعت لابد أن يوافق المنعوت في التَّعريف والتَّنكير، إذن كيف نعرب "الذي"؟
نقول: بدل، وإذا كانت بدلًا فالمعنى حينئذ: وَيلٌ للذي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ؛ لأنَّ البدل على نيَّة حذف المبدل منه، أو على نيَّة تكرار العامل.
التَّابع الرابع: المعطوف. المعطوف هو التَّابع الواقع بعد حرف من حروف العطف، وحروف العطف كما سيأتي عشرة، كالواو، تقول: جاء محمدٌ وخالدٌ، فأسلوب العطف له ثلاثة أركان: المعطوف عليه، والعاطف، والمعطوف.
أين المعطوف عليه في قولنا: جاء محمدٌ وخالدٌ؟ "محمد". وأين العاطف؟ الواو، وأين المعطوف؟ "خالد". طيب والتَّابع منها؟ هو المعطوف، لكن نحتاج إلى أن ندرس أيضًا العاطف، يعني حروف العطف؛ لأنَّنا نُعرِّف المعطوف بأنَّه الواقع بعد حرف من حروف العطف، لابدَّ أن نعرف حروف العطف؛ لأنَّ الذي بعدها سيكون حينئذٍ معطوفًا تابعًا في إعرابه للمعطوف عليه.
وقد مثَّل الحريري للمعطوف بقوله:"خَلِّ المَزحَ والمُجُونَا"، يعني خلِّ المزحَ والمجون، فـ"خلِّ" فعل أمر، والفاعل: مستتر وجوبًا تقديره أنت، و"المزح" مفعول به، و"المجون" الواو حرف عطف، و"المجون" معطوف على "المزح" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة.
فنحتاج إلى أن نتعرف على حروف العطف، فكم حروف العطف؟ حروف العطف عشرة، كما نصَّ عليها الحريري فقال:
وأحرُفُ العطفِ جميعًا عَشَرَهْ ... محصورَةٌ مأثُورَةٌ مُسَطَّرَهْ
فهي بالتَّتبع والاستقراء والحصر: عشرة أحرف، نأتي عليها واحدًا واحدًا:
فالحرف الأوَّل: الواو، وما معنى الواو العاطفة؟ عملها: أنها تعطف ما بعدها على ما قبلها، يعني تجعل ما بعدها مثل ما قبلها في الإعراب رفعًا ونصبًا وجرًّا وجزمًا.
ما معنى حرف الواو؟ قالوا: لمطلق الجمع، يعني مطلق التَّشريك، دون دلالةٍ على ترتيبٍ، قد يكون الذي قبلها هو الأسبق، وقد يكون هو المتأخر، وقد يكون الذي قبلها والذي بعدها في وقت واحد معًا. يعني قولك: جاء محمدٌ وخالدٌ، ما معناه؟ معناه: أنَّه جاء محمد، وجاء خالد؛ لكن ما فيه دلالة أيهما الأسبق، يعني ما فيه دلالة اقتضاء -يعني دلالة قاطعة- تقطع بهذا الأمر، وإن كان الأكثر في كلام العرب أنَّهم يستعملون العطف بالواو على أنَّ الذي قبلها أسبق مِن الذي بعدها، وبعد ذلك يستعملونها على أنَّهما معًا في وقت واحد، وبعد ذلك على أنَّ الذي قبلها بعد متأخر عن الذي بعدها، لكن ما فيه اقتضاء دلالة، فيمكن أن تقول: جاء محمدٌ وخالدٌ، مع أنهما جاءا في وقت واحد، ما فيه مانع، طيب لو جاء محمد أولًا، نقول: جاء محمدٌ وخالدٌ، لو جاء خالد أولًا؛ يجوز أن تقول: جاء محمدٌ وخالدٌ، ما فيه إشكال.
الدليل على ذلك: أنَّه يجوز أن تقول في الكلام: جاء محمدٌ وخالدٌ قبله، ما فيه إشكال، أو جاء محمدٌ وخالدٌ بعده، أو جاء محمدٌ وخالدٌ معًا، فكونك تقول: "قبله، وبعده، ومعًا"، دليل على أنَّ الواو لا تقتضي هذا المعنى، وإلا لَمَا جمعتَ بينهما.
ومن ذلك قولنا: القرآنُ والتَّوراةُ والإنجيلُ منزلة من الله، كلام صحيح لا إشكال فيه، مع أنَّ القرآن متأخر في التَّنزيل عن التَّوراة والإنجيل، لأنَّ الواو ما فيها دلالة على هذا الاقتضاء.
والصَّحابة -رضي الله عنهم- عندما أُمروا بالسَّعي، سألوا: نبدأ بالصَّفا أو نبدأ بالمروة؟ مع أنَّهم يقرءون قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، فما فهموا تقديم "الصفا" من الآية حتى قال لهم النَّبي -صلى الله عليه وسلم- «نبدأ بما بدأ به الله»، فالواو لا تقتضي التَّرتيب. ما معنى لا تقتضيه؟ يعني لا تدلُّ عليه دلالة اقتضاءٍ وجوبٍ، وإن كان الأكثر في اللَّغة أنَّها تستعمل على هذا المعنى.
الحرف الثَّاني: هو الفاء، وهي للترَّتيب بـلا مُهلةٍ، مثال: جاء الولد فأبوه، جاء محمدٌ فخالدٌ، والتَّرتيب يعني أنَّ الذي قبلها هو السَّابق بلا مُهلة، يعني ليس بينهما وقت طويل عُرفًا، ومعنى عُرفًا: أنَّ الوقت قد يكون دقيقة، وقد يكون ساعة، وقد يكون أسبوعًا، وقد يكون الوقت أشهرًا بلا مُهلة. يعني مثلًا المجيء قد يكون ثوانٍ أو دقائق هذا بلا مهلة، فتقول: جاء محمدٌ فخالدٌ. لكن لو جاء محمد وبعد ساعة ساعتين جاء خالد؛ لا نقول: جاء محمدٌ فخالدٌ؛ بل نقول: جاء محمد ثم خالد.
مثلًا: نزل المطر فخرج الربيع، مع أنَّ بين نزول المطر وخروج الرَّبيع أيام. هذا أقل ما بينهما عُرفًا
مثال: تزوج محمدٌ فوُلِد له. كم بين زواجه وولادة الولد؟ أشهر، لكن هذا أقل ما بينهما عُرفًا. فهذا معنى أنَّ المُهلة عرفيَّة، وليست دائمًا تعني ثواني ودقائق.
الحرف الثَّالث: ثم، وهي للتَّرتيب مع مُهلة، فإذا كان بينهما وقت طويل عُرفًا تستعمل "ثم"، مثال: جاء محمدٌ ثم خالدٌ. قال الحريري: "الواوُ والفاءُ وثمَّ للمَهَلْ" فبيَّن معنى "ثم"، ولم يبيِّن معنى الواو والفاء؛ لضيق الشِّعر.
الحرف الرَّابع من أحرف العطف: أو. ما معناها؟ قالوا: لاختيار أحد الشَّيئين، نحو تزوَّج هندًا أو أختَها. يعني اختر واحدة، إمَّا هند أو أختها، ما يمكن تجمع بينهما.
مثال: سجِل في كليَّة الشَّريعة أو كليَّة اللَّغة. يعني اختر واحدًا منهما.
وقد تكون "أو" لإباحة الشَّيئين أو أكثر. كقولك: كُل تفاحةً أو برتقالةً، يعني كُل تفاحة أو كُل برتقالة، أو كُلهما، فهذه إباحة. مثال: ادرس النَّحو أو الفقه.
إذن "أو" إمَّا أن تكون للتَّخيير وإمَّا أن تكون للإباحة، فتكون للتَّخيير إذا لم يمكن الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، وتكون للإباحة إذا أمكن الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه.
الحرف الخامس: أم، وهي للتَّعيين، نحو: أمحمدٌ جاء أم خالدٌ؟ فالهمزة للاستفهام، و"أم" لطلب التَّعيين، عَيِّنَ المعطوفَ "محمد" أو المعطوف عليه "خالد". ومثل: سواءٌ أقُمْتَ أم قَعَدتَ.
الحرف السَّادس: حتى، ومعناه: الغاية، ويدلُّ على غاية الشَّيء، إمَّا غاية في العلو، وإمَّا غاية في الدُّنو، تقول: جاء الحجَّاجُ حتى المشاةُ، هذا غاية في الدنو.
وتقول: مات النَّاس حتى الأنبياء، هذا غاية في العلو. وفي الحديث: «وَصَاحِبُ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيءٍّ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ».
الحرف السَّابع: بل، وهي للإضراب، يعني الإضراب عن الكلام السَّابق والانتقال عنه وتركه.
- قد يكون إضراب إلغائي: أي تُلغي الكلام السابق.
- وقد يكون إضراب انتقالي: يعني مجرد انتقال لكلام جديد، والكلام السابق تتركه، لا تُلغيه، ولا تُثبته.
مثال: لا تأكل تفاحةً بل تينًا، هذا إضراب إلغائي.
الحرف الثَّامن من حروف العطف: لا، وهي للنَّفي، نحو: جالس العلماءَ لا السفهاءَ، كُل تفاحةً لا برتقالةً، قال الحريري: "ولا وحتّى ثمَّ أوْ وأَمْ وبَلْ".
الحرف التَّاسع: لكنْ، بسكون النون، وهي للاستدراك، مثل: لا تأكل تفاحةً لكنْ برتقالةً.
وقلنا: "لكنْ" بالسكون؛ لأنَّ "لكنَّ" المشددة من أخوات "إنَّ"، تنصب المبتدأ وترفع الخبر.
والحرف العاشر وهو الأخير: إِمَّا، مكسورة الهمزة، نحو: كُل إمَّا تفاحةً وإمَّا برتقالةً، تزوج إما هندًا وإِمَّا أُختها. طيب كم عندنا من "إما" في هذا الأسلوب؟
اثنتان: الأولى للتَّفصيل، ليس لنا بها علاقة الآن في العطف، إنمَّا نريد "إمَّا" الثَّانية، وهذه تكون حرف عطف، نحو: كُل إمَّا تفاحةً وإمَّا برتقالةً.
ومعناها مثل الأوَّل:
إمَّا أن تكون للتَّخيير عندما لا يُجمع بينهما، مثل: تزوج إما هندًا وإما أختها.
أو للإباحة، مثل: كل إما تفاحةً وإما برتقالةً.
قال الحريري: "وبعدَهَا لكِنْ وإمّا إنْ كُسِرْ" يعني "إمَّا" المكسورة، ليست "أمَّا"، "وجاءَ في التّخييرِ فاحفَظْ ما ذُكِرْ".
فهذه هي التَّوابع، وقد شرحنا أهمَّ أحكامها التي لم يذكرها الحريري -رحمه الله تعالى- فبهذا نكون قد انتهينا بحمد الله من التَّوابع، وفي الدَّرس القادم سنتكلم على الممنوع من الصَّرف، فالحمد لله أولًا وآخرًا، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.